أنت في صفحة رقم
[  1  | 2 | 3 | 4 | 5 ] >>>

عرفانيات
مجموع المشاركات = 145
تسلسل اسم المشترك عنوان المشاركة ومحتواها
1 حسين هادي مهدي اسرار الصلاة
أسرار الصلاة
الفصل الثاني : في اعتبار حضور القلب في العبادة
القسم الثالث
وروى الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال : (إذا كنت في صلاتك فعليك بالخشوع والإقبال على صلاتك، فإن الله تعالى يقول : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ).
وعنه (ع) قال : (كان علي بن الحسين (ع) إذا قام في الصلاة تغير لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقاً. وكان (ع) إذا قام في الصلاة، كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه إلا ما حركت الريح منه).
وعن أبي جعفر (ع) قال : (إن أول ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قبلت قبل ما سواها. إن الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة، تقول : حفظتني حفظك الله. وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة، تقول : ضيعتني ضيعك الله).
وروى الفيض بن القاسم عن أبي عبدالله (ع) أنه قال (والله إنه ليأتي على الرجل خمسون سنة، وما قبل الله منه صلاة واحدة! فأي شيء أشد من هذا؟ والله إنكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم من لو كان يصلي لبعضكم، ما قبلها منه، لاستخفافه بها. إن الله عز وجل لا يقبل إلا الحسن، فكيف يقبل ما يستخف منه).
وعن أبي الحسن الرضا (ع) أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول : (طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحزن صدره بما أعطي غيره).
وروى سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجل : (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) قال : (ليس يعنى أكثركم عملاً، ولكن أصوبكم عملاً، وإنما الإصابة خشية الله تعالى، والنية الصادقة، ثم قال : الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل، والنية أفضل من العمل. ألا وإن النية هي العمل، ثم تلا قوله عز وجل : (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) يعنى على نيته.
وبهذا الإسناد قال سألته عن قول الله عز وجل (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) قال السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه، وقال : وكل قلب فيه شك أو شرك، فهو ساقط.
وإنما أراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة.
وعن أبان بن تغلب قال : كنت صليت خلف أبي عبد الله (ع) بالمزدلفة فلما انصرفت التفت إلي فقال : يا أبان، هذه الصلوات الخمس المفروضات، من أقام حدودهن وحافظ على مواقيتهن، لقي الله يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنة، ومن لم يقم حدودهن ولم يحافظ على مواقيتهن، لقي الله ولا عهد له، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
والأخبار في ذلك كثيرة فلنقتصر على هذا القدر.
وأعلم أنه قد استفيد منها أن قبول الصلاة موقوف على الإقبال بالقلب عليها، والالتفات عما سوى الله فيها، وأن قبولها يوجب قبول ما سواها من الأعمال. وحينئذ فالاهتمام بهذه الصفة أمر مهم، والغفلة عنها خسارة عظيمة، وانحطاط قوي وغفلة رديه، حيث يدأب نفسه في الطاعة، ويقوم بها آناء الليل وأطراف النهار، ثم لا يجد بذلك ثمرة ولا يستفيد به فائدة : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاة ِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) خصوصاً إذا ضم إلى ذلك ما روي أن الصلاة إذا ردت رد سائر عمله كما أنها قبلت قبل سائر عمله.
فنسأل الله تعالى أن يمن علينا من فضله العميم بدوام الإقبال وقبول الأعمال.
2 حسين هادي مهدي حضور القلب
أسرار الصلاة
الفصل الثالث : في بيان الدواء النافع في حضور القلب
القسم الأول
أعلم إن المؤمن لا بد أن يكون معظماً لله، وخائفاً له، وراجياَ منه، ومستحيياً من تقصيره، فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه، وإن كانت قوتها عنده بقدر قوة يقينه.
فانفكاكه عنها في الصلاة، لا سبب له إلا تفرق الفكر، وتقسم الخاطر، وغيبة القلب عن المناجاة، والغيبة عن الصلاة.
ولا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة.
فالدواء في إحضار القلب هو : دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء وإلا بدفع سببه.
وسبب توارد الخواطر إما أن يكون أمراً خارجاً، أو أمر في ذاته باطناً.
أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر، فإن ذلك قد يخطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه ثم ينجر منه الفكر إلى غيره ويتسلسل، ويكون الإبصار سبباً للأفكار ثم تصير بعض تلك الأفكار سبباً للبعض الآخر، ومن قويت رتبته وعلت همته، لم يلهه ما يجري على حواسه. ولكن الضعيف لا بد أن يتفرق فكره.
فعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره، أو يصلي في بيت مظلم، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه، أو يقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة ما يشغل بصره، ويحترز من الصلاة على الشوارع، وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المزينة. ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم، سعته بقدر ما يمكن للصلاة فيه، ليكون ذلك أجمع للهم.
وينبغي أن لا يعدل إلى غمض العينين ما وجد السبيل إلى القيام بوظيفة النظر، وهي جعله قائماً إلى موضع السجود، وغيره من الأمور المعلومة شرعاً. فإن تعذر القيام بها مع فتحهما، فالغض أولى لأن الفائت من وظيفة الصلاة وصفتها بتقسم الخاطر أعظم منه مع الإخلال بوظيفة النظر.
وليحضر بباله عند نظره إلى موضع سجوده، أنه واقف بين يدي ملك عظيم يراه ويطلع على سريرته وباطن قلبه وإن كان هو لا يراه، وإن التوجه القلب ووجه الرأس مثال ومضاف بالتبع، وإنه يخاف إن ولاه ظهر قلبه أن يطرده عن باب كرمه، ويسلبه عن مقام خدمته، ويبعده عن جناب قدسه ومقدس حضرته، وكيف يليق بالعبد أن يقف بين يدي سيده ويوليه ظهره ويجعل فكره في غير ما يطلبه منه؟
لا ريب في أن هذا العبد مستحق للخذلان مستوجب للحرمان في الشاهد والخسيس والقياس البعيد، فكيف في المقصد الأصلي والملك الحقيقي.
وقد ورد في الحديث (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم).
فبهذا ونظائره تجتمع المهمة، ويصفو القلب، وينحصر بالنظر إلى الأمور الخارجية.
3 هدى العُقيلي قناديل العارفين
1 - ليس الأمر إما أن تصبح شيئا رفيعا ساميا، أو سافلا منحطا خسيسا، أو متوسطا! بل هناك طريق من لا يريد أن يصبح شيئا أصلا! إنه المسار الحقيقي إلى الله تعالى!.. وإرادتك أن تصبح شيئا رفيعا في المجتمع، هو الطريق المزيف لله تعالى، إنه مسار الأنا!.. كل يغني على ليلاه!، أحرق ليلاك في عينيك، وامح صورتها عن قلبك، وستصبح خالصا محررا، وستفهم طعم (اللا شيء)!..
السيد روح الله الخميني (قدس سره)

2 - كان السيد عبد الاعلى السبزواري (قدس سره) لا يمتلك آلة تبريد الهواء. كما كانت ثيابهُ واحدة صيفاً وشتاء، ولما خوطب في ذلك كان يقول : (كلّ شيء ٍ من الحبيبِ حبيبُ).

3 - ان اكثر الناس حينما يذهبون الى زيارة العتبات المقدسة يقفون ماسكي الضريح، فيتوسلون بالامام عليه السلام لحوائجهم المادية، فيحملون ثقلاً على ثقلهم، ولم يسألوا الامام عليه السلام بأن يأخذ منهم ثقلهم، وهو التعلق بالدنيا ويقولون له :
سيدي ومولاي اسلب منا التعلق بالدنيا!.. بل يسألونه بأن يعطيهم بيتاً او ولداً او زوجاً او سيارة, وما سمعنا أحد دخل بخدمته، وقال له : خذ مني كذا وكذا.
السيد العارف هاشم الحداد (قدس سره)

- السيد هاشم الحداد (قدس سره).
سألهُ أحدهم يوماً : هل تشرفتم برؤية ولي العصر أرواحنا فداه؟
قال : عميت عينٌ تفتح صباحاً من نومها، فلا يكون أول نظرها اليه!

4 - فاطمة هي شرف الله، فهل اذا اقسم احدكم على الله بشرفة يرده خائبا؟!
العارف الحاج عبد الزهرة الكرعاوي (قدس سره)

5 - الأفضل للفرد أن يحزن ويندم دائما، لعدم حصوله على الكمال اللائق به, لا أن يفرح بما جاء به من الطاعات، فان الطاعات - لاحظوا - فان الطاعات مهما كثرت فإنها قليلة، بل معدومة تجاه المعبود اللانهائي القدرة, واللانهائي الوجود, والتي نعمه لا تحصى ولا تـُجازى وهو المبتديء بالنعم قبل استحقاقها، والله تعالى لا يطاع حق طاعته, ولا يُشكر حق شكره, و لا يُذكر حق ذكره.
السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره)

- إنني يوما فتحت القرآن الكريم لاجد فيه منزلتي امام الله سبحانه او قل - بالتعبير الدنيوي - (رأي) الله فيّ، فخرجت هذه الآية من سورة الكهف : (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً). إن كل هذه الآية مفهومة لي بحسب حالي يومئذ، الا قصة (الكهف) الذي يكون من المطلوب ان آوي اليه، اي كهف هذا؟ وذهبت الى الحرم العلوي - على ساكنها السلام - عسى ان ينفتح لي هناك عن هذا المعنى، وبدأت بزيارة (امين الله) حتى وصلت الى قوله عليه السلام : (اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضائك الى قوله : يا كريم) وقد حصل لي في تلك اللحظة (حدس) قوي بأن الكهف الذي يجب ان ادخله هو هذا، اي ان تصبح نفسي على هذه الأوصاف، وتجانب ما سواها، وقد عرضت ذلك على مولاي - يقصد به الامام الخميني (قدس سره)- فأقرّه وقال بصحته.
السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره)

6 - قيل للشيخ محمد تقي بهجت (قدس سره): إصلاح النفس وتهذيبها أمر صعب!
فسأل الشيخ : هل تستطيع أن تُفسد نفسك؟
قال : إنه أمرُ سهل!
قال له الشيخ : إذن أترك هذا السهل.

7 - كان آية الله بهجت يقول : أن أول مقام يحرزه السالك في طريق التقرب إلى الله هو رؤية المسافة بينه وبين مولاه، فعليه أن يحافظ على هذه المسافة ولا يبتعد عن المولى. إن لم يستطع أن يقلل هذه المسافة فلا ييأس. المهم هو المحافظة على هذه المسافة، أي أن عليه أن لا يبتعد في بادئ الأمر، ثم عليه أن يتدرج ليقلل من هذه المسافة، ويقترب من المولى عزّ وجل.
4 عمار البداية ولا نهاية
أكثر الذين يحاولون الدخول إلى مسلك العرفان والقرب من الله، يركزون على مجاهدة النفس والمراقبة والمشارطة وغيرها.. وهذه كلها اشياء مشتركة يفعلها الرحمانيون والشيطانيون، حيث السحرة واتباعهم يعملون على مجاهدة النفس وغيرها..
ولكني وجدت البداية هي الاخلاص لله في كل شيء، وان لا ترجو شيء إلا من الله، ولا تعمل شي إلا لله، وتجعل كلمة لا اله الى الله هي شعارك في كل شيء، وسوف تجد الأبواب تنفتح امامك بصورة عجيبة، وتحس بالقرب من الله.
5 احمد المياحي مكاشفة السيد الخوئي
ما نقله السيد الخوئي يقول : جمعني الشيخ محمد تقي بهجت احد تلاميذ السيد القاضي مع استاذه بسبب نقاش دار بيننا في مسالة علمية وانجر الى عقد اللقاء في صحن ابي الفضل العباس عليه السلام في كربلاء, واستغرق اللقاء ساعة ونصف, ثم توطدت العلاقة بينهما, فطلب السيد الخوئي برنامجا للعمل من السيد القاضي, فاعطاه ذكرا يواظب عليه اربعون يوما,
يقول السيد الخوئي : وبعد ختم الاربعين حصلت لي مكاشفة لحياتي المستقبلية الى لحظات الموت, فرأيت نفسي على المنبر وانا ادرس الفقه والاصول, ثم رأيتها جالسا في الدار والناس يترددون علي ويستفتوني في المسائل الشرعية ورايت نفسي بعدها اماما لصلاة الجماعة, وحالات كثيرة مختلفة كمرأة امامي حتى وصلت الى مكان سمعت فيه صوتا من اعلى المنارة يقول : انا لله وانا اليه راجعون, انتقل الى جوار ربه الكريم اية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي, ثم انتهت تلك المكاشفة ورجعت الى وضعي العادي
6 احمد المياحي الإخبار عن المستقبل
يقول الشيخ محمد شريعت نجل المرجع الديني شيخ الشريعة الأصفهاني :
لم يكن يبقى لي ولد حي وكلما رزقت ولداً توفي بعد عدة أشهر، وكان شائعاً في أوساط العرب في النجف عادة هبة المولود الجديد إلى أحد من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يأخذونه منه، وكانوا يعتقدون أن هذا الإعطاء والأخذ سبب ليبقى هذا المولود على قيد الحياة، فاحتضنت ولدي وقصدت حرم أمير المؤمنين عليه السلام لأرى سيداً أهب له هذا المولود، فرأيت من باب الصدفة السيد الأعلى القاضي خارجاً من الحرم فتقدمت إليه وسلمت عليه وعرضت عليه الموضوع، فأخذ السيد الطفل بكل أدب واحترام وقال : إني قبلت منك هذا الطفل ولكن إعلم أنه سيموت قطعاً ولم يبقى من عمره إلا أياماً معدودة، وهو ما حدث بالفعل حيث توفي الطفل بعد عدة أيام.
كما أخبر السيد القاضي بغصب نصف منزل السيد هاشم الحداد، يقول العلامة الطهراني :
كان المنزل الذي يسكن فيه السيد هاشم ملكاً لزوجته وكان والدها المدعو حسين أبو عمشة قد وهب هذا الدار لإبنته إذ كانت له علاقة بذرية رسول صلى الله عليه وآله وخاصة بصهره السيد هاشم، حيث كان يحبه كثيراً، وكان للسيد هاشم أطفال كثيرة فقال : هذه الدار لهؤلاء السادة الصغار وكتب بذلك وصية خطية.
ولكن بعد وفاته أنكر صهره الآخر الوصية مع أنه كان ثرياً ورفع شكوى إلى الحكومة ودفع الرشاوي حتى حكمت المحكمة بتقسيم الدار بينهما، وخرجت لجنة المحكمة وأمرت بوضع حائط بوسط الدار، وأصبحت هذه الدار الصغيرة غير قابلة للسكن وكان النصف الذي صار من حصة السيد هاشم لا باب له وليس فيه مرافق صحية فكانت زوجته وأطفاله يضطرون إلى صعود سلم من الشارع ثم عبور الحائط والنزول إلى الدار، وكانت هذه الحادثة سبباً لمرض زوجته، وأخيراً انتقلت عائلته إلى مكان آخر ريثما يتم تعمير الدار وفتح باب لها وبناء مرافق صحية، وكان المرحوم القاضي قد أخبر بكل ذلك.
7 احمد المياحي الإمتناع عن الكلام والحديث الفارغ
ويقول آية الله السيد محمد الحسيني الهمداني صاحب تفسير أنوار درخشان أي الأنوار الساطعة كنت أسكن في مدرسة قوام في النجف الأشرف، وكان للسيد علي القاضي غرفة صغيرة في زاوية المدرسة، فتعجبت من ذلك ثم علمت أنه اختار السكن في هذه الغرفة لضيق منزله وكثرة عياله وأولاده ليجد الهدوء والخلوة للتهجد والعبادة، وخلال وجودي في مدرسة قوام لم أرَ السيد القاضي قضى ليلة نائماً، وكان يحيي الليل بالنوح والبكاء وقد رأيت في أثناء هذه الفترة القصيرة التي قضيتها معه حالات فريدة لم أرها من أحد غيره سوى النائيني والكمباني فكان يختلف عن جميع الأساتذة والطلاب الذين عرفتهم في حوزة النجف في تمام سلوكه وأخلاقه الإجتماعية والعائلية والدراسية، فهو دائم السكوت ولا يتكلم إلا نادراً وكان يبادر أحياناً إلى الحديث من غير سؤال، وكنت أشعر أنه يعاني أحياناً من صعوبة كبيرة في الجواب حتى اطلعت صدفة على شيء جلب انتباهي وهي وجود غدة زرقاء في باطن فم السيد القاضي، فسألته عن ذلك فامتنع عن جوابي، فأصررت عليه وبينّت له أن قصدي هو مجرد التعلم ولا شيء آخر فلم يجبني أيضاً، إلى أن خلوت معه في جلسة مرة فبادرني قائلاً : يا سيد محمد يجب أن تتحمل مصاعب جمة من أجل طي المسافة الطويلة في السير والسلوك ويجب عليك أيضاً أن تترك أموراً كثيرة، فقد أردت في أيام شبابي وفي ابتداء سلوكي في هذا الطريق، أن ألجم لساني وأسيطر عليه، فوضعت حصاة في فمي مدة 26 عاماً لكي أمتنع عن الكلام والحديث الفارغ وهذه الغدة الزرقاء التي تراها في باطن فمي هي من آثار تلك المرحلة.
ويقول آية الله السيد عبد الكريم الكشميري : لقد كان السيد القاضي كله مكاشفة، وقد صار في آخر عمره لطيفاً ورقيقاً جداً فكان بمجرد أن يرى الماء يتذكر مصيبة عطش الإمام الحسين عليه السلام ويشرع في البكاء.
ولقد وصل السيد القاضي أثر هذه المجاهدات والرياضات العبادية إلى درجة الفناء في الله عزوجل فلم يكن يحس ويهتم بما يجري حوله مهما كان ذلك عظيماً وخطيراً في نظر الناس.
8 المذنب أرِحنا يا بلال
* أرِحنا يا بلال!:
المسارعون إلى تلبية النداء بالصلاة، هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الاكبر، فاعرض أنت قلبك على هذا النداء، فان وجدته مملوء اً بالفرح والاستبشار، مشحونا بالرغبة إلى الابتدار، فاعلم انه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء، ولذلك قال سيد الأنبياء " أرِحنا يا بلال!"، أي (أرِحنا بالصلاة وبالنداء اليها)، إذ كانت قرّة عينه فيها.
***********************
واعتبر بفصول الاذان وكلماته كيف افتتحت بالله واختتمت بالله جل جلاله فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، ووطّن قلبك بتعظيمه عند سماع التكبير، واستحقر الدنيا وما فيها لئّلا تكون كاذبا في تكبيرك، وانف عن خاطرك كل معبود سواه بسماع التهليل واستحضر نبيّه، وتأدب بين يديه، واشهد له بالرسالة مخلصا، وصلّ عليه وآله، وحرّك نفسك، واسع بقلبك وقالبك عند الدعاء إلى الصلاة، وما يوجب الفلاح، وما هو خير الأعمال وأفضلها.
وجدد عهدك بعد ذلك بتكبير الله وتعظيمه، واختمه بذلك كما افتتحت به. واجعل مبدء ك منه، وعودك إليه، وقوامك به، واعتمادك على حوله وقوته، فإنّه لا حول ولا قوة إلا بالله إلا بالله العلي العظيم.
9 علي عشق الله
عشق الله عز وجل كالهواء الذي يهب ليحرك سفينة النفس التائهة وسط بحار الأهواء، ولكن سفينة النفس لا تتحرك بدون رفع أشرعة القابلية النفسانية لتلقّي رياح الحضرة الإلهية الجاذبة للسفينة إلى شاطئ الحضرة المقدسة وبر الأمان من غوائل الشيطان، أما بعد هذه جولة في معرفة موجبات وموانع العشق الإلهي وكيفية تحصيله وتثبيته.

* الموانع :
للقلب صفحة واحدة فقط! فلا تملأها بالتفاهات! {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} محبوب واحد يكفي ؛ قال الإمام علي عليه السلام (وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْن غَيْرِ صَحِيحَة ٍ، وَيَسْمَعُ بَأُذُن غَيْرِ سَمِيعَة ٍ).

وهذه الصفحة المقدسة (القلب) يجب أن تكون خالية لأجل تثبيت العشق عليها ؛ قال الإمام الصادق عليه السلام : (إذا تخلّى المؤمن من الدنيا سما، ووجد حلاوة حب الله، وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط، وإنما خالط القوم حلاوة حبّ الله، فلم يشتغلوا بغيره).

المطلوب الآن هو إزالة الحجب عن وجه القلب ليشاهد جمال الله تعالى فيعشقه، فالبيت المظلم لا يشرق فيه نور العشق!

الإنسان - حسب فطرة عشق الكمال - يُقدس كل ما يعجبه سواء اً كان صديقاً أو أخاً أو جماداً أو العواطف الإنسانية وحتى العلم!
وهذا شرك في مقام العمل : {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يجب جعل هذه الأشياء لله تعالى : ما كان لله ينمو!.

* الموجبات :
التفكر في الآيات الآفاقية موجب لتنزه القلب من الكدورات، ومع مرور الزمن يدرك الإنسان أنه لا يختلف عن الحيوان في المأكل والمنكح! فإذا أدرك ذلك فلينفذ من مخالب هذه الدنيا، يقول الإمام علي عليه السلام {وَ أَخْرِجُوا مِنَ اَلدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ} إذا سرت في طريق الإستقامة والعشق فترة ً من الزمن ستدرك شيئاً فشيئاً أن الدنيا بشعة!
يقول الإمام علي عليه السلام {فَفِيهَا اُخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ}!

لا يمكن أن تعشق من لا تعرف، وتمام المعرفة هي الإعتقاد بأحدية الذات حيث لا يمكن أن تعشق من لا تراه كاملًا في العدل.. وكلما حاولت التوجه إليه ظهرت الشكوك لتسقطك!

فيتضح أن العقيدة أمر مهم، وأضف لذلك مودة أهل البيت عليهم السلام وبغض أعدائهم.

ورد أن الشيخ رجب علي الخياط قدس سره الشريف يؤكد أن الإحسان للمساكين والترحم عليهم - تحت إطار الشرع - موجب لانقداح عشق الله تعالى، إذا لم تعثر على المساكين فانظر بعطف لسائر خلق الله لانتسابهم لله، وكل ذلك يؤدي إلى تلطيف القلب وظهور الرحمة فيه وحينها تستطيع أن تدرك رحمة الله تعالى لأنك تحوي شيئاً من الرحمة، ولكن انتبه لئلا تحتجب عن الله تعالى بخلقه فتنشغل عن الحضور لديه عز شأنه.

لا تترك القلب كالدابة المرسلة! عليك بأخذ زمامه وتوجيهه نحو الله، ولتيسير ذلك عليك بالتفكر في الآيات الآفاقية ليورثك الفكر ذكراً وعشقاً له! ولا تجلس في مجالس الغفلة فتحتجب، فليكن بدنك مع الناس وقلبك مع الله!

يقول رسولُ اللهِِ (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ): {لولا تَمَزُّعُ قلوبِكُم وتَزَيُّدُكُم في الحَديثِ لَسَمِعتُم ما أسمَعُ}.

والتفكر لا يجتمع مع البطن الممتلئ، قال الإمام الباقر عليه السلام : {ما من شيء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مملوء} بل وحتى الإشتغال بسائر الشهوات.. حتى المباحة منها.

قال أمير المؤمنين عليه السلام : (إذا أراد الله سبحانه صلاح عبده ألهمه : قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام).. وأضف لذلك ترك مجالسة الجهلاء الدنيويين.. إلا بقدر الضرورة و (لكن يوجد عنصر آخر أيضاً يكون بالنسبة لهذه العناصر الأربعة كالروح بالنسبة للجسد وهو الذكر الدائم) [العارف النخودكي قدس سره].

وذكر الله هو عشقه لا غير!



* كيفية تحصيله :
بعد إزالة النجاسات عن وجه القلب وصقله وتنظيمه، يأتي دور الكتابة والتلقين، يقول السيد الإمام الخميني - قدس سره - ما مضمونه أن القلب في حال الذكر كالطفل الذي يتعلم النطق، فعليك الآن وبعد تطهير القلب أن تختار وقت ومكان مناسبين لإدخال العشق ونقشه على القلب بمداد اللسان والعقل مستخدماً كلمة (يا رب) أو أي اسم له - عز وجل - تطمئن به، ومع كل مرة تقوم بالذكر إستحضر أنك تنظر إليه وتخاطبه، ولا بأس من التبسم له في ذلك الحال.

لا تقتصر على الذكر اللساني في تشديد العشق بل تحدث معه في قلبك {دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} وحتى لو كنت في معركة أو بين جم غفير من الناس أو مع أصدقائك أو أي مجلس آخر ؛ إذهل عنهم ولو للحظة وانظر إلى الله تعالى وناجِه في قلبك، ولا بأس أن تقتصر بكلمة " يا رب " في قلبك وأنت على هذا الحال، وهذا الحال لا يخلو من لطف، وحينها ستعيش مالا يعيشه الآخرون، في عالم آخر بعيدا عن المتاعب!

قال الرسول الأكرم صلى الله عليهم وآله وسلم : (يَا أَبَا ذَرٍّ : اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ).

{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} معنى الآية أن العمل الصالح بمثابة جناحين يمكّنان النفس من التجول في سماء العشق للحضرة الأحدية المقدسة، فالعمل الصالح من شأنه رفع الأذكار وحصول الثمار.

أفضل الأوقات للذكر وتحصيل المحبة هو قبل الشروق ووقت السحر، والسبب هو قلة إنشغال القلب عن الدنيا في تلك الأوقات، وأفضل الأماكن المسجد حين خلوه من الناس، أو أي مكان لا يوجد فيه إنسان فهو مناسب لأنه يزيد في توجه النفس لجهة واحدة وهي الله تعالى.

قد تنفر النفس من الذكر لعدم اعتيادها عليه، ففي حال عدم جدوى الأذكار حاول في وقت آخر لأن ذلك يوجب قسوة القلب عن ذكر الله تعالى فاحذر!
يقول الإمامُ الرِّضا (عَلَيهِ الّسَلامُ): {إنَّ لِلقُلوبِ إقبالاً وإدباراً، ونَشاطاً وفُتوراً، فإذا أقبَلَت بَصُرَت وفَهِمَت، وإذا أدبَرَت كَلَّت ومَلَّت، فَخُذُوها عِندَ إقبالِها ونَشاطِها، واترُكُوها عِندَ إدبارِها وفُتورِها}.

بل وحتى لو لم تكن من الطائعين فقم بالذكر لينقشع الظلام من القلب وهو قول علي عليه السلام {ذكر الله دواء أعلال النفوس} فالعشق دواء للمعصية وسيف محاربة الأهواء، إذا همت النفس بالمعصية فاعشق الله كأنك تراه وهو يراك!

وهنا كلام للسيد الطباطبائي حول من أخلص نفسه لله :
(هؤلاء مستغرقين فيه سبحانه، ولا يرون إبليس ولا وسوسته ولا إحضاراً ولا حساباً وإليه الإشارة في الحديث القدسي : " أوليائي تحت قبائي، أو ردائي ")

ويقول بعد ذكر المجاهدة والإنقطاع إلى الله تعالى :
(ويطلع من الغيب طالع ويتعقبه شيء من النفحات الإلهية والجذبات الربانية، ويوجب حباً وإشرافاً، وذلك هو الذكر!)...(وجذبته جذبة الشوق إلى لقاء الله سبحانه، فانهدت أركانه واضطربت أحشائه، وحار قلبه وطار عقله، وانسلّ عن الدنيا وزخارفها، ولم يقع همه على العقبى ونعيمها، ولا دين للمحب إلا المحبوب ولا مطلوب له إلا المطلوب).

* تثبيت ودوام العشق :
بعد كل ما مضى ذكره، يجب عليك أن توصل هذا العشق من حال مؤقت إلى مقام دائم لك، (والعمل الذي تقدم ذكره هو عمل جزئي بسيط، ولا إشكال فيه ولا يتعارض مع الأعمال الأخرى، وليس فيه أي ضرر، لذا فمن المفيد أن يلتزمه طالب الحق تعالى مدة، فإذا رأى منه أثراً في تصفية قلبه وتطهيره، وتنور باطنه، فليعمل به أكثر.... وإذا خصص عدة دقائق في اليوم والليلة - بحسب إقباله وتوجهه، أي بحسب مقدار حضور قلبه - لمحاسبة النفس على مقدار سعيها في اكتساب نور الإيمان [وهو الذكر الدائم لله تعالى]، ومطالبتها بهذا النور والبحث عن آثار الإيمان فيها، فإن ذلك سيؤثر في حصوله على النتائج بصورة أسرع إن شاء الله)[السيد الإمام الخميني قدس سره].

(وأؤكد هنا تمام التأكيد على الصلاة لأنها معراج المؤمنين، وليس المهم عندي أن يرى الإنسان في المنام رؤيا لمرة أو مرتين أو أن يشاهد وقت الذكر نوراً بل يتلخص جوهر الأمر على قضيتين، إحداهما : الطعام الحلال، والثانية : الإنتباه في الصلاة ؛ فإذا صلحت هاتان صلح ما سواهما. ولب اهتمامي هو إصلاح القلب، وما ذكر {يا حي يا قيوم} في الأسحار إلا لهذا الغرض.... الأشخاص الذين يرغبون باتباع طريقتي عليهم أولاً فهم المعاني الصورية للصلاة، ثم التأويلات المعروضة ومن بعدها النقاط الأخرى، بنفس النحو الذي ذُكر عن الإمام الصادق عليه السلام في تكرار عبارة {إياك نعبد} حتى غُشي عليه، لا أن يتجاهل المرء الأحكام الشرعية ويُركز كل همه على الأذكار. فالحقيقة لا بد وأن تُستقى من الشريعة..... التكليف اليوم هو أولاً : الصلاة في أول وقتها، وثانياً : الإهتمام بحضور القلب عند الصلاة، وإنّ هذا العمل كالخط في الكتابة [الإستنساخ] لا يصلُح بيوم أو يومين بل يستلزم وقتاً طويلاً، وبعد الفراغ منه تأتي على النهوض قبل الصباح) [العارف الشيخ حسن علي الأصفهاني (النخودكي) قدس سره].

(ثم لا يزال بارق يلمع، وجذبة تطلع وشوق يدفع، حتى يتمكن سلطان الحب في القلب، ويستولي الذكر على النفس، فيجمع الله الشمل، ويختم الأمر وإن إلى ربك المنتهى). [السيد العلامة الطباطبائي]

ينقل العارف الشيخ الأصفاني :
(يقول المرحوم الفيض بعد هذه العبارات : حسبما يقول أرباب المعرفة، الذكر أربع مراتب :
الأول : ذلك الذكر الذي يجري على اللسان فقط.
الثاني : ذلك الذي عادوه على اللسان، يصير القلب ذاكراً ومتذكراً أيضاً وبديهي أنه لحضور القلب يلزم المراقبة والمداومة، لأن القلب إذا تُرك لحال نفسه يسرح في وادي الإنكار.
الثالث : ذلك الذي يتمكن من القلب أيضاً ويستولي عليه بشكل يكون رجوع القلب منه صعباً كما كان في النوع الثاني حضور القلب بالنسبة للذكر مشكلاً.
وأخيراً الرابع : ذاك الذي يكون فيه العبد مستغرقًا في المذكور " جل شأنه " مباشرة بأن لا ينتبه أبداً إلى ذكره ولا إلى قلبه - في هذه الحال التي ينصرف توجه الذاكر إلى الذكر، نفس الذكر يكون حجاب روحه، وهذه الحال تكون نفس التي عُبّر عنها في عرف العارفين بالفناء، وذلك كل المقصود وتمامه وكمال المطلوب من ذكر الباري تعالى).

العشق لا يستقر إلا إذا خلا وجه القلب، وكمال المطلوب في قول الرسول صلى الله عليه وآله (اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ).
10 فداء ام البنين آداب التهيؤ النفسي للصلاة
إن للعبادات ملكوتا وباطنا : فليس الحج هذه الحركات التي يؤديها الحجاج فحسب!.. وباطن الصلاة، ليس هذه الحركات المعهودة فحسب!.. وروايات النبي - صلى الله عليه وعلى آله - وأهل البيت (ع)، تؤشر إشارة من بعيد بل من قريب إلى هذه الحقيقة.. ولعل هذا الحديث، مما يلقي الضوء على هذا المجال، قال أمير المؤمنين (ع): (لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله، ما سره ان يرفع رأسه من السجود).. وقال الصادق (ع): (إذا قام المصلي إلى الصلاة، نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى الأرض، وحفّت به الملائكة، وناداه ملك : لو يعلم هذا المصلي، ما في الصلاة ما انفتل)!.. أي أنه ما ترك الصلاة لو التفت إلى ملكوت الصلاة، والمعاني التي تحملها الصلاة بين يدي الله عز وجل.
إن على الإنسان أن يعيش حالة من الترقب للصلاة، فالإنسان المؤمن الذي يريد أن يصل إلى ملكوت الصلاة، لا بد وأن يعيش هذا الهاجس قبل دخول الوقت، مترقبا للصلاة بكل شوق..
إن الأمور الكبرى في الحياة، والمعاني السامية تبدأ بالتلقين، وتتحول إلى واقع، وعلى الإنسان أن لا يملّ من التلقين المستمر.. فالسير إلى الله - عز وجل - حركة معاكسة لطبيعة الإنسان لجهتين : لوجود قوة دافعة، ولوجود قوة مانعة.
علينا ان نعلم أن هناك قوة دافعة، تدفع الإنسان الذي يريد أن يصل إلى الله - عز وجل - إلى اتجاه معاكس لما يريده، أي تدفعه إلى : الميل إلى شهوات الدنيا، والتثاقل إلى الأرض، وتقديم العاجل على الآجل، وتقديم اللذة على الفكرة، وتقديم المصلحة الآنية على المصلحة المستقبلية..
أضف إلى ذلك أن العبادة هي تعامل وتفاعل مع عالم الغيب، والغيب إذا بقي غيبا محضا، فإنه لم يعد داعيا لحركة الإنسان.. فالذي يؤمن بالله وبالمبدأ والمعاد ؛ ولكن لا يعيش حقيقة شهودية في قلبه، فإن من الطبيعي أن لا يسير إلى الله - عز وجل - سيراً حثيثاً ؛ ومن الطبيعي أن يحاول معاكسة التيار.. فالسباح الذي يريد أن يسبح خلاف التيار، يحتاج فى أول الأمر إلى تكلف ومعاناة ومجاهدة، إلى أن يتعود ركوب الموجة وتجاوز العقبات.
وعليه، فإن مسألة الدخول في بحر الصلاة، تحتاج إلى تهيؤ نفسي مسبق.. فقبل دخول الوقت، يا حبذا لو يجعل الإنسان حائلا بينه وبين الصلاة ؛ أي منطقة برزخية حائلة بين العالمين : فلا هي صلاة، ولا هي تعامل مع البشر.. ولهذا يلاحظ بأن القرآن الكريم، يؤكد على هذه الحقيقة : ألا وهو التسبيح قبل طلوع الشمس، وقبل الغروب.. فعلى الإنسان أن يجلس في المصلى قبل أن تغرب الشمس، وفي مكان يهيئ نفسه للدخول بين يدي الله - عز وجل - بذكر بعض التسبيحات، والتهليلات، وباقي المستحبات بحيث يخرج تدريجياً من جو التفاعل مع عناصر هذه الدنيا.
ومن هنا فإن صلاة المؤمن تبدأ قبل الوقت بفترة طويلة، فالصلحاء والأولياء يعدون أنفسهم للقاء المولى قبل ساعة او ما يقرب منه.. بينما عامة الناس يفاجؤهم الوقت مفاجأة ولعلهم يتمنون فى قرارة أنفسهم أن لا يدخل عليهم الوقت ؛ لكيلا يفسد عليهم لهوهم!..
وإذا كان ولا بد أن يصلي في المنزل - لا في بيت من بيوت الله عز وجل - فعليه أن يهيأ مكانا فارغا للعبادة فى منزله، إثباتا لترقبه وميله إلى لقاء مولاه.
إن اتخاذ مكان ثابت فى المنزل للصلاة بين يدى الله تعالى، لمن دواعي التوجه، والتركيز، والإقبال على رب العالمين!.. فمن المستحب أن يجعل الإنسان في بيته، محلاً خاصاً للصلاة بين يدي الله عز وجل، إذ كلما جاء إلى المصلى، تذكر ساعات إقباله، إذ لعله بالأمس، أو قبل أيام كان خاشعاً في هذا المكان، ولعل دموعه كانت جارية على خديه.. ومن المعلوم أن هذا الجو مفعم بأجواء الروح والريحان ؛ فكلما دخل هذا المكان، أحس بتلك الأجواء، ولهذا نقرأ في القرآن الكريم : {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}.. فمن هذه الآية يبدو أن مريم اتخذت محراباً ومكاناً ثابتاً، للعبادة بين يدي الله سبحانه وتعالى.. فتبين بما ذكرنا أن هذه الفترة الحائلة بين العمل اليومي وبين الصلاة مسألة مهمة.

وإن من صور التهيؤ المقترحة : أن يسجد الإنسان بين يدي الله عز وجل، قبل دخول الوقت في سجود عبادي تأملي.. فإننا - مع الأسف - نتخذ السجود وسيلة للعبادة وللذكر فحسب، وقد يتحول السجود إلى حركة بدنية محضة، لإظهار التذلل بين يدي الله عز وجل ؛ ولكن حقيقة السجود حقيقة جامعة مستوعبة.. فما المانع أن يعيش الإنسان أجواء مختلفة : من التذلل، والمناجاة، والتأمل فيما سيقبل عليه من اللقاء بين يدي الله عز وجل؟!..

إن من موجبات التوفيق والتهيؤ للصلاة الخاشعة، مراقبة السلوك بين الفريضتين.. أي أن من موجبات التوفيق للصلاة، هي مراقبة السلوك بين الحدين.. فمن المعلوم ان الذنب السابق للصلاة ؛ يؤثر على توجه الإنسان، فعندما يأتي إلى الصلاة، يأتي وهو يعيش جوا من أجواء البعد عن الله عز وجل.. وهناك تعبير جميل في كتب الأخلاق مفاده : ان من يلطخ نفسه بالعسل، ثم يقترب من بيت الزنابير، فإن من الطبيعي أن تهجم عليه الزنابير، لتلدغه في كل بقعة من بقاع جسده ؛ لأن العسل الذى لطخ به بدنه يغري مثل هذه الزنابير.
ان هذا المثال مقدمة للقول : بأن الشياطين تستهوي هذا الإنسان العاصي المنهمك في لذاته، وفي معاصيه وغفلاته.. وعليه، فإنه عندما يقف للصلاة بين يدي الله عز وجل، تهجم عليه الشياطين والأوهام والخواطر الحقة منها والباطلة، بحيث ينتهي من الصلاة، وهو لا يفقه كلمة من كلمات صلاته، وإلا فما هي دواعي الشك في الصلاة؟..

إن الشكوك الصلاتية لها حلول فقهية واضحة، حيث يبنى على الاكثر مثلا، ويأتى بصلاة الاحتياط.. ولكن أصل عروض الشك حالة سلبية عند الخواص!.. فليس من المقبول أن يصاب المؤمن المتوجه في صلاته، بحالات الشك والذهول، بحيث يصل الأمر إلى أن يشك بين الركعة الثانية والركعة الرابعة مثلا!.. فالركعة الثانية فيها قنوت ومناجاة مع رب العالمين، فيقال في الركعة الثانية : من الطبيعى أن الإنسان يأخذ عزه ودلاله في الحديث مع الله عز وجل.. بينما الركعة الرابعة : فيها رائحة الوداع، بما تستلزمه من الهم والغم ؛ إذ إن الانسان بعد لحظات سينتهي من لقاء الله عز وجل.. فعالم القنوت عالم يغاير تماماً عالم التشهد والتسليم، فكيف يخلط المؤمن بين الركعة الثانية، وبين الركعة الرابعة؟!.. بل حتى الركعة الثالثة؟!..
وعليه فإن الشك الكثير في الصلاة، والسهو الكثير فيها، علامة على نوع من أنواع الإدبار فيها، وعدم التوجه الكامل للمضامين الصلاتية، وعدم الانغماس فى بحرها.

أنت في صفحة رقم
[  1  | 2 | 3 | 4 | 5 ] >>>

عودة للصفحة الرئيسية لـ "من كل بستان زهرة"

عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج