الأسرار الباطنية للفاتحة (2)

جعلت السبع المثاني في مقابل القرآن الكريم.. والسبع المثاني هي سورة الحمد، وسميت كذلك؛ لأنها تُقرأ في الصلاة مرتين، ولها سبع آيات.. وبالنسبة للأسرار الباطنية لهذه الآية {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} يلاحظ أن هنالك دعاءً واحداً مركزاً في سورة الحمد، وهذا الدعاء متمثل في طلب الصراط المستقيم.

وهنالك نكتتان جميلتان بالنسبة إلى كلمة الصراط، وكلمة المستقيم.. يقولون: بأن الصراط مأخوذ من كلمة البلع، صرطه صرطا: أي بلعه بلعا.. وكأن هذا الطريق يبلع السالك الذي يمشي فيه، فلا يخرج منه.. مثل الطعام الذي يدخل الجوف، فالذي يبلعه الإنسان يصبح جزءا من وجوده، لا يخرج منه أبدا.. وكذلك المستقيم كأنه يقوم على ساقٍ، فيتسلط على نفسه.. هذا التعبير يُشعر بأن هذا الصراط المستقيم، هو ذلك الطريق القائم، الذي لو دخل فيه الإنسان، كأنه قام بنفسه، وأصبح ذائبا في هذا الطريق، الذي يوصله إلى الهدف المحدد.

إن هنالك بعض الأبحاث في كلمة {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ} وما الفرق بينها وبين اهدنا إلى الصراط؟.. إن البعض يقول: بأن اهدنا الصراط: هو طلب للإيصال إلى المطلوب؛ أي اللهم!.. أوصلني إلى الهدف.. بخلاف أن تقول: اهدنا إلى الصراط: بمعنى أرنا الطريق.. وإراءة الطريق أمر، والإيصال إلى آخر الطريق والهدف أمر آخر.

والبعض يقول: بأن هذا المعنى، وإن كان معنى جميلا، إلا أن هدف الأنبياء وأسلوب الأنبياء في التربية، ليس إلا مسألة الإراءة، فهم يذكرون الطريق.. وأما الوصول إلى المطلوب، فله أسبابه، ومن أسبابه سعي العبد.. فلو أن الله -عز وجل- أوصل الإنسان إلى المطلوب إيصالا قهريا جبريا؛ لما بقيت هنالك مجاهدة في هذا المجال.. فإذن، إن هنالك حركتين: حركة من الأنبياء، وحركة من الأمة والأتباع.. فالأنبياء يحاولون أن يجسدوا لنا الطريق، ويبصرونا بالسبيل.. وأما الأمة التابعة والسالكة، فبالمجاهدة تصل إلى ذلك الهدف، الذي من أجله بُعث الأنبياء والمرسلون.

إن مسألة الهداية الإلهية والتسديد الإلهي، من المسائل المهمة جدا.. فالله -عز وجل- له أسلوبه الخاص في تثبيت الفؤاد، وآيات التثبيت في القرآن الكريم كثيرة جدا.. ومن أبرز هذه الآيات، وكيف أن الله -عز وجل- يهدي الصراط المستقيم، هذه الآية المعروفة: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}.. وكما هو معروف: أن الحركة تابعة للرؤية، وللمسلك النظري والأيديولوجي.. فإذا رأى الإنسان القبيح قبيحا، ورأى الجميل جميلا، وكذلك رأى الخطر خطرا، فمن الطبيعي أن يتحرك.. ولكن المشكلة في الرؤية، وفي عدم إدراك الواقع.

ولهذا نقول في الدعاء الشريف: (اللهم!.. أرنا الأشياء كما هي)؛ لأن الإنسان إذا أُلهم، وقُذف في قلبه هذا النور، ورأى أن الغيبة ميتة، وأن أكل مال اليتيم أكل للنار، ورأى الطعام الهنيء بحسب الظاهر، والحرام بحسب الواقع كالقيح، وكذلك بالنسبة للنساء والزنا، وما شابه ذلك؛ فإنه من الطبيعي أن يستقيم في سيره.

إن رب العالمين يذكر مسألة الربط على القلب في القرآن الكريم: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} فالله -تعالى- هو الذي ربط على قلبها.. وكذلك الربط الإلهي في حرب أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتثبيت الأقدام في حربهم مع المشركين، من الأمور التي نجدها بكثرة في القرآن.. ومن الآيات البليغة في هذا المجال، التي هي من قواعد السير والسلوك {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ إن اللام للتأكيد، والنون نون التأكيد.. إن السبل متفرقة في صراط واحد: فالإنسان قد يكون على صراط مستقيم؛ ولكن في غير السبيل الذي أراده الله منه.

فمثلا: بإمكان إنسان ما أن يكون عنصرا متميزا في حوزات العلم؛ ولكنه يترك ذلك ويجاهد بماله.. إن الجهاد بالمال صراط مستقيم؛ ولكنه ترك السبيل الذي أراده الله منه.. وبالتالي، كان بإمكانه أن يخدم الدين من طريق أوسع، ومن سبيل أقرب.. فهو ترك السبيل الأقرب إلى سبيل أبعد، وإن كان المجموع في صراط واحد.. ومن هنا يتمنى المؤمن على الله -عز وجل- أن يجعله دائما في ذلك السبيل الدقيق، الذي هو من أقرب السبل إلى الله عز وجل.. هنيئا لمن كُشف له هذا المجال، وسار في السبيل الذي أراده الله عز وجل، تاركا السبيل الأبعد!..

وكما أن الصراط المستقيم حاكم، ومهيمن على كل السبل الأخرى.. فإن الذين دخلوا في هذا الطريق، أيضا لهم حالة من الفوقية على الآخرين {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.. إن هؤلاء اكتسبوا مقام الولاية؛ لأنهم مشوا في الصراط المهيمن.. فبمقدار ما يستقيم العبد في الصراط المستقيم إلى الله -عز وجل- يُعطى مقام الولاية، ويُعطى مقام الاندكاك والفناء.

إن هذا الحديث من الأحاديث المعروفة في هذا المجال: (يا بن آدم، أنا أقول للشيء: كن!.. فيكون، أطعني فيما أمرتك، أجعلك تقول للشيء: كن!.. فيكون).. إن هذا المعنى يحتاج إلى فصل، ولا ينبغي أن نسارع إلى إنكار هذه الدرجة.. فالعبد قد يصل إلى مستوى، لا يريد إلا ما أراد الله عز وجل.. والله -عز وجل- أقدرنا على ما نريد.. ففي زيارة الحسين -عليه السلام- نقرأ هذه العبارة الملفتة: (إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم)؛ إن هؤلاء هم القمة في هذا المجال.. وكذلك المؤمن العادي أيضا يبلغ درجة من الكمال بحسبه، فلا يريد إلا ما أراد الله عز وجل.. فإذا صدر العجيب والغريب والخارق من هكذا عبد، لا ينبغي أن نستغرب ذلك؛ لأن أصحاب الصراط المستقيم المهيمن، هم أيضا لهم هيمنة على باقي العباد والأشياء.