جولة في نهج البلاغة

عنوان المحاضرة :

ليلة القدر 

- إن ليلة القدر ليلة مصيرية، ليس في حياة الأمة فحسب!.. فرب العالمين في هذه الليلة يكتب مقدرات الفرد، ومقدرات أمة الإسلام، ويكتب مستقبل المسلمين في هذه السنة.. والأحداث التي ستجري على المسلمين شرا كانت أو خيرا، تكتب هذه السنة.. لذا قبل أن يجف المداد، وقبل أن يطلع الفجر، وقبل أن تصعد الملائكة إلى الله -عز وجل- بمقدرات المسلمين؛ فليسأل المؤمن الله -عز وجل- أن يغير من مقدراته.. نعم، في اللحظات الأخيرة، من الممكن أن يصرف رب العالمين البلاء عن هذه الأمة بدعوات المؤمنين.. يقول الله -تبارك وتعالى- في حديث قدسي: (لولا أطفال رضع، وشيوخ ركع، وبهائم رتع.. لصببت العذاب على أهل الأرض صبا).. والمجالس هذه الليالي متنوعة -بحمد الله- من أطفال صغار، إلى نسوة كبار، إلى رجال ونساء وشباب.

 

- إن صفوف الملائكة تنزل من العرش، وبيدهم أقلام وصحف، يكتبون مقدرات البشرية {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}؛ الروح قسم من الملائكة، لعلهم أعظم من الملائكة.. ما هو ذلك القلب الذي يستقبل هذه المكتوبات وهذه المقدرات؟.. إنه قلب صاحب الأمر والزمان، خليفة الرحمن.. نعم، هذه الليلة هنيئا لمن أوصل قلبه بذلك القلب الكبير، الذي يقطر دما هذه الأيام، لما يجري على شيعته.. مثلا: حادثة جسر الأئمة في بغداد، لعل الكفرة رق قلبهم لمنظر الأطفال والنساء، وهم يرمون بأنفسهم في النهر.. إذا كان الكافر رق قلبه في ذلك اليوم، فكيف بصاحب الأمر؟!..

 

- إن على المؤمن أن يدعو هذه الليلة لإمامه (عج) بلهفة وبتضرع، كل من له حاجة، حاجته ما قيمتها في مقابل حوائج الإمام (عج)؟!.. فالإنسان همه نفسه، ولكن الإمام همه الأمة.. الإنسان همه دَينه ومريضه، والإمام همه محبوه في شرق الأرض وغربها.. الإمام يسمع استغاثة البعض يقول: يا مهدي أدركنا!.. وهو لا يمكنه أن يفعل شيئاً.

 

- إن دموع الولاء أرقى من دموع المصيبة، لأن هذه دموع الحب؛ لولا هذا الحب، لما تعالت الأصوات بالبكاء بين يديه.. إن شاء الله بهذه الدموع يكون المؤمن قد تجاوز مرحلة الغفران، ومن الآن فصاعدا يطلب من الله الرضوان فيقول: يا رب!.. غفرت لنا، إن مغفرتك سريعة، (يا سريع الرضا)، نعم هو قال لنا: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.. عندما يكون الإنسان في منتصف الليل، وفي شهر رمضان، وفي ليلة القدر الكبرى، وفي بيت الله، ويقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.. من منا لم يسرف على نفسه: غفلة، أو شهوة، أو نظرة كبيرة أو صغيرة؟.. ولكن جئناك الليلة يا رب متصالحين، نقول: اعف عنا هذه الليلة، ولك أن لا نعود إلى ما كنا فيه.

 

- إن ليلة القدر هي {سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.. هذه الليلة المؤمن لا يوقف الدعاء بين صلاة وبين قرآن؛ تشبها بأصحاب الإمام الحسين في ليلة عاشوراء، الذين كان لهم دوي كدوي النحل بين راكع وساجد وقائم.. هذه الليلة ليلة الإنابة، لذا على الإنسان أن يستمر في الإنابة والتضرع، وخاصة قبيل الفجر، الدقائق الأخيرة قبل مطلع الفجر، عليه أن يعيش حالة الخجل والوجل.. صحيح أن المؤمن يطمئن برحمة الله الغامرة، ولكن قبل طلوع الفجر عليه أن يسأل الله -تعالى- أن يتم النعمة، وأن يختم له بالعمل الصالح، وبالسعادة في الدنيا والآخرة.

 

الآليات للاحتفاظ بمكاسب الشهر الكريم:

أولاً: استقذار المعصية.. ليس هناك إلا العزم على أن يصالح المؤمن الله -عز وجل-، ويستقذر المعصية؛ أي من الآن فصاعدا، المنكر ليس له حلاوة في فمه.. فهو كان يلوك القذارة، والآن عرف أنها قذارة فتلفظها خارجاً، ولن يعود إليها.. إذا وصل المؤمن في هذه الليلة إلى درجة يرى فيها المنكر قبيحاً مراً بشعاً موحشا؛ فهو هذه الليلة من العدول.. ما قيمة حلاوة بعدها ندامة؟!..

 

ثانياً: مخادعة الشيطان.. أي على الإنسان أن لا يقل: سأستقيم سنة كاملة، لأن الشيطان سيأتيه ويقول له: أنت لا تصبر عن الحرام.. وبالتالي، فإنك لن تستطيع على استقامة سنة.. ولكن ليقل: يا نفسي، بعد شهر رمضان، أستقيم في شهر شوال فقط -اخدع الشيطان- وفي ذي القعدة سوف أرجع للحرام -مثلا- على فرض المحال.. ولكن أنا في شهر شوال سأعيش أجواء رمضانية.. هكذا اخدع الشيطان!.. إذا استمر الإنسان شهرا واحدا بعد شهر رمضان، سوف يرى نفسه في عالم آخر.. فإذن، على المؤمن أن يقاوم المنكر أربعين يوما، أو شهرا كاملا، حتى لو أسابيع؛ ليرى بعد ذلك نفسه في عالم آخر، وفي درجات عالية.

 

ثالثاً: عدم معاشرة المنحرفين.. قال رسول الله (ص): (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).. إذا رأى الإنسان في أخيه منكرا، فليحاول أن يتجنبه؛ لأن هؤلاء يسهلون له طريق الحرام.. هذه الطاقة التي يأخذها الإنسان هذه الليلة، هذه الطاقة الهائلة؛ عبادة ثمانين سنة، تحتاج إلى تقوية في كل أسبوع، كالطاقات الكهربائية التي تقوى بين محطة ومحطة.. وليالي الجمعة، هي محطة لتقوية ما اكتسبه في هذه الليالي والأيام.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج