الحلقة (8) - الزواج المنقطع بين التحريم والاستغلال السلبي

إن من ضمن الأحاديث العقائدية التى كثر الحديث حولها بين العامة والخاصة هي مسألة الزواج المنقطع.. فما هو رأي الشرع في ذلك؟.. وهل هناك ضوابط أخلاقية في هذا المجال؟.. فلا بد من تبيان الموقف الشرعي من القرآن والسنة؛ لأن هناك من المسلمين من حكم بحرمة هذا الزواج، ويعامله معاملة السفاح.

الموقف الشرعي من القرآن والسنة: من الغريب أن يصرّح القرآن الكريم بآية واضحة جداً بحلِّية هذه المسألة: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}.. فكلمة الإستمتاع ذكرت بالآية، وكذلك كلمة الأجور، وذلك خلاف المهور في الزواج الدائم.. فالقرآن الكريم ليس فيه مايدل، على عدم جواز هذا النوع من الزواج.. أما بالنسبة لروايات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ففي كتب صحيح مسلم/ كتاب النكاح/ الباب الثالث، فمن ضمن أحد الأحاديث يقول الراوي: (خرج علينا منادي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: إن رسول الله قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني متعة النساء).

وكذلك في رواية أخرى يقول الراوي: (قَدِمَ جابر بن عبدالله معتمراً، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء.. فقال: نعم، استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر.. ثم ذكروا المتعة، وكذلك يقول جابر: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر)، أي يجعلون المهر قبضة من التمر أوالدقيق.. فهناك روايات كثيرة في هذا المجال، تدل على أن التشريع كان معمولاً به، وحتى أن بعضهم ذكر بعض الذين جاؤوا بعد زمن الصحابة، ممن ولدوا من هكذا سنخ من الزواج.. وبعد هذه الآية، وبعد الروايات.. ما المشكلة في هذا الزواج؟..

يبدو أن هناك حالة من حالات الإستغراب، بأنه كيف يمكن أن يتزوج الإنسان لأيام أو لساعات بمجرد لفظة.. والحال أن فرق الزواج الدائم عن الزنا، ليس في مقام العمل، فالعمل هو العمل.. ولكن هنالك ألفاظ في الزواج الدائم، يقلب الحرام إلى حلال.. فالفارق الوحيد بين الزواج الذي مشى عليه المسلمون جميعاً، وبين هذا الزواج: هو أن هذا الزواج غير مقيد بوقت، والآخر زواج مقيد بوقت.. فهناك: لفظ، واتفاق، ومهر، وعـدة، وإرث، وولد شرعي منـتسب للرجل.. فما المشكلة في ذلك؟..

فلو أن إنساناً تزوج زواجاً دائمياً، مع القطع واليقين والبناء القلبي، بأن يطلق الزوجة بعد أشهر.. فهل يقول أحد ببطلان هكذا زواج؟.. هو زواج دائم، ولكن مع نية الإنفصال لاحقاً.. فإذن، كون الأمر فيه زمان، وفيه أمد؛ مما لا يوجب وهناً في مثل هذا الزواج، وخاصة أن الشريعة شريعة مستوعبة.. فالإنسان قد يمر بظرف يدور أمره بين الحرام، وبين هذا الأمر الجائز بحسب الشريعة.. فالشريعة جعلت لك متـنفساً في هذا المجال، حتى لا يقع الإنسان في تلك الرذيلة التي تقصم ظهره.

ولكن الشق الآخر من الحديث، هو هذه التساؤلات: ماهي ملاحظتنا على هذا الزواج؟.. ولماذا نرى بأن للنساء موقفا سلبيا معروفا اتجاه هذا الأمر الشرعي؟.. ولعل هنالك شيئا من الحق في هذا المجال.. لذا علينا أن نبين هذه الناحية.

إن سلبيات هذا الزواج في مجال العمل، رغم وجود تشريع واضح محلل، هو أن البعض قد أساء الإستفادة من هذا التشريع المحلل.. فيلاحظ بأن البعض يصل إلى هذا الحلال عبر قنوات عديدة من الحرام: فإذا أراد أن يصل إلى البغية، تراه يسترق النظر يميناً وشمالاً.. وقد يتحدث حديثاً شهوياً مثيراً.. وقد يصل الأمر إلى مستوى المصافحة، والحديث.. ومن ثم يصل الأمر إلى مستوى الحديث الغرامي.. كل ذلك قبل العقد الشرعي.. فإذن، إن الإنسان المؤمن إذا رأى بأن هذا الحلال الأخير، يتوقف على مقدمات محرمة كثيرة، فكيف يقدم على مثل هذا العمل؟.. وبالتالي، فإنه علينا أن نلتفت إلى أن هذا الأمر، إنما هو جائز بشرطه وشروطه.

وأما إذا كنت مضطراً إلى أن ترتكب أنواع الحرام القولي والنظري، لأجل الوصول إلى هذه المسألة، فمن الواضح عندئذ أن الأمر غير سائغ.. وكذلك الإنسان في مقام العمل بالمستحب، عليه أن تكون له سياسة الموازنة.. وبما أن هذا الأمر راجح بحسب الشريعة، أو جائزٌ بحسب أصل الدين، فهذا لا يعني الإقدام والرجحان في ذلك.. فالمؤمن يوازن بين الإيجابية والسلبية، فإذا كانت هذه العملية المحللة بحسب العمل، مما يوجب خراب العش الزوجي، أو تفكك الأسرة، أو يوجب حالة من حالات الشرخ النفسي بينك وبين من تعيش معها بشكل دائم.. فهل يبقى الرجحان على حاله؟..

 كتب أبو الحسن (ع) -وهذا دليل على أن الأئمة عليهم السلام هم دُعاة التوازن، وحساب جميع المقارنات قبل العمل- إلى بعض مواليه: (لا تلحوا على المتعة، إنما عليكم إقامة السنة.. فلا تشتغلوا بها عن فرشكم وحرائركم؛ فيكفرن، ويتبرين، ويدعين على الآمر بذلك، ويلعنونا).. فالإمام (ع) يقول: إيـاك أن تجعل هذه العملية مما يوجب لك الإبتعاد عن الحليلة -وهي الزوجة- وعن الفراش الرسمي الذي تمارسه.. وقد رأينا في مقام العمل، أن البعض رغم علمه بأن هذا الأمر قد يؤدي إلى الشرخ العائلي، ومع ذلك يقوم به.

ويذكرنا الإمام -عليه السلام- في مورد آخر، بمسألة الإعتبارات الإجتماعية.. فالإنسان إذا كان في ظرف معين، وبعنوان معين، قد يوجب له شيءٌ من الوهن إذا قام بحلال أو بمستحب.. فهل يبقى الأمر على حاله؟.. قال الصادق (ع) لأصحابه: (هبوا لي المتعة في الحرمين!.. وذلك أنكم تكثرون الدخول عليَّ، فلا آمن من أن تؤخذوا، فيقال: هؤلاء من أصحاب جعفر).. وعليه، فإن الإنسان إذا كان يلاحظ أن هنالك حالة من حالات السلب الإجتماعي، فعليه أن ينتبه لهذه السلبية.

إن من الأمور التي ينبغي أن نلاحظها في هذه المسألة، أن بعض الناس يأخذ بهذا الحلال، ويكثر من هذا الأمر.. إلى أن يتحول الى موجود تغلب عليه الشهوة، فلا يقـنع بالقليل، ويعيش دائماً هاجس الإستمتاع بعنصر جديد.. فإذا لم يتفق له ذلك: إما قد يصاب بنكسة نفسية، أو بضيق وتبرم.. أو أن يلجأ -لا سمح الله- إلى الحرام، لأن هنالك اشتغالا في الباطن، لا يطفيه الحلال، فلا بد أن يتوجه إلى الحرام.. وأيضاً يلاحظ في مقام العمل، أن الذي يتذوق ذلك العالم المعهود، عندما يصل إلى زوجته، أو إلى حليلته وأم أولاده، فيلاحظ بأن هناك تفاوتا وفارقا شاسعا بين العالمين: بين ذلك العالم وبعض المحترفات في ذلك المجال، وبين هذه الزوجة المؤمنة الصالحة المتعارفة؛ فيعيش أيضاً حالة من حالات الإنتقاص الباطني.. وكذلك حالة من حالات عدم الإعتناء، والإزدراء في هذا المجال.. ومن الطبيعي بأن هذه مقدمة لارتكاب الظلم بحق الزوجة.

فإذن، إن ملخص الحديث: أنه لا ينبغي أن نحرّم ما أحله الله عز وجل.. وعلى مستوى التـشريع، ليس لنـا الحق بأن نقول كلمة في قبال الله ورسوله.. ولكن في مقام التطبيق والعمل، فالمـؤمن كيِّس فطـن، ومراقب ومـوازن، يلاحظ ويوازن بين السلـبيات والإيجابيات.. ولا يعمل بالـشيء لرجحانه المبدئـي، إلا أن يتيقن بوجود مرجحات محضة، من دون سلبيات ترفع الترجيح في البين.