الأسرار الباطنية للاستعاذة

إن من أسرار الصلاة بعد التكبير، مسألة الإستعاذة.. حيث يستحب للمصلي أن يستعيذ بالله -عز وجل- قبل أن يسمي، وقبل أن يقرأ سورة الحمد والسورة.. فلماذا الإستعاذة في أول الصلاة؟.. الجواب هو: إن الشيطان له رغبة في أن يدخل في كل طاعة من الطاعات، باعتبار حسده القديم لبني آدم؛ فيحاول أن يصرف بصيرة العبد، ويشغله بما يصده عن السبيل.. ولهذا يقول القرآن الكريم: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.. فالله تعالى يأمر عباده بالاستعاذة؛ حتى لا يدخل الشيطان على الخط، وبذلك يسلبهم بعض التوجه.

إنه من الواضح أن الحركة الصلاتية، من أهم الحركات العبادية.. فليس هناك حركة توصل العبد بربه، أعظم وأفضل من موضوع الصلاة!.. ولهذا يؤمر بالاستعاذة من الشيطان، قبل قراءة السورة.. وهناك بعض الحركات، وهي حركات قلبية، مُسكت وحُبست في عالم الألفاظ اشتباهاً، من قبيل الاستعاذة والاستغفار.. فالاستعاذة والاستغفار هما حركتان قلبيتان، وإن أُبديت هذه الحركة من خلال اللسان؛ أي عندما يستغفر الإنسان ينيب بقلبه، وعندما يستعيذ يلتجيء بقلبه، فهذه الألفاظ جعلت دلالات على المعاني القلبية.. فإذا كان القلب خالياً من هذا المعنى؛ فإن ذلك يعني أن هذه الحركات اللسانية، حركات لا رصيد لها.

ومن المعلوم أن الإنسان عندما يستعيذ بالله من الشيطان، فإن هذه الإستعاذة الأولية لا تغنيه عن الإستعاذة المستمرة.. كما أن النية، ينبغي أن تكون حركة مستمرة في الصلاة، كما يقول الفقهاء: أنه لا بد للنية أن تكون: حدوثاً، وبقاء، واستدامةً.. وكذلك الإستعاذة، فالإنسان يستعيذ أول الصلاة، ولكن هذه الاستعاذة، لا تأمنه من أن يأتي الشيطان، في الحركات الصلاتية اللاحقة من الركوع والسجود.. ولهذا قد يلاحظ بأن الإنسان يبدأ صلاته بالإقبال، وينتهي بالإدبار، أو يتوسط بالإدبار.

فلا بد من تذكير النفس دائماً: بأن هنالك حركة من الشيطان، في صد العبد عن صلاته.. وما أجمل هذه النصيحة التي يقولها أحد العارفين بأسرار الصلاة: إن الخواطر على قسمين في صرف المصلي عن صلاته: هنالك خواطر تهجم عليه من غير اختيار؛ أي تأتيه خاطرة جبرية قهرية، لا دخل للعبد في متابعتها، إن هذه الخواطر لا تضر بالمصلي؛ لأنها حركة إجبارية.. ولكن المشكلة في المتابعة الإختيارية، بمعنى أن الخاطرة تأتي كنقطة، وعلى المصلي أن يتجاوز هذه النقطة، ولا يعتني بها؛ لأنه إذا اعتنى فهو موآخذ بهذا الإعتناء، لا أنه موآخذ بأصل هجوم الفكرة عليه.

فإذن، إن المعادلة المثالية لمسألة الإقبال في الصلاة: أن الإنسان عليه أن يعلم بأن الخواطر والأفكار القهرية، أمور تأتي بشكل إجباري.. ولكن الشيء الذي يضر في المقام، هو المتابعة.. فعليه أن لا يتابع الصور الباطلة، التي يحاول الشيطان أن يشغل المصلي بها.. ومن الملفت حقاً أنه يحصل للإنسان هجوم غريب، للخواطر والأفكار في أثناء الصلاة!.. فقبل أن يصلي قد يكون بحالة من التركيز الجيد، ولكن عندما يبدأ بتكبيرة الإحرام، يعيش الإنسان سيلاً من الهواجس والخواطر والوسواس، وكأن هناك يداً تصرفه عن جو الصلاة.. وحقيقة إن ضبط الخواطر في أثناء الصلاة، من الحركات الثقيلة على غير الخاشعين؛ وذلك لأن التفات الفكر هو فرض إعطاء الأهمية.. فالذي لا يعطي الأهمية للوقوف بين يدي الله عز وجل، من الطبيعي أن يحرم هذه الحالة من التركيز.