الأسرار الباطنية للطهور

إن الصلاة عبارة عن تركيبة متكاملة، فيها عناصر عديدة ومتنوعة، ولو رأى الله -عز وجل- مركبا أجمع من الصلاة؛ لكلفنا بذلك المركب.. فالصلاة فيها تحميد وتمجيد من خلال الفاتحة والسورة، ومن خلال مختلف الفقرات.. ففي الصلاة يمجد الإنسان الله ويحمده، وكذلك من خلال الإقامة والأذان.. وفي الصلاة تلاوة لكتاب الله عز وجل، حيث أن هناك سورة إلزامية وهي سورة الحمد، وسورة إختيارية من مجموع القرآن الكريم، طبعا ماعدا سور السجدة.

وكذلك فإن في الصلاة محطة للدعاء، وهو القنوت؛ حيث يمكن للإنسان أن يدعو فيه بكل ما يشاء، والبعض يجيز التكلم بغير العربية في الدعاء في القنوت، ولكن على الخلاف في أن هذا هل يحقق مفهوم القنوت الشرعي؟!.. و في الصلاة ايضا استكانة وخضوع لله عز وجل: استكانة في مستوى الركوع، وخضوع في مستوى السجود بين يدي الله سبحانه وتعالى.. وفي الصلاة ذكر للخالق، حيث أنه أذن لعباده بالحديث معه.. وشكر للنبي -صلى الله عليه وآله- الذي جاء بالرسالة، من خلال الذكر المتكرر للنبي -صلى الله عليه وآله- في: الأذان، والإقامة، والركوع، والسجود، والتشهد، والتسليم.

وعليه فإن هذه المعاجين المختلفة في الصلاة، تجعلها عبادة جامعة.. وهذه الظاهرة كانت موجودة في حياة الأنبياء جميعا، حتى أن الله -عز وجل- عندما أمر موسى (ع) للتوجه للعمل التبليغي، قال له: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}، حيث جعل الصلاة مقدمة لإقامة ذكر الله عز وجل.. وكذلك جعل القرآن الكريم ثمرة التمكين فى الأرض، هي إقامة الصلاة {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ}؛ فأول منهج للحاكم الإسلامي قبل باقي الأمور، إقامة الصلاة طبعا بمعناها الجامع... وبالتالي، فإن مسألة الصلاة ليست مسألة اعتيادية أبداً.

إن الصلاة هي تجل لحالة العبودية من جهة العبد، وتجلي الربوبية من جهة الله سبحانه وتعالى.. فبالصلاة تتحقق العبودية، وتتجلى الربوبية، كما قال الإمام علي (عليه السلام ): (كفاني عزا، أن تكون لي ربا!.. وكفاني فخرا، أن أكون لك عبدا)!..

إن الصلاة تحتاج الى دورة كالدورات التخصصية المتعارفة هذه الايام ، فمن أراد أن يتخصص في الطب والهندسة وما شابه ذلك؛ عليه أن يجتاز دورة مركزة في هذا المجال.. فلماذا لا تقام دورات في بلاد المسلمين، وفي المساجد؛ لتعليم الصلاة الخاشعة، ولتعليم الصلاة المؤثرة في تغيير الكيان البشري.. تلك الصلاة التي عبر عنها بالمعراج، وبقربان كل تقي، وغير ذلك من التعابير؟!..

إن على المؤمن أن يعلم، بأن الارتباط بالله -عز وجل- لا بد له من مراحل متدرجة.. فهذه الأيام عندما يريد الإنسان أن يزور أميرا، أو ملكا -وهي شخصية من شخصيات هذه الدنيا الفانية- فإن اللقاء به لا يكون أمرا فجائيا.. بل هناك أروقة ومكاتب مختلفة، يتدرج من خلالها للقاء بمن يسمى بالأمير في هذه الدنيا.. فكيف بلقاء ملك الملوك؟!.. فمن يأتي إلى مصلاه وهو في أدنى درجات التهيؤ النفسي للصلاة؛ من الطبيعي أن لا يدخل فى جو الصلاة، كما يحب الله سبحانه وتعالى .. فالملاحظ أن الأئمة -عليهم السلام- وعلى رأسهم النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله- تبدأ صلاتهم من الوضوء ، لا من الأذان، ولا من الإقامة، ولا من التكبيرات الإفتتاحية، ولا من تكبيرة الإحرام ، بل تبدأ الصلاة لديهم من الوضوء كاول مرحلة من مراحل الورود على المليك الاعلى.

فانهم عندما كانوا ينظرون إلى الماء، كانوا يبدؤون عملهم بدعاء الوضوء: (الحمد لله الذي جعل الماء طهورا، ولم يجعله نجسا).. إن أدعية الوضوء من الأدعية التى تهيئ الإنسان لجو الصلاة.. فأدعية الوضوء من مصاديق المناجاة المعبرة، ولو قرأها الإنسان أثناء الوضوء بتوجه، لاختلط ماء وضوئه بدموع عينيه.. فعندما يغسل وجهه يقول: (اللهم!.. بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه)، وهو يتوضأ، وإذا به ينتقل إلى عرصات يوم القيامة، حيث الوجوه السوداء التي سودتها نيران غضب الله عز وجل.. ويغسل يديه فيقول: (اللهم!.. أعطني كتابي في يميني، والخلد في الجنان بيساري، وحاسبني حسابا يسيرا).. ثم يغسل يده اليسرى ويقول: (اللهم!.. لا تعطني كتابي بشمالي، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات النيران)؛ فيتذكر أهوال القيامة.. ثم يمسح رأسه ويقول: (اللهم!.. غشٌني برحمتك وعفوك وبركاتك).. ثم يمسح قدميه، فينتقل من مسح القدم إلى موضع الصراط، فيقول: (اللهم!.. لا تزل قدمي يوم تزل فيه الأقدام، واجعل سعي فيما يرضييك عني يا ذا الجلال و الإكرام)!..

إن الإسلام أراد من الإنسان أن يدخل الصلاة من بوابة الوضوء، حيث أن عملية الوضوء تذكير بضرورة القيام بالطهارة الباطنية.. فالصلاة مثلها كمثل الحج: اذ ان الحج كما نعلم عملية رمزية، فكل حركة في الحج ترمز إلى معنى ومفهوم من المفاهيم، وكذلك الصلاة.. وكأن الله -عز وجل- يريد أن يقول: كما أنك تطهر ظاهرك وتغسله بالماء القراح الطاهر وغير المغصوب؛ فإن عليك أن تطهر الباطن أيضا.. إن جوهر الصلاة عملية قلبية وهى الملازمة للعروج والقربانية وغيرها من الاثار المترتبة على الصلاة الصحيحة ، ومع ذلك جعلت طهارة البدن والثياب شرطا في صحة الصلاة.. وحينئذ نقول : ألا تعتبر الطهارة الباطنية -بعد ذلك- من الشروط أيضا.. ألا يدعونا الأمر بالطهارة الظاهرية إلى تطهير القلب قبل لقاء الله عز وجل؟!..

إن الإنسان الذي يتدنس بين الصلاة والصلاة، عليه أن لا ييأس، فكما أنه يزيل الدنس الظاهري بالتطهير والوضوء؛ فإنه يمكنه أيضا أن يزيل الدنس العارض على روحه بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى.. ولهذا يلاحظ من خلال أدعية الوضوء، أن هناك دعوة لطهارة الباطن ، فالذي يتوضأ بهذه النية، ويلتزم بأدعية الوضوء بهذه النية؛ يجمع بين الطهورين: طهارة البدن، وطهارة الباطن.. وكما هو معلوم فان الوضوء واجب تعبدي، فعلى الإنسان أن ينوي في هذا الواجب قصد القربة.

ومن منا يعيش هذا الجو ليتقرب إلى الله عز وجل؟!.. وكما هو معلوم بأن في التقرب: متقربٌ، ومتقربٌ إليه، ووسيلة للتقرب.. فهل يستحضر الإنسان هذه المعاني قبل أن يتوضأ للصلاة؟.. وقد أكد العلماء كثيرا من خلال الروايات، أن الطهور سنة من السنن التى يلتزم بها المؤمن والمسلم.. قال النبي (ص): يقول الله تعالى: (من أحدث ولم يتوضأ؛ فقد جفاني.. ومن أحدث وتوضأ، ولم يصلِّ ركعتين؛ فقد جفاني.. ومن أحدث وتوضأ، وصلى ركعتين، ودعاني؛ ولم أجبه فيما سألني من أمر دينه ودنياه، فقد جفوته.. ولست برب جاف).

إن الإنسان الذي يحدث ثم يتوضأ، ينتقل إلى عالم آخر؛ حيث أنه ومن خلال الدعاء، ينتقل إلى عالم مليء بالسير والعروج إلى الله سبحانه وتعالى.. ولا بأس أن يلتزم الإنسان بين فترة وأخرى بهذا الحديث؛ أي يتوضأ، ويصلي بوقت لا يتعارف فيه الصلاة؛ ليحقق معنى هذا الحديث المبارك.. ومن المعلوم ان الذي يواظب على طهارة البدن وعلى الوضوء؛ فإنه بعد فترة سيعيش حالة من الكدر والمحجوبية عن الحق ، وكأنه مجنب عند كل حدث!..