محاضرات تربوية

المحاضرة 7 : حاجة المجتمع الى المرأة الرسالية

- إن قسما كبيرا من المجتمع ألا وهو الجانب النسائي، لا يمكن لرجال الدين أن يكون لهم دور فاعل فيه.. هذا الدور أُنيط بهذه الطبقة المباركة من المجتمع، هذه الحوزات العلمية النسائية، التي لم تكن متعارفة في الأزمنة السابقة.. فمن بركات السنوات المتأخرة، أنه فُتح لهن المجال للتخصص في أمر الشريعة، وفي هذا الوقت الضيق.. قال رسول الله (ص): (‏بدأ الإسلام ‏غريبا،‏ ‏وسيعود كما بدأ غريبا..‏ ‏فطوبى ‏ ‏للغرباء)!.. كلمة طوبى كلمة مبهمة، فالنبي –صلى الله عليه وآله وسلم– هنا لم يعين ما تستبطنه هذه الكلمة من بشارات.

 

- إن ومن المناسب بين فترة وأخرى، أن نستقرئ بعض النقاط والقواعد العامة في مجال طلب العلم، لنرى مدى انطباقها في حركتنا العلمية والعملية..  فمن لم يكن له صلة متميزة بالإمام –صلوات الله وسلامه عليه– سوف يُحرم بعض البركات؛ لأن الفيوضات الإلهية في زمان الغيبة تجري على يد وليه (بيمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء).. كما أن الله –عز وجل- يقبض الأرواح من خلال ملك من ملائكته، وينشر الرزق من خلال ملك من ملائكته {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}، فالبركات كلها كذلك في زمن الغيبة، تتم على يد الإمام المنتظر (عج)، وهو الذي في ليلة القدر تنزل عليه المقدرات، ولو أنه -عليه السلام- طلب من الله -عز وجل- بداءً أو تغييراً في حركة إنسان، أو ولي.. فإن دعوته لا ترد!..

 

 بعض القواعد العامة في طريق طلب العلم بشكل عام، وللأخواتِ بشكلٍ خاص:
أولاً: الالتفات إلى مبدأ الشمولية..
إن طبيعة بني آدم -مع الأسف- متحيزة!.. إذا أعجب بجانبٍ بالغ في ذلك الجانب، ونسي الجوانب
الأخرى.. فإذا رأى صورة جميلة، فإنه يستغرق في تلك الصورة، ولا يلتفت إلى الصور الأخرى.. في طلب العلم: إن الإنسان من الممكن من خلال تحصيله، أن يستذوق الجانب العلمي مثلاً، فيبالغ في الجانب التحصيلي.. وخاصة أن مجال المنافسة بين الأخوات أكثر من الرجال!.. حيث أن هنالك جوا علميا لعله أكثر جدية ومواصلة بالنسبة إلى الحوزات الرجالية.. وهذا أمر طبيعي، فطبيعة المرأة طبيعة نشاط، ومجال تحركها مجال محدود.. ومن هنا قد تتفرغ أكثر نفسياً وفكرياً لهذا المجال.. فالبعض من الأخوات من الممكن أن تستغرق في هذا الجانب، فتتحول من طالبة للعلم في هذه الحوزات المباركة، إلى طالبة أكاديمية كأية جامعة من الجامعات.. تعشق العلم والمعرفة عشقاً.. وذلك لأن العلم من أكبر المعشوقات في هذا الوجود، وله جاذبيته.. والإنسان الذي يستذوق العلم، ويدخل في بحر العلم، سوف ينشغل كثيراً، وما يُنقل عن علمائنا من قصص في أيام عز حوزة النجف الأشرف، وانشغالهم عن كل شيء إلا العلم، من الشواهد على ذلك.

لذا علينا أن لا ننسى ما المراد بالعلم؟!.. إن العلم ليس الأصول فحسب، وليس الفقه فحسب!.. إنما العلم الذي نقصده هنا، ذلك العلم الذي يورث الخشية كما في الآية المعروفة: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}.. فالآية في مقام الحصر، (إنما) في هذه الآية تفيد الحصر حقيقة لا مجازاً ولا مجاملةً، إذ أن هنالك ارتباطا وثيقا بين العلم والخشية.. وبالتالي، فإن ثمرة هذه العلوم" العلوم الحوزوية " أن نتعرف على رب هذا الوجود، ونعرف أوامره ونواهيه.. وأن نعرف الأصول التي بها نستنبط الفقه، ورجال الأحاديث.. وأن نعرف قواعد التعادل والتراجيح، والحجج والأمارات، وما شابه ذلك.. كل ذلك مقدمة للتعرف على صاحب الشريعة، ومن انشغل بهذه المقدمات، من دون هذه النتيجة النهائية، فهو لم يصل للهدف!.. لو أن إنسانا أراد أن يتعرف على سلطان، فشد الرحال إلى مملكته، وذهب إلى قصره.. فبدلاً من أن يبحث عن ندمائه، ليصل إلى مجلس ذلك السلطان، ويتفرغ للحديث معه.. يذهب إلى مكتبة القصر، ليقرأ تاريخ وحياة هذا الملك، وسلسلة آبائه وأجداده مثلاً، ومزاجه، وطعامه، وشرابه.. وقد يبقى هذا الإنسان في تلك المكتبة إلى أن يموت!.. فهو لم ير السلطان ولا مرة واحدة، ولا تفرد بالجلوس معه.. وهذا العلم ما أورثه حباً، وميلاً، وعشقاً.. نعتقد بأن هذا الإنسان الأكاديمي في معرفة مزاج السلطان وأقواله، هذا الإنسان لا يُعد قريباً لذلك الملك أبداً!.. وهو والرعية سواء في بعده عن ذلك السلطان.. نحن بعض الأوقات هكذا، نذهب إلى المجالس، لنتعرف أخيراً على صاحب هذا الوجود، من خلال التعرف على ما قيل عنه، وما قاله هو.. فهذه المكتبة الأكاديمية في قصر السلطان في مثالنا، مقدمة لمنادمته.. فلابد من أن نربط بين هذين العالمين.

 

- إن من الأمور التي تخالف الشمولية، أن البعض في الطرف المقابل، يتوجه توجهاً روحياً؛ أي يذهب للمنادمة، ويهمل المكتبة!.. لا يعرف من السلطان إلا أن يجلس بين يديه، ويبكي، ويبدي شوقه، وحنينه، وحبه.. من دون أن يعلم مراد السلطان، ومن دون أن ينقل هذا الحب الذي انقدح في قلبه إلى باقي الرعية.. يقال: بأنه فرق بين نديم السلطان، وبين الوالي.. الوالي قد لا يحظى بلقائه، ولكن هذا الوالي الذي يحقق رغبة الأمير أو السلطان في أقصى البلاد.. ولعله لم يلتق به مرةً واحدةً، هذا أحب إليه من ذلك النديم الملاصق له؛ لأن هذا في مقام ترويجِ حب ذلك السلطان في قلوب رعيته.

 

- إن البعض أيضاً ينشغل بالجانب العرفاني، وبجانب الاستغراق في الروحانيات، ويعيش حالات تحليقية.. وهنالك كثير من الوهم في هذا المجال، إذ أن هنالك ترابطا شديدا بين عالم الوهم والخيال، والتصورات الكاذبة، إلى درجة الإحساس الحسي ببعض الأمور، وأحيانا يتوهم الإنسان أنه يرى شيئاً، أو يسمع شيئاً، أو يشم شيئاً إذا دخل في هذا العالم.. لأن الشياطين بالمرصاد ،لمن يريد أن يصل إلى عالم القرب الإلهي.. فعامة الناس هم في الوديان، والشيطان يحتاج إلى كثيرِ جهدٍ في تحريك مسيرتهم.. إن الشياطين وضعت جلّ اهتمامها في حوزاتنا العلمية.. فمثلا: لو أن عدواً أراد أن يسمم أهل بلدٍ، فإنه بدلاً من أن يجعل السم في خزانات المياه في كل بيت من بيوت البلد، يكفي لأن يذهب إلى منبع الماء الكبير إلى النبع، ويسمم ذلك النبع وانتهى الأمر!.. إذا الشيطان أمكن أن يستولي على قلوب وعقول رجال الدين: نساءً، ورجالاً، تكون قد تمت الصفقة الكبرى بالنسبة له!.. ومن هنا نلاحظ أن الإنسان عندما يدخل الحوزات العلمية، تهجم عليهم اللوابس، والكوابيس، أو الأوهام، والوسواس في مجال العبادة وغيرها.. فنلاحظ بأن هنالك مجموعة من الابتلاءات في هذا المجال تنتاب الطالب.. إن الشيطان في بعض الحالات تتجاوز مهمته الوسوسة، والإلقاء في الصدور إلى تأثير حتى لعله على الأعضاء.

 

ثانيا: توظيف العلم.. إن هذه القاعدة التي لدى البعض: طلب العلم لذات العلم!.. هي ليست من المبادئ الإسلامية أبداً، وقد ورد عن علي (عليه السلام) قوله: (زكاة العلم نشره، وبذله لمستحقه، وإجهاد النفس بالعمل به).. والإنسان الذي يزداد علماً، تزداد مسؤوليته في هذا المجال.. ومع الأسف نحن نلاحظ في بعض الحالات، أن بعض موارد الانحراف الكبرى والملفتة، نجدها في بعض البيوت العلمائية: سواء العلمائية من جهة الأب، أو من جهة الأم.. وذلك لأن طبيعة العالم أو العالمة، المتعلم أو المتعلمة.. هو الانشغال بهذا الجو العلمي، والعملي.. وبالتالي، ينسى قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.. وقد يكون ذلك من موجبات الانحراف لدى عوام الناس، لأنهم يرون هذه الظواهر السلبية في الأسر، التي لا يتوقع منها مثل هذه السلبية.

 

- إن في مجال توظيف العلم هناك فرقا بين أن يدعى الإنسان لوظيفة رسالية، وبين أن يبحث الإنسان بنفسه بحثاً حثيثاً ومصراً، لأن يجد مجالاً من مجالات العمل.. فالمؤمن أو المؤمنة لا ينتظر دعوة سامية من جهة معينة، بإغراءات نفسية، وعلمية، ومالية، وغير ذلك.. بل على أحدنا أن يكتشف هو بنفسه موارد العطاء في هذه الأمة، ولا شك أن الأمة في وضع يرثى له!.. ففي كل بيت هنالك محطة، وهنالك موضع قدم لشياطين الجن والإنس: فالفضائيات بما وراءها، والمواقع الإباحية والمنحرفة وما وراءها، والجو الحاكم في الأسواق، والمدارس، والجامعات، وغير ذلك.. فكل إنسان كان بإمكانه أن يكون وجوداً فاعلاً، ولم يقم بتكليفه في هذا المجال، فإنه سيحاسب يوم القيامة.. فالواجب الكفائي لو لم يؤد، فإن كل من هو في مظان الخدمة، سيحاسب يوم القيامة!.. نعم، يأتي بعض العلماء يوم القيامة -العلماء ليس الرجال فحسب- ويُحمل ذنوب الآخرين.. نعوذ بالله من الحساب الدقيق يوم القيامة، الإنسان يُفاجئ ببعض الذنوب التي لم يمكن يتوقعها أبداً!.. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رجلان من أمتي يجثوان يوم القيامة بين يدي رب العزة، يقول أحدهما للآخر: أي رب، خُذْ لي مظلمتي من هذا، فيقول له الله -سبحانه وتعالى- للظالم: أعط أخاك حقه!.. فيقول: يا رب، لقد نَفَدَت حسناتي. يقول الله -سبحانه وتعالى- للمتظلم: ماذا تفعل بأخيك، وقد نفدت حسناته؟.. يقول: يا رب!.. فليتحمل عني من أوزاري -وهنا فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآلع وسلم بالدمع، وقال: إنه ليوم عظيم. ذاك اليوم الذي يحتاج فيه الناس إلى أن يُحَطَّ عنهم من أوزارهم- يقول الله -عز وجل- للمتظلم: انظر إلى الأعلى، ماذا تجد؟.. فيُرِيْه الله -سبحانه وتعالى- من مظاهر الجنة ما يأخذ بالألباب. فيقول: أيْ رب، لمن هذه القصور، ولمن هذه المُتَع؟.. لأي نبي ولأي صِدِّيق؟.. فيقول الله عز وجل: لمن يدفع الثمن. يقول المتظلم: ومَنْ ذا الذي يملك الثمن؟.. يقول الله: أنت. يقول: كيف يا رب؟.. يقول: بعفوك عن أخيك. يقول المتظلم: فقد عفوتُ عنه يا رب. يقول الله عز وجل: خُذ بيد أخيك وأدخله الجنة). الشاهد لهذه الرواية هذه الفقرة: أن الإنسان يوم القيامة يُحمّل أوزار الآخرين. الأخت المؤمنة التي تخصصت في هذا العلم، ولها أخت -لا قدر الله- في غير المستوى المطلوب، أو أخ أو ما شابه ذلك.. فإنها تُحمل أوزار هؤلاء، إن لم تقم بما عليها من تكليف.

 

ثالثا: الإحساس بالتميز الكاذب.. الأخت التي في الحوزة عندما تنظر إلى باقي النساء، لا ينبغي أن تعيش حالة من التميز اللاشعوري.. فطبيعة الإنسان العالم أو المتعلم، أنه عندما يرى الجاهل، يرى نفسه بشكلٍ تلقائي أنه فوقه بدرجة.. والحال أن الحسابات عند الله –عز وجل–!.. أنتِ قد ترين امرأة غير متميزة في حجابها مثلاً، ولكن لها مع الله –عز وجل– صفقة تجارية مربحة!.. نحن لا نعلم عنها أبداً!.. هذه المرأة التي لا يغرينا وضعها الظاهري، لعله صار لها موقف كموقف يوسف مع زليخة!.. نحن لا نعلم ما وراء الستار، لعل هذه الأخت صاحبة مجاهدة عند الله -عز وجل– وقُبلت منها هذه المجاهدة (فأفضل الأعمال أحمزها)!.. ومن الممكن أن طلبة العلم، لم يعيشوا حالة المجاهدة في حياتهم أبداً.. يعيشون حياة رتيبة: من المنزل إلى الحوزة، ومن الحوزة إلى المنزل، في جو مكيف، وفي أسرة مترفة: طعام هنيء شهي، وما شابه ذلك.. وبالتالي، فأين الجهاد، وأين التميز؟!.. ونحن نعلم ما معنى الجهاد، وما معنى مخالفة النفس؟.. أين الامتحان الإلهي في هذا المجال؟!.. فإذاً، نحن لا نعلم أسرار العباد، لعله هنالك من الشباب ومن الشابات يعشن بعض صور المجاهدة، ما لا تعيشه طالبة الحوزة.. فبعض الأخوات تعيش الجهاد المرير في حفظ حجابها الشرعي، في كل يوم معركة مع أبيها ومع أمها، وخاصة في بلاد الغرب فإن المرأة المتدينة هذه الأيام -ومع هذه الأجواء المعروفة في إثارة بعض الشبهات، والتهم حول المؤمنات والمؤمنين- تخرج بحجابها، فهي تعيش حالة الجندي المجاهد في سبيل الله!.. فلا ينبغي أن نهمل هذه المجاهدات في سبيل الله.

 

- إن على المؤمن أن لا يعيش حالة التضخم الكاذب، بينما المؤمن كلما زاد إيمانه، زاد علمه، زاد تواضعاً، والأمور بخواتيمها.. وكما هو معلوم أن أصحاب الأئمة، البعض منهم ورد في حقهم اللعن.. وهؤلاء أصحاب كتب، وأصول حديثية!.. والبعض منهم كان من أكبر المقربين لمدرسة أهل البيت، حتى أن بعض العلماء الآن يحتار في قبول أحاديثهم السرية!.. فهم لهم ثروة حديثية كبرى.. لا نعلم أنها نُقلت قبل الانحراف، أو بعد الانحراف؟!.. فإذن، نحن لا نعلم ما هي الخواتيم!.. وآخر الزمان، هو زمان المفاجآت.. أحد طلبة العلم كان في أثناء طلبه للعلم، يرتكب بعض المحرمات التي لا يعلم بها إلا الله –عز وجل-، فتراكمت هذه الذنوب الخفية إلى درجة أنه إذا أراد أن يقف للصلاة بين يدي الله -عز وجل- فلا يستطيع أن يصلي!.. ويرى نفوراً من هذه العبادة الواجبة، وتقريباً كان يعزي ونفسه ويقول: "سقط مني التكليف"!.. وخاصة إذا عُرف في المجتمع بوصفٍ إيماني متميز، أو بوصف علمي متميز، عليه أن يكون حذراً جداً!.. الناس ينظرون بتقدير إلى طالب العلم، وإلى طالبة العلم.. وخاصة إذا امتلك مهارة في إلقاء كلمةٍ، أو خطبةٍ، أو محاضرةٍ.. فرب العالمين خلق هذا الفم المحير، الذي ينطق على حسب ما يجول في الفكر من رؤى وأفكار، فليس هنالك شيء ملفت في هذا المجال!.. إن الجهاد بالنفس، والجهاد الآن بالمداد.. يقول أحدهم التقى بالإمام –صلوات الله وسلامه عليه– والإمام سأله ابتداءً: أوَ تعلم لماذا كتب الله الخلود للشهيدين؟!.. ذلك لأنهم بذلوا أنفسهما لخدمة الدين، ولم يحصلا على امتيازٍ في هذا المجال؛ لأنه كانت عاقبتهما الشهادة في هذا الطريق.. إذاً عُدم الإحساس بالتميز.. فالأمور بخواتيمها.. رب العالمين له حساباته في تقديم الخلق وتأخيرهم!..

 

رابعا: عدم تنفير الناس من الدين.. البعض يريد أن يرسم للدين، أو يجعل للدين مسطرة ثابتة، يقيس بها الناس.. فمن خرج عن هذه المسطرة، حُكم عليه بالطرد من الدين!.. فالدين ليس كذلك، النبي الأكرم –صلى الله عليه وآله وسلم– جاء بالشريعة السمحاء، ورب العالمين أنزل الشريعة على مراحل، لم يأت بالمناهي في أول يوم!.. إذ أن أغلب المناهي الشرعية في باب شرب الخمر وغير ذلك. نزلت في المدينة لا في مكة!.. أي هنالك تدرج!.. وعليه، فإن على الإنسان أن يلتفت في هذا المجال لأن (من كسر مؤمناً، فعليه جبره)، ما هو موقع هذه الآية المعروفة في حياتنا اليومية: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}؟.. فالذي لا يتقن العمل بهذه الآية، لا يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة!.. فالحكمة في مجال التنظير، والموعظة الحسنة في مقام التعامل المباشر.. والذي لا يراعي هذه القاعدة، فعليه تحمل تبعات ومسؤولية عدم العمل بهذه القاعدة .

 

خامسا: جعل محطة مع رب العالمين.. إن الذي لا حركة له في جوف الليل، ولا محطة له مع رب العالمين، هذا يُخشى عليه من الجفاف الروحي.. والجفاف في بعض الحالات، يؤدي إلى الموت بالأخير. ليس هنالك طالبة علم لا تجعل لنفسها نصيباً في جوف الليل، ولو على مستوى ركيعات تناجي بها ربها!.. ما الفارق بين طالب العلم وغيره؟!.. إذا كان العاميّ والجاهل يقف في جوف الليل مناجياً ربه، كما يقول عليٌّ –عليه السلام– في منظومته: (إلهي حليف الحب في الليل ساهر ***  يناجي ويدعو والمغفل يهجع)!.. لا يمكن لطالب العلم أن يفرط في هذه الوقفة الليلية.. "السيد علي القاضي" ، أستاذ الجيل المتأخر من العلماء كصاحب تفسير الميزان وغيره، قبل وفاته أراد أن يلخص مدرسته العرفانية في كلمة واحدة، فقال لهم: "عليكم بصلاة أول الوقت"!.. التقيد بصلاةِ أول الوقت في كل الحالات والظروف: صحةً، مرضاً، سفراً، حضراً.. وله مقولة أيضاً جميلة: الآن عرفنا أن الطريق للوصول إلى الله –عز وجل– أسهل مما كنا نظنه!.. الطريق أسهل لا داعي للتعقيد في هذا المجال يقول السجاد (عليه السلام): (وأن الراحل إليك، قريب المسافة).. إذا تحقق السفر بالنسبة للعبد، للعالم، والعالمة، والمتعلمة في هذا المجال.. فإن الله –عز وجل– سيأخذ بيده.

 

سادسا: الجأر إلى الله -عز وجل.. إن البعض من الأخوات قد تدرس في الحوزة أربع أو خمس سنوات فتُنهي السطوح، وقد تدرس شيئاً من الخارج، ومع ذلك لا تجد في نفسها تميزاً روحياً.. ولا تستذوق حلاوة القرب إلى الله -عز وجل-.. تذهب إلى المشاهد المشرفة، فتجد نفسها كباقي المؤمنات، لا ترى أي حركة روحية متميزة!.. تقف في صلاتها، وقد تسترق النظر إلى باقي المؤمنات في خارج هذه الحوزات، فترى فيهن إقبالاً، وخشوعاً، وبكاءً، وتضرعاً!.. فقد تُصاب بشيء من اليأس في هذا المجال!.. أين العلم الذي تعلمناه؟!.. أين السنوات التي أمضيناها في هذه البيئة الطاهرة المباركة؟!.. أين ثمرة العلم؟!.. على كلٍ لابد من أن نفكر: إذا أحدنا لم يصل لهذه المرحلة من الخشية على الأقل في صلاته: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، فالذي لا يخشع في صلاته ليس بفالحٍ، ولا بمؤمنٍ!.. ليعطى أعلى الألقاب العلمية ما الفائدة في ذلك؟.. إذا كان القرآن الكريم يُسلبه صفة الإيمان، وصفة الفلاح.. إذاً لابد من التفكير!..

 

- إن أحد العلماء هاجر من بلاده إلى النجف، بقي في النجف قرابة أكثر من سبع عشرة، أو ثماني عشرة سنة وهو يدرس ويدرس إلى أن بلغ الاجتهاد المتميز!.. يقول هذا العالم: أنا بعد هذه السنوات من طلب العلم والاجتهاد، جلستُ مع نفسي يوماً، وخاطبتُ نفسي: ثم ماذا بعد ذلك؟!.. الآن صرتُ مجتهداً، الآن ما الذي تعيشه؟!.. ما هو تميزك عن الآخرين؟!.. يقول: بلغ بي الهم والحزن إلى درجة، خرجتُ من النجف أهيم على وجهي في صحاري النجف!.. وكنتُ أسجد في الصحراء باكياً أقول: يا رب

أرجع للنجف، إلا أن تُحدث لي تغييراً جوهرياً في باطني، فأنا لا أرى في نفسي شيئاً تسكن نفسي إليه!.. ثم قال: بعد هذه التضرعات وأنا أبكي وأسجد، جاء الفرج!.. ما هو ذلك الفرج؟.. إنه سر بينه، وبين ربه!.. هذا العالم بعد أن بلغ الاجتهاد أحس بأنه لازال فقيراً، ولازال بعيداً عن ربه.. ولا يرى تميزاً في قربه من المولى.. لذا فإنه إذا رأينا ضموراً في جانبنا الروحي، والضمور الروحي سرعان ما ينكشف في الصلاة بين يدي الله.. فالأمر لا يحتاج إلى تجارب معقدة، وإلى براهين في هذا المجال (الصلاة معراج المؤمن)، فمن لم يعرج في صلاته، فلا صلاة له!.. إذا لم نجد تميزاً في هذا المجال.. علينا أن نجأر إلى الله –عز وجل– ونطلب منه المدد، ونطلب منه ذلك العلم، ليس العلم بكثرة التعلم -كما في الخبر- وإنما هو نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء.. وهنيئاً لمن شملته الرعاية الإلهية!.. فمريم (ع) هذه سيدة نساء العالمين في عصرها، شملتها هذه الرعاية، فوصلتْ إلى ما وصلتْ!.. والسنة الإلهية قائمة على هذا المدد، لمن صدق في قوله وسعيه.

عودة لصفحة محاضرات تربوية

عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج