الحلقة (7) - ما هو موقفنا من تحريف القرآن ؟

إن من الأبحاث العقائدية المهمة، معرفة الموقف الصحيح تجاه مسألة تحريف القرآن.. فقد كثر الكلام حول هذا الموضوع: فنسبة منه غير صحيحة لا تستند إلى المنطق والعقل، ونسبة تسند إلى ما هو صحيح من الحديث.. ولهذا نحاول أن نبحث بهدوء مسألة تحريف القرآن.

إن القول بالتحريف على قسمين:
الأول: من يقول بأن القرآن محرف زيادةً.. والثاني: من يقول أن القرآن محرف نقيصةً.

أولاً: مسألة التحريف بالزيادة: وهو القول باحتواء القرآن آيات أو سور غير قرآنية، وهو قول نادر وشاذ جداً.. فعلى سبيل المثال، هنالك مقولة منقولة عن ابن عباس أنه قال: بأن المعوذتين ليستا من القرآن.
ثانياً: مسألة التحريف بالنقيصة
:
وهو القول بأن هنالك سور أو آيات من القرآن الكريم، محذوفة من كتاب الله عز وجل.

فما هي كلمة الفصل في هذا المجال؟..
مبدئياً، علينا أن نسجل ملاحظة مهمة، وهي أن هنالك من يقول بأن القرآن فيه نقيصة، سواء في جانب العامة أو جانب الخاصة.. وهذه مقولة ينبغي أن نقررها أولاً، فلا ينبغي لكل فريق أن يعيّر الطرف الآخر، بأنه متفرد بمسألة تحريف القرآن بمعنى النقصان.. وقد روي في الإتقان/ الجزء الثالث/ ص82، والقرطبي/ الجزء الرابع عشر/ ص113، والدر المنثور، ومحاضرات الراغب، ومناهل العرفان، وهناك مصادر أخرى في هذا المجال، وروايات تفيد هذا المعنى، أن عائشة قالت: (كانت سورة الأحزاب تقرأ زمن النبي (ص) مئتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن).

فإذن، إن هذه الرواية منقولة في عدة مصادر، على أن أم المؤمنين كانت تعتقد وترى بأن سورة الأحزاب سورة محرفة نقيصةً: أي أن هنالك آيات لم تنقل.. بل الأمر أكثر من ذلك، فهنالك من كتب العامة مؤلفات في مجال تحريف القرآن الكريم، منها: كتاب الفرقان، لابن الخطيب.. وكتاب المصاحف، لابن أبي داوود السجستاني.. فإذن، إن هذه مقولة منقولة، ولا ننكر أن في كلا المذهبين أو الاتجاهين، من ينقل هذا المعنى عن القرآن الكريم.. فما هو قول الفصل في هذا المجال؟..

ينبغي أن نعلم أولا أن علماء الإمامية -رضوان الله تعالى عليهم- كبارالقوم، وعندما نقول: كبار القوم، فإنه يتبادر إلى الذهن الطوسي رحمه الله، والسيد المرتضى، وكذلك الشيخ المفيد.. فهؤلاء أعلام الطائفة، وأعيان طائفة الإمامية، وعلى رأسهم من أرسى قواعد المذهب، وهو شيخ الطائفة الشيخ الطوسي، فإن له كلاما جامعا وواضحا جداً، في الجزء الأول من التبيان/ الصفحة الثالثة، حيث يقول: (وأما الكلام في زيادته ونقصانه، فمما لا يليق به) -أي بالقرآن الكريم- فيبدأ كلمته باستنكارٍ لهذه المقولة، لأن الزيادة مُجمعٌ على بطلانها، كما ذُكر سابقا أنّ ما نُقـِلَ عن ابن عباس رأيٌ شاذ لا يُعبأ به.

(وأما النقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه).. فالشيخ الطوسي يحاول تثبيت هذا المعنى عند المسلمين، أي أيها المسلمون!.. إذا سمعتم رأياً خلاف ما أقول، حتى في العامة فلا تأخذوا به.  ويقول: فالظاهر من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق الصحيح من مذهبنا.. وهو الذي نصره السيد المرتضى (قده)، وهو الظاهر في الروايات.. غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا).. يقول الشيخ: (إن طريقها الآحاد).. أي أن هذه الروايات غير متواترة، وغير قطعية، فقد رواها الآحاد، وستأتي عينات على ذلك.. ثم يتابع قوله: (والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بـها؛ لأنه يمكن تأويلها.. ولو صحّت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه).. وكأن الشيخ قبل ألف سنة، ينظر إلى يومنا هذا، أن اتركوا التشاغل بمسألة تحريف القرآن، وإثبات ذلك في كتاب الله المجيد.

فإذا مررت بما نقل في كتب الخاصة عن روايات التحريف، وكما يقول الشيخ، فهي غير قليلة، فما هو الموقف الصحيح تجاه هذه الروايات؟..
أولا: إن بعض هذه الروايات قابلة للتأويل، أي أن العلماء يقولون: بأن ما يُفهم منه الزيادة في القرآن الكريم، ليُحمل على أنه من باب التفسير من قِبَل المعصوم.. فمثلا لو جاءت رواية وقالت: (يا أيها النبي) أو (ياأيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك في عليٍ).. فمن الواضح أن مراد القائل من كلمة (في علي) أنه من باب (بين قوسين) أي من باب تفسير هذه العبارة.. ففي زماننا هذا توجد علامات بين معكوفتين، وبين قوسين () وتستعمل هذه العلامات، لأجل بيان أن هذه الفقرة متميزة عن الأصل.. أما الكتـّاب سابقاً فكانوا في الغالب يتبعون ما يسمى بالشرح المزجي، أي يكتب المتن ويُدخل الحاشية أو الشرح من دون وضع علامة مائزة: إما باللون، وإما بالحركات.. وبالتالي، يتداخل المتن والحاشية.

فإذن، إذا وردت رواية تدل على النقصان، أو على الزيادة.. فعلينا أن نؤول ذلك بأنه من باب التفسير.. وحتى لو ثبت عندنا، بأن هنالك نقل أن جبرائيل جاء بعبارةٍ خلاف ما هو بين أيدينا، فما المانع أن ننسب ذلك إلى جبرائيل، كتفسيرٍ لهذه الآية، بعدما ثبت أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. يقول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.. ولو قلنا: أن كلمة {حَافِظُونَ} في القرآن تدل على المصحف الذي عند الإمام المهدي عليه السلام –لا مصحف المسلمين– فأي حفظٍ هذا؟.. فقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فهذا الكلام يدل على حفظ القرآن في حياتنا، وبينما هو المتداول، وعدٌ من الله عز وجل بحفظ هذا الكتاب الكريم.. إن موقف أئمتنا عليهم السلام طوال التاريخ، كان على إثبات قدسية هذا الكتاب بين الدفتين، من دون أي دعوى بالزيادة والنقيصة.

ثانيا: وأما بعض الروايات الواردة في هذا الباب، مما لا تحتمل التأويل: فهي إما ضعيفة السند، أو إذا كانت قوية السند، ولا تقبل التأويل، وصريحة في أنها ليست بتفسير، وصريحة في أنها جزء من الآية.. فعندها ننتقل بها إلى حديث النبي صلى الله عليه وآله الذي يقول فيه: (إذا جاءكم حديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فاعملوا به وإن خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار).  فإذن، إذا وردت رواية تدل على خلاف القول بالتفسير، وما دامت هذه الرواية تخالف إجماع المسلمين، أو إجماع المحققين من علماء المسلمين، وتعارض قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.. فإن مصير هذه الروايات هو الترك، وكما قال النبي (ص): (اضربوا به عرض الجدار).

إن هنالك بعض الروايات الدالة على زيادة في وسط آية الكرسي، والروايات منقولة في ثلاثة مصادر، وهي: الكافي، وتفسير القمي، وكتاب العروس..  أما كتاب القمي: ففي سند الرواية الموجودة، فيها الحسين بن خالد، وهو غير موثق، ومادام في سلسلة الرواية شخص واحد غير موثق؛ فلا يمكن الأخذ بهذه الرواية.. وأما في رواية الكافي: ففي سندها محمد بن سنان، وهو أيضاً غير ثقة، لم يوثق..  وأخيرا كتاب العروس، للشيخ جعفر القمي: لم يثبت له سند.

فإذن، إن هذه الآية الكريمة، التي يعيـّر البعض، ويقول: بأنه قد نُقِل في كتبكم، وفيه زيادة، قلنا أن مصادرها الكتب الثلاث، وقد ناقشناها.. ونحن نصرح في أكثر من مناسبة، وعلماؤنا طوال التأريخ صرحوا.. بل صاحوا: بأنه ليس هنالك كتاب صحيح ما بعد القرآن الكريم..  فكل كلمة واردة في النهج، أو في الصحيفة، أو في الكافي، أو في الخصال، أو في التهذيب، أو في الفقيه.. فكل هذه النصوص، وكل حديثٍ حديث، لابد من إخضاعه للبحث السندي، والدلالي، والمعارضات، وما شابه ذلك..  فإذن، ليس هنالك ما نصمه بالصحة والصواب.. وكيف نصف كتابا أُلّف بعد قرون من حياة النبي صلى الله عليه وآله، حتى بالاستقراء المنطقي والبحث الرياضي، كيف يمكن القطع بصحة كل ما في هذه الأجزاء الكثيرة؟.. فآلاف الروايات نصفها بالصحة، وبين الكاتب المؤلف وبين النبي قرون متمادية!.. وخاصة مع عدم وجود وسائل التثبت والتسجيل وما شابه ذلك؟.. فمن الطبيعي دخول روايات غريبة في المتون المنقولة عن النبي وأهل بيته عليهم السلام.

فإذن، فإن ملخص القول:
أولا: أن القول بالزيادة، مجمعٌ على بطلانه
.
ثانيا: أن القول بالنقيصة، هنالك من يقول به في كلا الفريقين
.
ثالثا: أن القول الحق ما ذكرناه من أن الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، مما لا يليق به.. وما ورد فيه إما ضعيف السند، أو مؤول على التفسير، أو مردود بكلام الله وعلماء المسلمين.