الأسرار الباطنية للركوع

إن من الأسرار الباطنية للصلاة الركوع، الذي جعل ركنا من أركان الصلاة.. إن الحركات البدنية للمصلي، لا بد وأن تكون مقارنة للمعاني القلبية؛ حيث أن هناك حركات نفسية، ينبغي أن تتناسب مع الحركة البدنية.. فالركوع حركة من حركات التذلل، والسجود أيضاً حركة من حركات التذلل.. ولكن السجود حركة عليا، وحركة متقدمة من حركات التذلل بين يدي رب العالمين.. وفي حديث منسوب للإمام الصادق عليه السلام: (في الركوع أدب، وفي السجود قرب.. ومن لا يحسن الأَدب، لا يصلح للقرب).

إن هناك بعض الخصائص المتشابهة، في حركتي الركوع والسجود، ومطلوب من المصلي أن يغفل عما سوى الله عز وجل، وأن يفرغ فؤاده من أي معنى أجنبي.. فالمصلي عندما يكون واقفا -والوقوف حركة من حركات الصلاة- يستحب له أن ينظر إلى موضع السجود، وأن لا يشغل نفسه بالأمور الخارجية.. والإنسان الراكع، من الطبيعي أن يكون نظره إلى الأرض، وبالتالي فإنه لا يرى شيئاً من متاع الدنيا، سوى سجادة صلاته.. وكذلك الإنسان في حال السجود تقريباً لا يكاد يرى شيئاً، فإن أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد.

أولا: وكما هو ملاحظ، أن الحركات الصلاتية: من القيام، والركوع، والسجود؛ فيها انقطاع طبيعي، وفيزيائي عن عناصر الدنيا.. وكأن هذا درس: بأن على المصلي -في قيامه، وفي ركوعه، وفي سجوده- أن لا يشغل قلبه بشيء.. فعندما يكون واقفا ينظر إلى موضع السجود، وعندما يركع تضيق دائرة المرئيات عنده، ويبلغ الأمر مداه عندما يسجد؛ فلا يكاد يرى شيئاً.

وثانيا: إن رأس الإنسان عادة ما يكون رمز: العظمة، والتكبر، والكبرياء، والعلو، وهو في البدن يمثل القيادة.. فيلاحظ أن هذا الرأس في الركوع والسجود، يتطأطأ أمام رب العالمين في المرحلة الأولى ركوعاً، وفي المرحلة الثانية سجوداً.. وكذلك فإن أشرف بقعة في الرأس -وهو الموضع الذي يحاذي المخ، وهو مكان التفكير- ألا وهي الجبهة -وهذه الجبهة المحاذية لأشرف بقعة في الجسم على الإطلاق، وهو المخ المفكر- يلاحظ بأنها تلتصق بأخسّ وأقل عنصر في الوجود، من حيث القيمة والرخص، ألا وهو التراب.

فإذن، إن المصلي عندما يتحرك من حركة إلى حركة، عليه أن يعيش الحالة الروحية الموازية لتلك الحركة في حال الركوع، فالركوع حركة وفعل.. ولكن من الملاحظ مع ذلك في الرسائل العملية: أنه لا بد من الركوع والذكر في حال الطمأنينة، وقد يكون هذا أيضاً درسا نستوحيه: وهو أن الحياة حركة، وذكر.. فلو ذكرت الله -عز وجل- وأنت واقف، لا يعد هذا ركوعاً حتى لو ذكرت ذكر الركوع، فلا بد وأن تنحني، ولا بد وأن تمتثل لأمر المولى، ثم تذكر.

والذكر يبدأ بعد تحقق الركوع، والمصلي في حال الحركة لا يذكر.. إلا إذا استقر منتصباً بين يدي الله -عز وجل- بحيث لو أريق سائل على ظهره لا يميل يميناً ولا شمالاً، بل يكون زاوية قائمة.. وبعد أن يقوم بالحركة اللائقة، يذكر الله عز وجل.. وهو مخير بين ذكرين: فهناك الذكر الطويل، ذو الصيغة الكبرى: (سبحان ربي العظيم وبحمده)؛ أي التسبيحة الكبيرة، أو أن يقول: (سبحان الله) ثلاث مرات حسب ظرفه المعيشي، فما دام المصلي في حركة إلى الله -عز وجل- فليذكر الله كما هو ميسور له.

ويلاحظ أن الصلاة على النبي وآل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تقترن بذكر رب العالمين في الركوع؛ عرفاناً لجميل هذا البيت المبارك، فهذه العائلة الكريمة لها فضل في تثبيت أركان الصلاة.. ففي الأذان ذكرهم، وفي الإقامة، وفي الركوع، وفي السجود، وفي التشهد ذكرهم.. لقد جعل الله -عز وجل- ذكر المصطفى وآل المصطفى قريناً للمصلي، من أول أذانه إلى التشهد الأخير في ركعته الأخيرة.

يقول المصلي في ركوعه: (سبحان ربي العظيم وبحمده).. هنا معانٍ مختلفة، في مسألة الربط بين التسبيح والحمد.. هل المراد هنا (سبحان ربي العظيم وبحمده) الباء بمعنى مع؛ أي مع حمده؟.. أو الباء بمعنى التلبس؛ أي أنا متلبس بحمد ربي -عز وجل- ومسبح؟.. أو أن الباء بمعنى الإستعانة؛ أي أسبح ربي مستعيناً بحمد ربي؟.. فهناك معانٍ مختلفة للباء في هذا المقام، وكذلك في (سبحان ربي الأعلى)، وكذلك (سبح بحمد ربك) في القرآن الكريم.. ومن المعاني: أن الإنسان يثني على رب العالمين، ويحمده بالتنزيه، وينفي صفات النقص عنه.. وكأن هذا -والله العالم- درس لنا جميعاً: إن أردنا أن نتكامل -والتكامل ثناء على النفس، فالإنسان يثني على نفسه بالتكامل، من طرق الثناء.. والتكامل: هو الإلتفات إلى صفات النقص في وجوده- علينا أن ننزهها من صفات النقص.

إن مشكلة الإنسان، لا في دواعي التكامل.. فالمؤمن المتعارف، والمؤمن بالله وبرسوله وبالنبي وبأهل البيت عليهم السلام، إن هذا الإنسان بحركات بسيطة قد يحقق أهداف كبرى.. ولكن مشكلة المشاكل، وأم المشاكل في الموانع.. وإلا فالمسلمون كلهم يدعون ربهم، ولكن أين الدعاء المستجاب؟!.. إن هناك حوائل وحواجز تحول دون الدعاء.

فإذن، إن البحث عن الصفات التنزيهية، هو أن يبحث الإنسان عن صفات النقص في وجوده، وهذا أمر مهم.. حتى عندما يثني الإنسان على الله -عز وجل- يثني عليه، ولكن بتنزيهه عن صفات النقص فيقول: (الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليّ من الذل).. وإذا أراد الإنسان أن ينزه نفسه، أيضاً عليه أن يبحث عن صفات النقص في وجوده، وعن مركبات النقص فيها؛ لينزه نفسه عن هذه المركبات، فيصل إلى درجة التكامل.

إن المكبر راكع، وقبل أن يركع يكبر، ويذكر نفسه دائماً بأن هذه التكبيرة المتخللة للصلاة، كأنها جرس إنذار وتنبيه: أيها المصلي!.. إذا أردت أن تركع تذكر بأن الله أكبر؛ فهو أكبر من أن يوصف!.. فليكن ركوعك بمستوى هكذا رب!.. وعندما ترفع رأسك من الركوع، وقد قصرت في تعظيم الرب، حيث أنك عظمته ببدنك؛ ولكن الجارحة والجوانح الجانحة في مكان آخر.. أيضاً كبّره مستعداً للركوع، وحاول أن تجبر النقص في الركوع، وأن تجبره في السجود.. وكذلك فإن الحركة الركوعية مقدمة لحركة كبرى، ونقلة كبيرة في السجود، كما قلنا بأن الإمام الصادق عليه السلام يأكد بأن (الركوع أدب، والسجود قرب.. ومن لا يحسن الأدب، لا يصلح للقرب).