الأسرار الباطنية للقراءة

إن من المحطات الصلاتية، التي ينبغي أن يتوقف الإنسان عندها جيدا (القراءة)، وهي تعتبر من الفترات المتميزة في الصلاة.. لأن ملخص الصلاة من التكبير إلى التسليم، عبارة عن حركتين: حركة تعبر عن حديث العبد مع الرب، وهنالك حركة عكسية؛ وهي حديث الرب مع العبد .

صحيح أن الصلاة بمقابل القرآن كله، حيث أنها حديث للعبد مع الرب، بينما القرآن الكريم هو حديث الرب مع العبد.. ولكن في الصلاة هنالك مقطوعات، يتحدث فيها رب العالمين مع عبده.. ألا وهي القراءة، أي قراءة السورة والفاتحة المأخوذة من القرآن الكريم.. وكما هو معلوم أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، والفاتحة من السور التى تستبطن الكثير من المعاني.. وأمير المؤمنين -عليه السلام- عندما فسر سورة الحمد، أخذ وقــتـاً طويلاً؛ لأنه يعلم المعاني التي وراء الألفاظ، ويعرف القرآن ومن خوطب به.

الآن وعلى ما نفهمه نحن بعلمنا القاصر، يلاحظ أن سورة الحمد هي عبارة عن قطعتين: في القطعة الأولى مقدمات متمثلة بالبسملة، والثناء على رب العالمين، وتسجيل موقف العبودية، والإستعانة من الله -عز وجل- حصرا، إذ لا يعبد سواه، ولا يستعان سواه.. وبعد هذه المقدمات يصل المصلي إلى نقطة جوهرية، وهي متمثلة بدعوة واحدة، فسورة الحمد فيها دعاء واحد متمثل بقوله تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} وما تبقى من سورة الحمد تتمةً لهذا المعنى.. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}.

وكأنه توجد هناك جوهرة مكتنفة في وسط سورة الحمد، فلو التفتنا إلى هذه الجوهرة؛ لتحولت النظرة إلى الحياة وإلى الوجود وإلى الكون.. وهي أن الإنسان إذا أراد أن يصل إلى الله -عز وجل- لا بد أن يستوعب هذه الحقيقة: وهي أن هنالك صراطا، وأن هنالك استقامة، وإنه إذا أراد أن يصل إلى الهدف لا يكفي أن يكون مستقيماً في قطعة من هذا الطريق.. فالإنسان في السفر إذا كان مستقيما في الطريق إلى الهدف، وقبيل الوصول إلى المأرب والمقصد انحرف عن الطريق درجات بسيطة؛ فإنه سيذهب إلى مدينة أخرى، ولا يصل إلى البقعة التي يريدها.. ولهذا فإن المصلي في اليوم إجباراً يطلب من الله عز وجل: صباحاً، وزوالاً، وغروباً -في غير النوافل، وغير التلاوة العامة للقرآن- أن يهديه هذا الصراط المستقيم.

إن الذين يريدون الوصول إلى الله عز وجل، رغم أنه في كثير من الحالات لا تنقصهم الهمة، ولا ينقصهم العزم، ولا ينقصهم الإصرار في هذا الطريق -طبعا الذي يصر في هذا الطريق، هو الفائز، فلا منة لأحد على رب العالمين؛ لأنه هو المنتفع أولاً وأخيراً، ولا يزيد في ملك الله شيئا- تواجههم مشكلة، وهي في عدم البصيرة، وعدم معرفة الطريق.. وإنها لخسارة عظمى للإنسان السائر إلى الله -عز وجل- أن يعيش حالة: الهمة، والعزم، والإصرار، والتأكيد.. ولكنه يخطيء الطريق؛ فيقع في بعض المطبات.. فيكون من أثر ذلك أنه يشمئز من أصل سفره، وينحرف عن أصل سلوكه.. وهذا في غاية الخطورة؛ لأن الذي يرتد عن الطريق، يفقد ما كان عليه سابقاً أيضاً، وكذلك فإن الشياطين في موقع الإنتقام من هذا العبد، الذي حاول أن يخرج من مملكة الطاغوت.

وبالتالي، فإن على الإنسان أن يعرف كيف يسير؟!.. ومن أين يبدأ؟!.. وما هي مراحل الطريق؟!.. وهي مسألة مهمة جداً، والعبد مهما حاول أن يحدد، ومهما حاول أن يفكر، ومهما حاول أن يستبصر برأي أهل البصيرة -ما يسمى بالمرشد أو الدليل- فإنه لا يستغني عن الدلالة الإلـهية، الذي يعلم الأول والأخير والوسط، والذي يعلم ما تكنه نفسه، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

إن لكل إنسان طينته، ولكل إنسان سبيله في هذه الحياة.. فبعض الأنماط من المؤمنين ينفعه الطريق الرجائي، والبعض ينفعه الطريق الخوفي، وإذا غلب على الرجائي جانب الخوف انحرف عن الطريق، وكذلك العكس.. وأيضا لكل إنسان مزاج، فلا بد وأن يسلك في الطريق الذي يناسب مزاجه.. ولهذا فإن القرآن الكريم لم يذكر في آية واحدة الصراط بلفظ الجمع، بينما يجمع السبل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، إنه طريق عام يجمع الجميع؛ ولكن لكل سبيله، ولكل طريقه.. إن الطريق إلى الله، بعدد أنفاس الخلائق.

وعليه، فلا بد أن يطلب السائر إلى الله -عز وجل- الهداية الخاصة في كل يوم، لا الهداية العامة.. فمثلا: اليوم قد يناسبه الغضب؛ لأن الغضب في هذا اليوم قد يمنع الآخرين عن المنكر.. وفي يوم آخر يصلح أن يغلب عليه عكس الغضب؛ البشاشة والترحاب.. فإذن، ليست هناك قواعد ثابتة في الطريق العام، ولا في كل يوم.

ولهذا فإن الأولياء والصلحاء، وعلى رأسهم المعصومون -عليهم السلام- فيهم حالات مختلفة، تتلون ألوانهم الباطنية بحسب مقتضيات الحال.. فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على رأفته وشفقته، كان لا يمكن أن يكلَّم في بعض الحالات.. حيث كان للنبي انكشاف إلـــهي، يعلم كيف يتعامل في هذه الساعة وفي كل ساعة.. بل في الساعة الواحدة هنالك سبل للتعامل مع أفراد مختلفين، ففي ساعة واحدة قد يطلب من المؤمن البشاشة أمام إنسان، ويطلب منه العبوس أمام إنسان آخر؛ لأن لكلٍّ تكليفه.. وبالتالي، من أين سيعلم الإنسان ما هو الحق؟..

إن مشكلة المشاكل هو في معرفة النقاط التفصيلية، ففي المسائل الفقهية من السهل مراجعة الفقيه وأخذ الفتوى.. وهذه الفتوى مبرأة للذمة، فالإنسان مأجور، وإن كان الفقيه مشتبهاً في اجتهاده.. أما في التعامل اليومي، وفي معرفة الطريق إلى الله عز وجل: في الإقدام وفي الإحجام، وفي الإنتقام وفي العفو؛ فإن الإنسان لا يعلم متى يقوم بهذه الأمور؟!.. وأين؟!.. ومع من؟!.. ومتى؟!.. فإنه يحتاج إلى حالة من حالات الإراءة الإلــهية، وقلب المؤمن يتحول بعد فترة إلى أذن للملك.

إن المؤمن بين تجاذبين: الملك في أذن، والشيطان على أذن؛ هذا يلهم له السبيل الصالح، وهذا يسوقه إلى السبيل الطالح.. وقد يصل إلى درجة من الدرجات، حيث أن الشيطان يبتعد عنه بعد المشرقين {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} فيرى السبيل، ومن هنا تقل عنده نسبة الخطأ في التعامل مع الغير.. إن بعض الأخطاء وإن اغتفرتْ فقهياً، إلا أن لها من الآثار ما لا يمكن أن يتدارك في سنوات قليلة؛ لما فيه من الكسر والوهن وما شابه ذلك.

إن من الملاحظ في سورة الحمد، بعد هذا الثناء المركز على رب العالمين، أن الإنسان يطلب منه طلباً واحداً؛ ولكن في هذا الطلب كل الخيرات: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}.