الأسرار الباطنية للتشهد

إن التشهد أيضا من الحركات الملفتة في الصلاة.. أولاً يلاحظ أن مضامين التشهد متكررة في الصلاة ثلاث مرات؛ إنها تبدأ أول الصلاة ضمن الأذان والإقامة: الشهادة بالوحدانية، والشهادة بنبوة النبي صلى الله عليه وآله.. إن هذه الحركة -أي الشهادتين- تعاد في التشهد في الركعة الثانية، وفي الرباعية أيضا تُكرر من خلال التشهد قبل التسليم.

وعليه، فإن معنى ذلك، أن الشهادتين لهما معنى عظيم.. فالصلاة مبتدئة بالشهادتين، ومنتهية تقريبا بالشهادتين، ومتوسطة بالشهادتين.. إن هذه العبارة، تخرج الإنسان من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإيمان.. فبكلمتين خفيفتين يأتي الكافر ويتشهد الشهادتين، وإذا به يصبح محقون الدم والمال والعرض، شأنه شأن أي مسلم عاش في الإسلام قرنا.

إن الشهادتين مسألة مهمة ومخيفة -إن صح التعبير- فالإنسان يشهد بأن الله واحد لا شريك له، ولا إله غيره.. أوَ تعلم ما معنى هذه الشهادة؟.. وما تبعات هذه الشهادة؟.. إذا تشهد الإنسان الشهادتين في أول إسلامه، أو في صلاته اليومية، ثم خرج من صلاته وأصبح عبدا لهواه، وأصبح عبدا لما لا يرضي الله عز وجل -صحيح أنه لم يشرك، ولكنه عبد هواه- ألا تقول الملائكة له: أين أنت والشهادتين؟.. أما شهدت قبل قليل، وقبل ثوانٍ في أذانك، وفي إقامتك، وفي تشهدك، وقبل تسليمك؟.. ألم تقل: لا إله إلا الله؟.. فلماذا اتخذت إلها سواه؟.. وجعلت هواك معبودا، كما يذكر القرآن الكريم.

إن الشهادة مسؤولية، وليس تشريفا فحسب!.. ولهذا فإن بعض الناس، عندما يُدعى للشهادة في المحكمة، يخاف من إدلاء شهادته؛ لأنه يخاف من تبعات ذلك، ومن انتقام من شهد عليه، ويخاف من تشكيك القاضي في شهادته، ويخاف أن يشهد ثم تنكشف أن الشهادة باطلة.. فعندئذ من شهد عليه، يطالبه باسترجاع كرامته، وإذا بهذا الشاهد يحبس.. فإذن، إن الشهادة فيها تبعة، وفيها مسؤولية، وهي قضية مخيفة.. وعليه، فإن من يتشهد الشهادتين، عليه أن يعلم أنه لا بد وأن يكون على مستوى الشهادة بالوحدانية.

ثم يشهد بأن للنبي (ص) مقامين: المقام الأول مقام العبودية، والثاني مقام الرسالة.. إنه يقدم ذكر مقام العبودية، على ذكر مقام الرسالة.. فالإنسان محروم من الرسالة -ليس هذا فرض، بل هذا واقع- ولكنه ليس محروما من العبودية.. فليتأسى بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في سلوك هذا الطريق، عسى أن يبعثه ربه مقاما محمودا!.. مقام النبي المحمود هي الرسالة، ومقام المؤمن المحمود، هو القرب من الله عز وجل.. فإذن، إن مفتاح الرسالة، ومفتاح نجاح النبي؛ هي عبوديته لله عز وجل.. وما دام الإنسان يشهد بذلك، أيضا عليه أن يكون وفيا لهذه الشهادة.

وأما الدرس الآخر من الشهادتين: فهو وفاء الله عز وجل بوعده.. فالقرآن الكريم يقول: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا} إنه يعده بالمضاعفة، فالله -عز وجل- قد وعد بهذا الأمر، ومن أصدق من الله حديثا!.. وإذا أراد الإنسان أن يعلم وفاء رب العالمين؛ فلينظر إلى الشهادتين.. إذ أن الله -عز وجل- وعد المصطفى وعدا وقال: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، فلينظر كيف رفع ذكر النبي!.. ما من منارة، وما من أذان، وما من إقامة؛ إلا وذكر النبي مقرون بذكره جل جلاله.. لقد وفى بوعده، ورفع ذكره أيما رفعة!.. والمؤمن أيضا إن كان يحب رفعة الذكر والخلود؛ فليتبع هذا المنهج.. وليس هنالك منهج، إلا منهج العبودية لله رب العالمين.