الأسرار الباطنية للفاتحة (3)

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}.. هذه ختام سورة الحمد، وهو ختام مخيف، كما سيتبين..
أولا وقبل أن يبين القرآن الكريم بعض أوصاف الطريق المستقيم، يقول: {أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} وآيات القرآن مليئة بالإشارات، والنكات الجميلة.. إن الذي يريد أن يستقيم في هذا الطريق، يحتاج إلى: المراقبة، والمحاسبة، والالتفات، والجهاد؛ وكل ذلك في محله.. ولكن يحتاج أيضا إلى إنعام، وتسديد من قبل الله عز وجل.

إن من أجلّ النعم نعمة الهداية، ونعمة الاستقامة.. فالله -عز وجل- إذا أراد أن يمنّ على عبد من عباده؛ يشرح صدره لهذا السبيل، ولهذا الطريق المستقيم.. لذا علينا أن ننظر إلى النعم نظرة صحيحة، فليست النعمة منحصرة بنعمة المال والبنون؛ هذه النعم الفانية.. إنما النعمة الكبرى، هي تلك النعمة الباقية أولا، والنعمة التي تحدد مصيرنا إلى الأبد وهي {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}.

إن قوام الوصول إلى الله -عز وجل- والنجاح في السير إليه، وانفتاح أبواب الغيب والشهود والكشف....الخ، إن أساس ذلك مسألة الالتفاتة الإلهية للعبد.. إن الله -عز وجل- ارتضى فعلا من أم مريم -صلوات الله وسلامه عليها- فهذه المرأة الصالحة نذرت ما في بطنها محررا.. فكم أعطى الله -عز وجل- من البركة والخلود والذكر، لا لها فحسب، وإنما لجنينها أيضا!.. إنها قامت بعملية مشكورة، في أن نذرت ما في بطنها وقفا على بيت المقدس؛ ولكن وضعتها أنثى، فخابت آمالها {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى}.. كانت تتمنى أن يكون ذكرا؛ ليكون في خدمة بيت الله عز وجل {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا}.

وعادة كفيلة المرأة امرأة، فالمربية من جنس المربى، وخاصة في المجال الديني.. -نحن نرجح دائما أن يكون المعلم، والأستاذ، والمربي، للنساء من جنس النساء- ولكن الله -عز وجل- استثناءً جعل رجلا ونبيا كزكريا -عليه السلام- وهو ليس بمحرم، كفيلا لمريم {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}.. ولما رأى زكريا (ع) هذه البركات، تمنى في هذه اللحظة الذرية الطيبة.. وإلى يومنا هذا، فإن معظم أهل الأرض يدعون الولاء لهذه السيدة الجليلة، وإلى ابنها المسيح (ع).

فإذن، إن قوام الموضوع هنا، أنه تقبلها وأنبتها.. فكيف يدخل الإنسان دائرة الجذب الإلهي، والقبول الإلهي؟!.. وهنا الفخر كل الفخر!.. لذا على الإنسان أن يتحايل أمام رب العالمين بما يشاء: في عبادة، أو في مجاهدة؛ ليصل إلى مبتغاه.. هذه العبارة جميلة، إن الله -عز وجل- نعوذ من أن يخدع، ولكن يقول المثل: خادعت الكريم فانخدع.. أي تظاهر بالانخداع، فهو لم ينخدع.. وخادعته: أي أن الإنسان يحاول أن يطرق الأبواب المختلفة، إلى أن يفتح له باب من أبواب التوفيق والنجاح.. وإذا فتح الله بابا {وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} و {مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}.. وإذا تبنى رب العالمين عبدا؛ جعله في قنوات مرسومة سلفا، تتناقله الأيدي من يد إلى يد، كالنبي المصطفى -صلى الله عليه وآله- منذ صغره تتناقله أيدي الحنان والرأفة {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

وعليه، فإن المؤمن متبنى، ومسدد، ولا تقف أمامه عوائق؛ إلا ما شاء رب العالمين، إذا رأى أن ذلك لمصلحة يضع أمامه العائق.. هل كان هناك حل بشري، عندما كان العدو وراء موسى، والنيل أمامه؟.. هل أتى على بال أحد، أن يتحول النهر أو البحر إلى طريق يبس، يسلكه موسى -عليه السلام- وجانبي النهر كأنها الجبال، وإذا به يمشي بين الوديان وهو في البحر؟!.. نعم، ليس هنالك طريق مسدود أمام رب العالمين!..

{غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ}.. إن الناس على قسمين: من لم يُنعم الله عليه؛ سقط وهوى: إما سقط وهوى؛ أي سقط من عين الله -عز وجل- فلعنه وغضب عليه، ومفسر هؤلاء باليهود المنكرين للحق.. وإما المغضوب عليه: هو ذلك الإنسان الجاحد، الذي استيقن قلبه وجحد بلسانه؛ فهو إنسان مغضوب عليه.. ومن يقوم لغضب رب العالمين؟!..

علينا أن لا نعمل يوما عملا يستوجب غضب رب العالمين {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.. فالقرآن لم يعقب كيف هوى، وإلى متى يهوي؟.. وكيف يهوي؟.. إن هذا الإنسان في الدنيا يهوي ويهوي؛ ليستقر في قعر جهنم.. نعم، ونحن لا نعلم متى يحل هذا الغضب!.. وعليه، فإياك أن تحقر معصية، فلعلها هي المهلكة!.. وإياك أن تحقر طاعة، فلعلها هي المنجية!.. وإياك أن تحقر عبدا صالحا، فلعله هو الولي الذي يغضب رب العالمين لغضبه!..

{وَلاَ الضَّالِّينَ}؛ مفسر بالنصارى.. الضال: الإنسان التائه، والإنسان المقصر في أن يبحث عن الحق.. قد لا يكون من الذين حلّ عليهم الغضب؛ ولكنه تائه، ولا يعلم إلى أين يسير.. إن بعض الناس يعيش الحياة الدنيا في تيه وتردد وضلالة، وعندما يموت ينكشف له الغطاء؛ فيرى أن السبيل غير ما سلك.. ولهذا فإن من أسماء القيامة، يوم الحسرة.

إن الضلال أمر مخيف جدا؛ لأن الإنسان يمشي ويسير، ويستيقظ يوما على واقع مرير، حيث لا يمكن التدارك.. فالشاب المراهق عندما يتجاوز الشهوة؛ يسجل موقفا أمام ملائكة الرحمان.. أما الشيخ الكبير، والإنسان العجوز؛ الذي أضاع شبابه في الضلال، وفي الانحراف، وفي الجهل.. وبعد كبر السن يجاهد نفسه، ويقبل على الأعمال، حيث أنه لا وهج لها.. فما قيمة مجاهدته؟.. وعندما يصل إلى سن الشيخوخة والهرم والكبر، يرى أنه ضيع هذه الفرص الذهبية.. وقد كان في سوق فيه الكثير من الربح؛ ولكن لم يعلم كيف يتاجر.

نحن -في اليوم: صباحا، ومساء، وليلا- عندما نصلي -ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب- نستحضر هذه الأجواء: جو الذين أنعم الله عليهم، وجو التسديد الإلهي، وجو المنح الإلهية.. ثم نستحضر جو الذين غضب الله عليهم، اليهود وأمثال اليهود.. ونستحضر جو الذين ضلوا عن الطريق؛ فتاهوا وضلوا ضلالا بعيدا.. فنعوذ بالله -عز وجل- من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.