الحلقة (6) - حب الآل (ع) بين الادعاء والاقتداء

إن من المسائل التي تناقش في حقلين، مسألة المحبة والمودة، وهل أن المحبة الخالية نافعة ومنجية، أم لا بد من العمل؟.. وبعبارة أخرى المحبة الخالية هل لها قيمة، أو أن قيمة المحبة إنما تبرز بالعمل؟!.. هذا البحث تارةً يناقش في علم الأخلاق، وتارةً يناقش في علم العقائد.. ونحن نحب أن نتناول هذه المسألة من زاوية اعتقادية.

هل الحب المكنون في القلب -والذي لا ترجمة له في الخارج- له قيمة، أو أنه لا قيمة له؟!..
هنالك رأي يقول: بأن الحب القلبي المجرد، إذا لم يقترن بالعمل لا قيمة له، ووجوده كالعدم.. والذي يظهر هذا الحب من دون عمل، إنسان مستهزئ بنفسه.. وأصحاب هذه الطريقة من الفهم، يستهزئون بكل حركة تنم عن المحبة القلبية، وإن كانت تلك الحركة غير مستساغة عرفاً إلى حدٍ ما.

وأما الرأي الآخر فيقول: لا، ليس الأمر كذلك.. إن القلب محل الحب والبغض، وهذا القلب الذي انقدح منه الحب، هو قلب محمود ومحترم.. فإذا جرت المقارنة بين إنسان فاسق، ولكن قلبه مليئ بحب الله ورسوله -سيأتي أن هذا الحب قد يتوهم بأنه حب، وليس حباً حقيقياً- وبين إنسان لا يحمل هذه الصفة.. بلا شك أن القلب الحامل للحب، قلب قريب إلى الله عز وجل، وإن كانت الجوارح في هذا المقام جوارح مقصرة، وتستحق العذاب يوم القيامة؛ ولكن هذا القلب الحامل للحب قلب ممدوح.

هناك ثلاث نقاط في هذا المجال:
النقطة الأولى: هو أن هذا الكلام صحيح، أي أن القلب المحب خير من القلب الذي لا يحب، وإن كانت الجوارح خائنة لهذا القلب.. وينبغي أن نقدر كل حركة حب، وكل حركة تنم عن الحب، ولو كانت الحركة بسيطة ساذجة.. إن بعض الناس في المشاهد المشّرفة، قد يقوم بحركات غير مقبولة بحسب المنطق العقلي، ولكن هذه الحركة الساذجة البسيطة، تكشف عن حالة قلبية، وتنمّ عن حب الطرف المقابل، وإن كانت الحركة في حدّ نفسها حركة غير مقبولة.. فعلينا أن لا نغفل عن المنكَشَف، وإن كان الكاشف بسيطاً.. فهو بمثابة إنسان يأتي بوردة لا يعلم بأنها ذابلة، يقدمها لمريض أو لإنسان، فإن هذا الإنسان لا يؤاخذه على ذبول الوردة.. وإنما يحمده على حركته، وإن كانت هذه الحركة لا قيمة لها بحسب الخارج.

النقطة الثانية: إن مسألة الحب للذوات المقدسة، بدءاً بذات الربوبية إلى أوليائه الصالحين، من المسائل المشتبهة.. فالإنسان في بعض الأوقات يخلط الأوراق، والشيطان له ميل لأن يستبدل الإنسان الملف الحقيقي بالملف المزيف.. فهناك فرق بين الحب، وبين إبداء الحب.. وأيضا هناك فرق بين الحب، وبين الشوق.. فالذي نلاحظه في عامة الناس، عندما يبدون أشواقهم لرب العالمين في الحج أو العمرة، أو يبدون أشواقهم لأهل البيت (ع) في مجالس فرحهم أو حزنهم، أو عند زيارة مشاهدهم.. فإن هذا يسمى إبداء الشوق، أي أن إنسانا يبدي شوقه للطرف المقابل، ولا ينبغي أن يحسب هذا حباً حقيقياً.. وهناك مرحلة أرقى من ذلك، أي أن الإنسان لا يبدي الأشواق فحسب!.. وإنما يعتقد بكمال المحبوب، وهنالك اعتقاد نظري وفكري على أن المحبوب له كمالات.. هذا أيضاً لا يحسب على الحب.

ما هو الحب الصادق؟!..
الحب الصادق: هو عبارة عن ميل صادق للمحبوب، يدفعه إلى التشبه به.. فالحب الحقيقي عبارة عن شوق إلى لقاء المحبوب، مع الرغبة بالتشبه بصفات المحبوب قدر الإمكان؛ لأن للمحبوب ملكات وصفات.. ولقاء المحبوب يحتاج إلى مسانخة، وهذه المسانخة لا تتحقق إلا بوجود صفاتٍ في الحب شبيهة بصفات المحبوب.. فمثلا: إذا كانت الفتاة التي يعشقها الإنسان كريمة الطبع بدرجة لا توصف، فالذي يريد وصلاً بها -هذا إن كان صادقاً في الوصل وفي الرغبة في الوصل- عليه أن يتشبه بالكرماء؛ لأنه يعلم بأن هذه المحبوبة، لا ترضى إلا بمحبٍّ من هذا السنخ.. ولهذا تبدأ الصفة تكلفاً، ثم تتعمق وتتعمق إلى أن تصبح ملكة.

فإذن إن مجمل القول في مسألة المحبة: أننا نقول: أولاً أن الحب القلبي حتى لو لم يكن معه عمل، لا ينبغي الازدراء بهذا الحب، وبالحركات العاطفية البسيطة البريئة الصادرة من العوام الناتجة من الحب؛ لأنها حركات بسيطة أو ساذجة.. بل علينا أن نعلم الخلفية التي دفعت المحب للقيام بهذا العمل.

النقطة الثالثة: إن إبداء الشوق والتشبه بالمحبين، هذا ليس حباً.. ولهذا يقول البعض -وهي عبارة جميلة- في الرواية المعروفة (أحب الله من أحب حسيناً): جعل الله عز وجل حب الحسين، لوحده من موجبات الحب الإلهي.. حيث يُعلم من خلال المسانخة بين المبتدأ والخبر، وبين المقدمة وبين النتيجة، وبين الصدر وبين الذيل.. أن هذه المحبة محبة مؤثرة، تلك المحبة البليغة المؤثرة في تغيير السلوك، كما ذكره القرآن الكريم: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}.. فإذن، (أحب الله، من أحب حسيناً) أي اشتاق إليه، وأحبه المحبة التي توجب الاتباع.. ومن الطبيعي إذا اجتمع حب الحسين مع العمل برسالة الحسين، وما جاء به جد الحسين.. كان ذلك كافياً لأن يحب رب العالمين ذلك العبد، الذي أحب الحسين بشرطه وشروطه.. وحب الله للعبد؛ من أسباب النجاة، ودخول الجنة.