زادك في دقائق
عنوان الزاد :

سكر العشق

شغاف القلب..
إن القرآن الكريم دقيق في تعبيراته، فكلمة الحب ومشتقاتها متعددة في القرآن الكريم، يقول تعالى في سورة "البقرة":
﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ.. ولكن في سورة "يوسف" هنالك إشارة إلى حب وقع بين بشر وبشر، هو حب زليخة ليوسف (عليه السلام)؛ حب من جهة واحدة، والتعبير الذي ورد بهذا الشأن هو: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾؛ أي دخل شغاف القلب.. وشغاف القلب هو حجابه، ومن هنا فإن الإنسان لا يحب كل شيء، لأن هناك حجاباً في قلبه.. لذا:

أولاً: عندما ينظر إلى أولاد الناس، فهو غير ملزم بحبهم.. ولكن عندما ينظر إلى ولده، فإن حبه كأنه يشق حجاب القلب، ويصل إليه!..

ثانياً: عندما يرى الكثير من النساء في كل يوم؛ فإن المؤمن العفيف لا يعتني بهن؛ فقط زوجته المؤمنة هي التي تدخل حجاب قلبه؛ وهذا لا ضير فيه!.. فزليخة إنما ذمت؛ لأنها شغفت بيوسف (عليه السلام)، وهو نبي أجنبي عنها، فما لزليخة ويوسف؟..

العشق..
أولاً: العشق السلبي..
إن في تراث أهل البيت (عليهم السلام) إشارة إلى العشق وإلى الحب بالمعنى السلبي؛ أي أن الإنسان يحب من لا ينبغي حبه، ومثاله: حب الأجنبية؛ وهذه الأمور كثيراً ما تحدث وخاصة عند التداخل بين الرجال والنساء في العمل وغيره، وإذا بالإنسان المحصن المتزوج يدخل في قلبه حب أجنبية لا يمكن الوصول إليها؛ لأنها متزوجة مثلاً.. فما هو موقف الشرع من هذا الحب؟.. سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن العشق فقال: (قُلوبٌ خَلَت مِن ذِكرِ اللهِ؛ فَأَذاقَهَا اللهُ حُبَّ غَيرِهِ)..

-(قُلوبٌ خَلَت مِن ذِكرِ اللهِ).. إن هذا الحب الذي لا معنى له، وغير المطلوب شرعاً؛ إنما سببه خلو القلوب من ذكر الله عز وجل، ذلك الذكر الذي يورث المحبة.

-(فَأَذاقَهَا اللهُ حُبَّ غَيرِهِ).. إن الإنسان هو الذي يوقع نفسه في الفخ، عندما ينظر إلى امرأة نظرة مريبة، وهي تنظر إليه؛ فيقع في المحظور.

ولكن لماذا يذيقه رب العالمين حب الغير؟..
الجواب:
إن هناك مبدأين؛ أحدهما خطير، والآخر مبشر، وهما:

المبدأ الأول: التوفيق.. أي أن يجمع رب العالمين بين الإنسان وبين الخير، فيهيئ له المقدمات كحب الحسين (عليه السلام) مثلاً!.. قال الصادق (عليه السلام): (من أراد الله به الخير، قذف في قلبه حب الحسين (عليه السلام) وحب زيارته.. ومن أراد الله به السوء قذف في قلبه بغض الحسين (عليه السلام) وبغض زيارته).. ومن هنا نعلم سبب اشتياق بعض المؤمنين إلى زيارة المشاهد، بينما هناك إناس لا يشتاقون إلى ذلك!.. فرب العالمين هو الذي يوفق بين العبد وبين العمل.

المبدأ الثاني: الخذلان.. إن الإنسان الذي يخلو قلبه من ذكر الله عز وجل ومن حبه؛ فإن رب العالمين يخذله.. كأن يقع في قلب إنسان أن يذهب إلى مكان، فيذهب وإذا به يقع في حب من لا يجوز حبه.. فإذن، رب العالمين يذيق البعض حب الأغيار من باب العقوبة، يقول تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.

ثانياً: العشق الإيجابي..
إن هناك عشقاً ممدوحاً، فليس كل عشق حراماً؛ كحب الزوجة والأولاد!.. فالإنسان المؤمن كلما زاد إيمانه زاد حبه لأسيرته، قال رسول الله (): (كلما ازداد العبد إيماناً، ازداد حباً للنساء).. فهذا الحب يختلف عن ذلك الحب الأول، للأسباب التالية:

1. إن هذا الحب انعكس من محبة الله عز وجل، فهو أحب هذه الزوجة لأن الله تعالى هو الذي أمره بودها ومحبتها، ألا يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.. فإذن، إن هذه المودة هي من الله عز وجل، أما مودة الأجنبية فهي من الشيطان!.. وعليه، فإن هناك فرقاً بين هذه المودة وبين تلك المودة!..

2. إن المودة إذا كانت من الله عز وجل، ليس فيها خطر، وذلك لأن:

أ- هذه المحبة لا تعلو على محبة الله عز وجل، فهو الذي جعل المودة.. وبما أن المودة منه، فإنه من المستحيل أن يأتي يوم على المؤمن، يحب فيه زوجته أكثر من حبه لله عز وجل!.. فهذه المحبة هي شعاع من محبة الله تعالى، فأين الشمس وأين شعاع الشمس؟.. وبما أن المحبة هي عبارة عن حزمة من شعاع الشمس لا كل الشعاع؛ لذا فإنها لا تغلب على محبة الله عز وجل.

ب- إن هذه المحبة؛ لا تدعوه إلى الحرام.. أما مودة الأجنبية؛ فإنها تدعوه إلى: النظر المحرم، والحديث المحرم، ثم اللقاء المحرم.

ج- إن هذا الحب لا يسلبه عقله ومنطقه، فمن أحب زوجته لله تعالى، ثم أمرته بما لا يرضي الله عز وجل، كأن تأمره بالتبذير والإسراف مثلاً؛ فإنه لا يطيعها في ذلك!..

فإذن، إن هذا الحب آمن، وليس فيه ما يخاف منه.

موجبات السكر..
أولاً: روافد السكر.. إن العشق والسكر ليس سببه المرأة فقط، بل هناك روافد أخرى للسكر، وردت في روايات عديدة، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (ينبغي للعاقل أن يحترس من: سكر المال، وسكر القدرة، وسكر العلم، وسكر الشباب.. فإن لكل ذلك رياحاً خبيثة؛ لتسلب العقل، وتستخف الوقار)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: (السكر أربع سكرات: سكر الشراب، وسكر المال، وسكر النوم، وسكر الملك).. وقيل أيضاً: «المسكرات» خمسة، وهي: "سكر الشراب، وسكر الشباب، وسكر المال، وسكر الهوى، وسكر السلطان".. فإذن، من مصاديق السكر: الخمر، والشباب، والملك، والمال، والعشق.

1. الخمر: إن الذي يشرب الخمر، يسكر لمدة دقائق أو ساعات، أي له مدة محدودة، ولكن بمجرد أن ينتهي مفعول هذا السكر، ويعود الإنسان إلى وضعه الطبيعي وإلى رشده؛ فإنه يعيش الندامة.

2. الشباب: إن سكر الشباب لعله أشد من سكر الخمر؛ لأن الشاب لا يفكر بمنطق، لهذا ورد في خبر طريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (رأي الشيخ؛ أحب إلي من جلد الغلام)؛ الغلام فيه طاقة وفيه عنفوان، والشيخ كبير السن له رأي حاذق، ولكن هذا جالس مكانه والشاب يقفز هنا وهناك!.. لذا، فإن الأب الذي كان في بلاد الغرب أيام شبابه، وارتكب بعض الهفوات التي لا يعلم بها إلا الله عز وجل؛ فإن عليه أن ينصح ولده إذا أراد الذهاب إلى تلك البلاد، يقول له ليلة السفر: بني!.. إياك وإياك أن تعمل ما عملته أنا قبل ثلاثين سنة؛ فنحن أيام الشباب ذهبنا إلى بلاد الغرب، وارتكبنا ما ارتكبنا، وها هي الأيام قد مضت، ولم يبق إلا الوزر، والآن انتهت السكرة وبقيت الفكرة.. فإنه -والله العالم- إذا أخذ الله عز وجل بيد ذلك الولد، من المحتمل أن يرتدع!..

3. الحكم: إن الملك والتسلط ولو على مجموعة صغيرة، يوجب للبعض حالة من السكر.. فبعض الناس إذا أصبح رئيس قسم، فإنه ينسى القواعد والقوانين، وإذا به: يغضب بغير حق، ويعاقب بغير حق!..

4. المال: إن صاحب المال أيضاً يعيش حالة السكر، لأنه يظن نفسه محمياً، ويستطيع تحقيق كل ما يريده بذلك المال.. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (سكر الغفلة والغرور، أبعد إفاقة من سكر الخمور).

5. العشق: المراد هنا بالعشق عشق النساء.

ثانياً: ارتكاب المخالفات.. إن بعض الناس عندما يحب حراماً؛ فإنه يرتكب الكثير من المخالفات في سبيله، كأن: يقاطع أهله، ويخالف القانون، ويهتك الأحكام الإلهية، ويذهب في طريق ملتوٍ.. قال الإمام علي (عليه السلام): (مَنْ عَشقَ شَيئا:ً أعْشَى بَصَره، وأمْرَضَ قَلْبَه.. فَهْوَ: يَنْظُر بِعَينٍ غَير صَحِيحَة، وَيَسْمَعُ بِأذنٍ غَير سَمِيعَة، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقلَه، وأمَاتَتْ الدُّنْيَا قَلْبَه)؛ فالعين لا ترى الواقع؛ لأن الغالب عليها ما هو بصدده.. والأذن لا تسمع، وإن نصحه ناصح، بأن ما يقوم به من عمل فيه هلاكه في الدنيا والآخرة.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج