الحلقة (13) - البدعة: مفهومها وحدودها

إن مسألة البدعة، من المفردات العقائدية الموجبة لشيء من التوتر في أوساط المسلمين.. فما هي حدود البدعة؟.. ومتى تصبح البدعة محرمة، ومستنكرة؟.. وما هي الحدود التي تخرج الشيء عن كونه بدعة في الدين؟..

يجب علينا أن نعرف المعنى اللغوي للبدعة: هو عبارة عن الإتيان بشيء لم يسبق له نظير.. فيقال مثلا: إنسان ابتدع شيئا؛ أي جاء بشيء لم تكن له سابقة.. ورب العالمين يسمى البديع؛ لأنه فطر الوجود من العدم، من دون مثال يحتذي به، ولهذا فهو البديع حقيقة.. والإنسان عندما يأتي بشعر جديد، أو بقصيدة ملفتة، يقال بأنه جاء ببديعة أي جاء بشعر بديع؛ لأنه لم يُنظم قبله.. وعليه، فإن كلمة البدعة، أو الشيء البديع -إلى هذا المقدار- لا تستبطن مدحا ولا ذما.. إنما الكلام في الذي نأتي به، فهذا الذي نأتي به ما هو؟.. وما هو جوهره، وماهيته؟..

إن كان هذا الشيء البديع مطابقاٌ لرضا الله عز وجل، فهو ابتكار حسن.. ففي زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي زمان الأئمة (ع) لم تكن هناك أشياء كثيرة، وإنما أُستحدثت أفكار جديدة مثل: شيء باسم الميتم؛ وهو محل تكفل الأيتام.. فلم نسمع فيما رأينا في التأريخ أنه كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة مجمعا سكنيا أو بيتا بسيطا، يأوي فيه الأيتام مثلا.. فهذه فكرة بديعة، نشأت في العصور المتأخرة، وأنعم بها من فكرة!.. وما شابه ذلك من سبل الترويج للدين.. إن الدين هذه الأيام يُروَّج من خلال الفضائيات، ومن خلال المواقع، ومن خلال التمثيليات، ومن خلال الصور المرئية، ومن خلال وسائل كثيرة معقدة ومبتكرة.. فهل هذه بدعة ينبغي أن تُحارب؛ لمجرد أنها وسائل حديثة؟!.. إن الذين يعتقدون البدعة في بعض الأمور، يستفيدون من هذه الوسائل لترويج الدين.

فإذا رُوِّج الدين في مكان ما، عن طريق الاحتفال بمولد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).. أو إذا دخلنا قلوبَ الناس، من خلال ربطهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مولده فرحا، وفي وفاته حزنا.. فلماذا نعتبر هذه بدعة من البدع، التي ينبغي أن تحارب؟.. وإذا كانت الفضائية، أو إذا كان الموقع يُروِّج الدين في ضمن حدود الشريعة، كأن نذكر قصيدة في المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) كقصيدة البوصيري، وما شابه ذلك.. فإن هذا ليس مما ينبغي أن يحارب، مادام هنالك ترويج لآية في القرآن الكريم، وهي آية المودة: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.. والمودة ليست حالة قلبية محبوسة في الباطن، بل هي حالة في القلب، وممارسة في الخارج.. فمثلا: إن الإنسان الذي يود صديقا، يأتي له بهدية في يوم مولده، ويأخذ له باقة ورد إلى المستشفى عند مرضه، ويأخذ له هدية يوم زواجه.. فإذن، إن هذه مبرزات للمودة.

إن القرآن الكريم يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.. وهذه القوة يذكر القرآن مثالا لها: {وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}.. فليس معنى ذلك أن نقتصر على رباط الخيل في كل عصر، بل معناه أن القوة لها مصداق في كل زمان من الأزمنة.. فآية: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} تعطي قاعدة عامة للمسلمين، وهي أن يتسلحوا بما يمكن، وبأفضل ما يمكن، فلهذه الآية تجليات في كل عصر.. وآية تعظيم الشعائر: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}.. وآية: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ}.. فكيف ننصر الله عز وجل؟.. إن لذلك مصاديق في كل عصر .

فإذن، إذا قام المؤمن أو المسلم بتطبيق كليات الشريعة، في ضمن صور مستحدثة، فإن هذا لا يسمى بدعة مذمومة؛ لأنه لم يُدخل شيئا في الدين باسم الدين.. ولهذا فإننا نلاحظ أن أئمة الهدى (ع) هم أكبر الرؤوس في محاربة البدع، تلك البدع المحرمة.. أما أن ينسب الإنسان شيئا إلى الشريعة، ولم يأتِ في الشريعة -لا من قريب، ولا من بعيد، ولا في آية، ولا في سنة، ولا في كلمة مأثورة عن أهل البيت (ع)- فعندها يتحول الأمر إلى بدعة.

وبناء على ما تقدم، فإن الإمامية لا تعتقد بالصلاة جماعة في المستحبات.. كالمستحب الذي يمارس في شهر رمضان؛ لأن هذه حركة في الشريعة.. والصلاة لها حدودها، والجماعة لها أحكامها.. ولم يؤثر عن النبي (ص)، ولا الوصي، ولا أولياء الحق أن الصلاة المندوبة جعلوها جماعة.. ولهذا فإننا نعتقد أن هذا إدخال في الدين، وهو ليس داخلا في الدين في أصله.. أما الممارسات اليومية التي فيها ترويج للمعروف، أو إبراز لمودة ذوي القربى، فإن كل ذلك أمر سائغ، لا يمت إلى البدعة بصلة.

وهذه توصية إلى من يريد ابتكار الأساليب في ترويج الدين:
أولا: لابد وأن تكون الوسيلة غير منفرة، فقد تكون ممارسة من الممارسات -فيها ترويج للدين، وإحياء شعيرة، فيها ترويج مودة ذوي القربى- مقبولة في زمان، وقد لا تكون مقبولة في زمان آخر.. فهنا المؤمن الموالي المتعبد، يختار من الوسائل التي لا تنفر الناس من أصل الفكرة.

ثانيا: لابد أن يكون الأسلوب منسجما مع روح الشريعة، لا أن يكون غير منسجم معها.. فمثلا: إنسان يروج الدين بقصيدة مصاحبة لبعض الآلات الموسيقية، وقد يكون ذلك اللحن فيه شبهة بين الحلال والحرام.. ونحن نعلم أن روح الشريعة قائمة على مسألة الاحتياط، والتوقف في الشبهات.. فهنا مادامت الوسيلة لا تتناسب، وتتناغم مع روح الشريعة.. فعلى الإنسان أن يختار كما يقول الحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).. فهناك أسلوب مريب، أو هنالك شبهة.. وهنالك أسلوب واضح بيّن.. والإنسان لا يقتحم الشبهات، فإن اجتناب الشبهات خير من الإقتحام في الهلكات.

فملخص الكلام: ليست كل حركة جديدة بدعة مذمومة.. وإنما البدعة المذمومة: أن نأتي بصيغة من صيغ الممارسة، وننسب ذلك إلى الدين، بما لا يرضى به الشارع.. أما إذا كانت الوسيلة تطبيقا لكليات شرعية أمر بها الدين، فمن عمل مصداقا ينطبق عليه هذا الكلي، فهو متعبد بالشريعة.. ولا داعي لتكفير المسلمين، بمجرد استحداث وسيلة من وسائل تعظيم الشعائر.