الحلقة (11) - جمع النبي والصحابة بين الصلاتين

إن التأملات العقلية، هي قسم رافد من روافد العقيدة.. فنحن نعلم أنه لا تقليد في أصول الدين، ولكن في الفروع والمسائل الفقهية، فإن الحكَم واضح هو: كتاب الله عز وجل، وسنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ومن زكّاهم النبي من بعده كاستمرارية لمصدر التشريع، في الحديث المعروف: بالنسبة إلى كلمة: (سنتي) أو (عترتي) بعد القرآن الكريم.. فإذن، لا داعي للتوتر في طرح المسائل الفقهية، ما دامت المسألة فقهية، والكلام هو كلام الرسول عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ومن رشحه الوحي.

إن مسألة الجمع بين الصلاتين، من المسائل التي نوقشت في أوساط المسلمين.. نقول وبشكل هادئ: لنرجع إلى الأدلة من الكتاب وسنة النبي (ص) من دون ذكر مصادر الطرف الآخر.. لأن الإمامية تجمع بين الصلاتين بنحو الترخيص، لا بنحو الإلزام.. فالإنسان مخيّر بين الجمع، وبين التفريق.. ولكن الذي يقول بلزوم التفريق، نذكر له هذه الأدلة:

فأما ما أخرجه مسلم في صحيحه، في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، يقول: عن ابن عباس قال: (صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر).. إن البعض يقول: إنما الجمع هو في بعض الحالات: كالسفر، أو الخوف.. ولكن ابن عباس يقول: بأن هذا الجمع كان مطلقاً من دون هذا القيد.. وكذلك يقول ابن عباس في رواية أخرى: (صلّى رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة؛ مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً).. سبعاً: أي المغرب والعشاء، وثمانياً: أي الظهر والعصر.. وهذا أيضا ليس فيه قيد من القيود.

وجاء أيضاً في صحيح مسلم عن عبدالله بن شقيق قال: (خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة!.. الصلاة!..) أي فاتتنا صلاة العصر.. (فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة!.. الصلاة.. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟.. لا أم لك!.. ثم قال: رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء).. يقول عبد الله بن شقيق -راوي هذه الرواية-: (فحاك في صدري من ذلك الشيء (أي لم أطمئن) فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدق مقالته).. وهذا الحديث أيضاً ذكره أحمد في المسند ج1/ ص251.. وكذلك نلاحظ أن هذا الحديث وارد أيضا عن ابن عباس: (جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة في غير خوف ولا مطر). قيل لابن عباس: ماذا أراد بذلك؟..(أي ما الحكمة في هذا الجمع)؟.. قال: (أراد أن لا يحرج أمته).

إن التزام المسلم بالصلوات الخمس في أوقاتها، مسألة ليست بالهيّنة، فليس التزام الإنسان بها هو ليوم ولا يومين، بل إلى أن يموت.. فيتورط في بعض الحالات بِتَرك الصلاة؛ لأنه قيّد نفسه بالتفريق بين الصلوات.. فمثلا: هو الآن في المسجد، والأمور مهيّأة، والجو مناسب ومكيّف، والإمام موجود.. فلا يصلي العصر إلى أن يحين الوقت، فيأتي وقت العصر، وعندها يكون في حالة نوم، أو تعب، أو شغل.. ويأتي عليه وقت المغرب، وإذا به قد ترك صلاته عمداً.. فلماذا هذا التقيد؟.. إن الشريعة شريعة يسر، فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم -وهو صاحب الشريعة، أو المبَلِّغ للشريعة بتعبير أدق- قد جمع بين الصلاة، ورخّص لك في ذلك، فلماذا نصُرّ على موقف خلاف موقف النبي (ص)؟..

نعم، إن النبي (ص) لم يُلزم بالجمع، ولم يلزم بالتفريق.. إنّ النبي (ص) يقول: (إنّ الله يغضب على من لا يقبل رخصه).. فالإنسان إذا كان صائما وهو في حال سفر، أذن له الله عز وجل بالإفطار.. فإذا صام، كأنه لم يقبل هدية الله عز وجل.. فهو سبحانه أذِن لك أن تأكل في حال السفر، فلماذا تقف موقفا تصبح متشرعاً أكثر من صاحب الشريعة؟!.. وكذلك فإن البخاري قد روى هذه الرواية، أي أن النبي (ص) صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء!..

إن من الجميل أن القسطلاني -وهو من العلماء- أراد أن يطرح شبهة، وهو يجيب على هذه الشبهة، يقول: قد يكون الجمع جمع صوري، أي أن النبي (ص) صلى الظهر في آخر وقته، وصلى العصر في أول وقته، فكأنه جمع بين الصلاتين.. فسمّاه جمعاً صورياً.. إن تأويله على الجمع الصوري، بأن يكون أخّر الظهر إلى آخر وقتها، وعجّل العصر في أول وقتها، قول ضعيف لمخالفة الظاهر.. فالنبي (ص) صلى في أول وقت الظهر، وثم أردف بعده العصر.. وكذلك المغرب والعشاء.

يبدو أن كلمة عدم الحرج على الأمة، واردة أيضا على لسان النبي (ص)، فعندما قال ابن عباس أن في ذلك تسهيل على الأمة، يؤيده قول ابن مسعود: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأولى والعصر، وبين المغرب والعشاء.. فقيل له، فقال: صنعته لئلا تكون أمتي في حرج).. لعل الظاهر أن (فقال) هو النبي (ص).. ولكن المهم هو أصل العمل، فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- جمع بين الصلاتين، وهذا من صحيح مسلم والبخاري.

أما كتاب الله عز وجل: فإن آية: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودً}.. يقول الفخر الرازي في كتابه، حول تفسير هذه الآية من سورة الإسراء/ 78: (إن فسّرنا الغسق بظهور أول الظلمة، كان الغسق عبارة عن أول المغرب).. وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت الزوال، ووقت الغروب، ووقت الفجر.. (وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر.. وأن يكون أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين).

إن البغوي –وهو من العلماء أيضاً- يقول: حمل الدلوك على الزوال -وقت الظهر- أولى القولين.. فإذن، إن معنى ذلك أن دلوك الشمس، يعني صلاة الظهر والعصر.

كذلك أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي في موسوعته الفقهية، يقول عن النبي (ص) في تفسير قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودً}.. دلوك الشمس: زوالها، أي صلاة الظهر والعصر.. وغسق الليل: يعني ظلمة الليل، أي صلاة المغرب والعشاء.. وقرآن الفجر: يعني صلاة الغداة، وهي صلاة الصبح.

وهناك آية أخرى في سورة هود: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}.. يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: لم يختلف أحد من أهل التأويل، في أن الصلاة في هذه الآية، يراد بها الصلوات المفروضة.. إن الآية في مقام بيان الصلوات الواجبة، وفي تفسير طرفي النهار.. قال مجاهد: الطرف الأول: صلاة الصبح.. والطرف الثاني: هي صلاة الظهر والعصر.. والزلف: هو المغرب والعشاء.. وقال النبي (ص): (هما زلفا الليل؛ المغرب والعشاء).. فإذن، إن الآيتين الكريمتين في الإسراء وهود، تشيران إلى هذه النقطة بالنسبة إلى أوقات الصلوات الثلاثة.

ومن الملفت للانتباه أن البخاري أخرج في سنده عن أبي أمامة يقول: (صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر.. فقلت: يا عم!.. ما هذه الصلاة التي صليت؟.. قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله (ص) التي كنا نصلي معه)!.. إن الوقت كان قبل وقت العصر، لذلك سأل باستغراب.

فإذن، لِمَ الإصرار على أمر قام به الرسول (ص)؟!.. ونحن نعلم أيضاً، أن المسلمين في بعض الأوقات يجمعون بين الظهرين في عرفة (يسمى جمع تقديم)، ويجمعون بين المغرب والعشاء في مزدلفة (ويسمى جمع تأخير).. فالجمع ليس كارثة، مادام هناك إذنٌ شرعي في هذا المجال.

وأما أهل البيت عليهم السلام -وهم أدرى بما في البيت- فإن رواياتهم متفقة على جواز الجمع، ولا خلاف في ذلك.. قال الإمام الصادق عليه السلام: (إن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- جمع بين الظهر والعصر؛ بأذان وإقامتين.. وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر، من غير علة؛ بأذان وإقاميتن).. والتأكيد على (من غير علة) من الإمام (ع)؛ لئلا يتوهم متوهم بأنها حالة خاصة .

فالإنسان المؤمن كما وصفه القرآن الكريم: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}.. فما دام هناك نص رواه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في مسلم والبخاري، ورواه الصادق -عليه السلام- في موسوعات الإمامية.. فإذن، لا خلاف في هذه النقطة!..