الحلقة (5) - حديث الاثني عشر: اللبنة الاخيرة في بناء نظرية الامامة

نحن نعلم أن هنالك مدرستين في فهم نظرية الخلافة بعد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: مدرسة تقول بأن النبي صلى الله عليه وآله، أوكل أمر الخلافة إلى الأمة، والأمة اختارت طريقها في الحياة عن طريق الشورى الناقصة، أو المنتخبة، أو ما شابه ذلك، وحصل ما حصل.

ولكن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، تقول المبنى في هذا المقام هو قوله تعالى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.. فلماذا اختار الله عز وجل الأنبياء، ولم يترك الأمر للبشر ليختاروا صالحاً -مثلا-  نبياً؟..  لأنه هو الأعلم حيث يجعل رسالته.. وبهذا المنطق أيضاً نقول: الله عز وجل أعلم حيث يجعل وصايته.. إن حال الأمة أيام النبي -صلى الله عليه وآله- وبعد وفاته، هي حال واحد.. فالأمة هي الأمة، وحاجات الأمة هي نفس الحاجات.. بل العكس، فقد رأينا أن بعد النبي -صلى الله عليه وآله- وبعد الفتوحات الإسلامية، وهجرة الثقافات الكافرة، واستحداث مسائل جديدة، وانتقال الفلسفة اليونانية، وتلاقح الأفكار والحضارات.. فإن كل هذه الأمور تحتاج إلى موقف شرعي، وإلى إنسان متصل بعالم الغيب، يستقي علمه من الله ورسوله.

وعليه، فإن معنى ذلك أنه من الطبيعي أن نعتقد، أنه لابد من وجود وصي مرشح من قبل السماء.. وهذا الأمر ليس بدعاً بالشريعة الخاتمة.. فهذا نبي الله موسى الكليم عليه السلام، يغيب عن قومه أربعين ليلة، ولا يترك أمر الأمة سدىً ويذهب، بل يقول لأخيه هارون: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}.. فموسى عليه السلام يغيب في إجازة ربانية، للذهاب لتلقي الألواح، وإذا به لا يترك أمر الأمة!.. ونحن في حياتنا اليومية، فإن كل إنسان يغيب عن أهله، أو عمن هو مسؤول عنه: فالرئيس يغيب عن مملكته، والوزير يغيب عن وزارته، والمسؤول يغيب عن دائرته.. فيكون هنالك مستخًلف، ومن يقوم بهذه الشؤون ممن يختاره المستخِلف، لأنه هو أدرى بمن هو تحت يده.. فالإنسان عندما يغيب عن أسرته، يختار من أقاربه أو أصدقائه أقرب الناس إليه، ليكون خليفة له في عائلته.

إن النبي -صلى الله عليه وآله- يغادر الأمة إلى غير رجعة، لا كمغادرة موسى الكليم، ولا كمغادرة الإنسان أهله لسياحة قصيرة.. {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ}.. فهل من المعقول أن يترك أمر هذه الأمة سدىً، وهو يعلم ببذور الاختلاف التي كانت موجودة في أيام حياته؟.. وقد سجل التاريخ صورا لخلاف الصحابة، الذي وصل إلى المشاجرة.. فالنبي يعلم أنه في أمة حديثة عهد بالإسلام، فألف بين قلوبهم، عن طريق المؤاخاة، والوصايا الكثيرة.. فكان هناك الأوس والخزرج، والمهاجرين والأنصار، واليهود والنصارى، وبقايا فلول المشركين.. فالجو متوتر، وعليه، فكيف يغيب النبي عن هكذا أمة، دون أن يعين تكليفاً لهذه الأمة المرحومة.. وقد عيّن هذا الخط وهو في مكة، كحديث الدار مثلا.. وكان يغتنم فرصة بعد أخرى،  ليؤكد على هذا الأمر.. فيغيب عن المدينة، ويترك علياً يستخلفه على من في المدينة.. فيتألم علي كثيراً، لأنه حرم من الجهاد.. فعلق عليه النبي وساماً أشرف من غزوته، حيث قال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)؟.. ولهذا إمامنا الصادق عليه السلام يقول: (ما نودي بشيء، مثلما نودي بالولاية).. إن النبي لم يترك مناسبة إلا ورسخ هذا الأمر، وقد بلغ به الأمر إلى أن لفّهم بكساء يماني محدد، حتى لا يُظن بأن هنالك غير هؤلاء الخمسة.

إن هنالك أحاديث لو درسها المسلمون جميعاً، لما بقي خلاف في هذا الحديث.. وهذه الأحاديث من مصادر متنوعة، نذكر منها صحيح مسلم/ الجزء الثالث، يقول: دخلت مع أبي على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي منهم اثنتا عشرة خليفة، وثم تكلم بكلام خفي علي، فقلت لأبي: ماذا قال؟.. قال: كلهم من قريش. كذلك في صحيحه في الجزء الثالث، يؤكد على هذه المسألة مرة أخرى بعبارة أخرى.. وكذلك في صحيح الترمذي/ الجزء الرابع/ الباب السادس والأربعون، بالإضافة إلى مسند أحمد.. ومن الملفت في هذا النص أننا نلاحظ أن مسألة الخلافة، كانت أمراً يشغل بال الكثيرين، حيث قال رجل لعبد لله بن مسعود -وهو من كبار الصحابة-: يا أبا عبد الرحمن!.. هل سألتم رسول الله، كم تملك الأمة من خليفة؟.. فقال عبدالله بن مسعود: ما سألني أحد منذ قدمت العراق قبلك -والغريب أن هذا الصحابي بين ظهراني أهل العراق، وهم لم يسألوه هذه المسألة المصيرية- ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله، فقال: اثنا عشر، كعدة نقباء بني إسرائيل. (مسند أحمد ج1 ص657).. إن هذه الرواية قد وردت بطرق متعددة وكثيرة، وكتب الخاصة مليئة بهذه الروايات.

إذا كان الأمر في كلياته، قبلنا بأن الوصاية أمر إلهي: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.. وأن سنة الأنبياء كان على الاستخلاف، كما ذكرنا قصة هارون وموسى.. وقلنا أن سنة الأمم، والأفراد، والفطرة البشرية قائمة على الاستخلاف.. والنبي (ص) من حديث الدار، والمنزلة، والسفينة، والكساء، والغدير وغير ذلك.. يؤكد على هذه المسألة، ثم يُتوٌج هذا الكم من الأدلة بحديث الاثنتي عشرة خليفة.. فمَن مِن المسلمين يقدم لنا لائحة  بخلفاء بهذا العدد، وكلهم من قريش؟.. والأهم من ذلك، أن لهم سيرة نظيفة منقحة.

ونحن نعلم أن هنالك بعد النبي أكثر من أربعين خليفة: أولاً الخلفاء الأربعة.. ثم خلفاء بني أمية: (معاوية، ويزيد ، ومعاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام، والوليد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم).

ثم ينتقل الأمر إلى خلفاء بني العباس: أولهم السفاح أبي العباس، ثم المنصور، ثم المهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، ثم المتوكل، والمنتصر، والمستغيث، والمعتز، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد أو المكتفي، والمعتذر، والقاهر، والقاضي، والمتقي، والمستكفي، وآخرهم المطيع لله.. ففي هذه السلسلة أكثر من أربعين خليفة.. وإن تاريخ الدولتين العباسية والأموية، وما وقع فيها من ليالٍ حمراء في بغداد، والشام، ومصر.. تاريخ مدوّن.

فيا ترى!.. هل يمكن أن نقدم من هذه اللائحة الطويلة، اثنتي عشرة خليفة يستحقون لقب خلافة النبي (ص)؟.. وفي المقابل نرى أن هنالك من ذرية فاطمة، ومن نسل أمير المؤمنين، ومن نتاج الحسين الشهيد بكربلاء اثني عشر إماما، حياتهم مدونة في كتب كثيرة، مثل: بحار الأنوار للعلامة المجلسي، الذي يمثل مجموعة صغيرة في مقابل الواقع.. ففي قرنين ونصف من الزمان، نقل عنهم الكثير من الأحاديث والمواقف، فهذه الموسوعة المتجاوزة للمائة مجلد، إنما هي انعكاس بسيط للواقع.. ولا يختلف مسلمان من أية فرقة على نزاهة هؤلاء.. فحديثهم الأول يزكي الآخر، والآخر يزكي الأول.

ومن الملفت أن كل واحد منهم، كان مبتليا بهؤلاء الخلفاء الذين ما قصروا حبساً وتعذيباً وسماً.. فالإمام الكاظم (ع) وهارون، والإمام الرضا (ع) والمأمون، وهذا الإمام الصادق (ع) والمنصور، والإمام السجاد (ع) وهشام.. فنلاحظ أن هنالك خطين متعاكسين: هذا خط يمثل خط النبي المصطفى (ص) في عالم الحكم، وفي عالم التفسير، وفي عالم الحديث، وفي عالم الفقه، وفي عالم المواقف الجهادية.. وبالمقابل كما ذكرنا بعض الأسماء، ومنهم من كان والياً أمثال الحجاج، فالإنسان لا يمكن أن يقدم بعض هؤلاء الخلفاء كمسلمين أمام الكفار والمشركين.. فالإنسان يندى جبينه لما حصل من مجازر، ومفاسد أخلاقية طوال التاريخ، مما نسمعه في الدولتين العباسية والأموية .

لماذا العدول عن هذا الخط الواضح، الذي كرسه النبي صباحاً ومساءً؟.. وهذه النماذج، هل من الصدفة في قرنين ونصف إلى 260 من الهجرة، أن يأتي اثنا عشر إماما، أحدهما ابن الآخر بنفس الاتجاه والمضمون؟.. لم نعهد إلى الآن في تاريخ الأنبياء، ورجال الفكر على طول التاريخ، أن يكون هنالك ذرية بعضها وراء بعض، ليبلغ في قرنين ونصف هذه الذرية المنسجمة في عطائها وفي خطها، غير أئمة الهدى (ع).

فإذن، إن مراجعة للمسألة العقلية: مسألة الاستخلاف الفطري، ومسألة الاستخلاف الأنبيائي، ومسألة الاستخلاف النبوي، وأحاديث النبي (ص) في هذا المجال، وهذا الحديث الذي ذكر من الترمذي ومسلم وأحمد وغيرهم من الكتب.. يجب أن تكفي -على الأقل- لقدح شرارة في العقول، ولإيجاد جو من التأمل والتدبر في جو هادئ.. لا نريد أن نناظر، أو نناقش مناقشة إفحامية.. بل نريد أن نبين الفكرة.. فالإنسان عندما يتخلى عن كل تعصب وخلفيات موروثة، فالإنسان عندما يوضع في القبر أو في اللحد، أو عندما ينادى ويقوم من قبره، وعندما يقف أمام رب العالمين على الصراط، وعندما يقف أمام النبي في تلك المحكمة الكبرى، هل يفيده التذرع بالأجداد والآباء، هل يفيده التذرع بالجو العام الذي حكمه؟..

لماذا لا يسائل الإنسان نفسه الآن، قبل أن ينتقل إلى ذلك اليوم الموحش، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؟.. ومن القلب السليم ذلك القلب الذي يرى طريق الهدى واضحاً.. {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}.. {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}.. وقد قيل في تفسير هذه الآية: أي ينظر إلى علمه ممن يأخذه.. فانظر إلى طعامك الفكري، وإلى طعامك العقائدي، من أين تأخذ هذا الطعام؟.. لئلا تقف أمام الله، وأنت لا حجة لك في ذلك.. في اليوم الذي يقف فيه النبي وآله، حيث يُعطى الشفاعة الكبرى.. ويقف الإنسان وهو خجل من النبي المصطفى (ص)، لما ارتكبه من جفاء تجاه ذريته وآله المعصومين.