الأسرار الباطنية للتسليم

إن التسليم من الفقرات الصلاتية، التي يعيشها المصلي الخاشع بحالة يرثى لها -إن صح التعبير- لأنه في حال فراق المولى في ذلك اللقاء.. وهنالك فرق بين نشاط تكبيرة الإحرام، والإنسان في أوليات مراحل الصلاة، وبين التشهد.. ولهذا يلاحظ أن بعض الأولياء، عندما يصل إلى التشهد والتسليم؛ يلوك العبارات، ويحاول أن يماطل: يتشهد ويسكت قليلا -طبعاً سكوتاً غير مخل في الصلاة- يصلي على النبي وآله، ويتوقف قليلاً.. ويسلم فقرة فقرة، وهو على وجل وخوف، أنه سيودع الصلاة بعد قليل.

مثل المصلي وهو يسلم كمثل الأم التي تودّع ولدها، عندما يذهب إلى مستقبل مجهول -مثلاً- فإن هذه الأم في اللحظات الأخيرة، تحاول أن تطيل الوقوف مع ولدها؛ حتى تشبع من لحظات الوداع.. وكذلك الحال بالنسبة للمصلي أثناء التشهد والتسليم؛ لأنه يودّع الصلاة، وخاصة في صلاة العشاء.. فالإنسان عندما يصلي العشاء وينتهي؛ سيذهب وينام.. والنوم هو الموت الأصغر، كما هو معروف {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}؛ لذا أمرنا أن نصلي صلاة المودّعين.. فإذن، إن طبيعة التسليم، وطبيعة التشهد؛ تستبطن أذى، وألم المفارقة.. فكيف إذا كان الأمر بعملية واعية وملتفتة؟!..

(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته).. هذه حال غريبة، لأننا نحن في الصلاة مع رب العالمين، ومع ذلك نسلّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. إن المصلي في حديث مع الرب، فإذا التفت إلى عبد ذلك الرب، وإلى رسول ذلك الرب، بأمر من الله عز وجل، فما المانع من ذلك؟.. ولهذا فإن إبليس لم يستوعب هذه الحقيقة، عندما أمره الله بالسجود لآدم.. ولكنه بأمر الله -عز وجل- وعت الملائكة الفكرة فسجدت، وأما ابليس فلم يع هذه الفكرة؛ فلم يسجد.

فإذن، إن الخضوع للنبي وآل النبي، إذا كان بأمر الله -عز وجل- فهو خضوع لله -عز وجل- مادام الأمر صادرا من رب العالمين.. وإن كان ظاهر الأمر هو السجود لآدم، أو السلام على النبي.. بل أن المصلي في سجدتي السهو يقول: (بسم الله، وبالله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته).. هكذا أراد الله عز وجل، أن يربي الإنسان على التعبد، وامتثال الأوامر.

إن الذين يستغربون، ويستنكرون التوجه للنبي وآله؛ هؤلاء على حدود الشرك، وعكس ما يظنون.. لأن هذه حركة: إما عن جهل، وإما عناد.. فالإنسان عندما يؤمر بمودة الآل، والنبي -صلى الله عليه وآله- عندما يأمر بالتمسك بالقرآن والعترة.. فمن هم ليقفوا أمام الأمر الإلــهي، ويفتحوا للنبي وآل النبي صفحة في مقابل الله عز وجل، ويجعلوا كل التفاتة للنبي وآله في قبال الله -عز وجل- فيصفوا صاحبه بالشرك؟.. إن الشرك هو أن لا تمتثل لأوامر الله -عز وجل- فيما يأمر.. فإذن، إن المسلمين جميعاً يسلّمون على النبي في صلواتهم، فهذه الصلاة على النبي جزء من الصلاة، بالرغم من أنه خطاب للنبي؛ لكنه أمر من الله عز وجل.

إن من دروس التسليم: أن المصلي في اللحظات الأخيرة من مفارقة اللقاء مع رب العالمين، يلاحظ أن الحركة حركة اجتماعية، حيث يقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) -والله العالم كأن المراد-: أيها المصلي!.. إن كنت مصلياً حقاً، فإن ثمرة الصلاة، وثمرة العبادة، وثمرة الإقبال على الله عز وجل، هي الإلتفات إلى عباده الصالحين.. هنا في الصلاة سلام، وفي حركة الحياة خدمة وقضاء حاجة.

فإذن، إن الإسلام لا يدعو الإنسان، إلى أن يعيش الحالات الملكوتية الكهنوتية، المتعارفة في أجواء النصارى والقسيسين.. وعليه، فإن أراد الإنسان أن يصلي صلاة حقيقية، فإن ثمرة هذه الصلاة هي الإلتفات إلى العباد وإلى الناس فـ(الدين المعاملة).. والدرس العملي: أن الإلتفات إلى عباد الله عز وجل، ليست منقصة في حركة التكامل والسير إلى الله عز وجل .

وكذلك من دروس التشهد والتسليم (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).. عندما يصلي الإنسان في بلاد الكفر، هب أنه أقام الصلاة في قاعة من قاعات الفسق والمجون لضرورة ما، ولم يجد مكاناً يصلي فيه، إلا في مكان يعصى الله فيه أيما عصيان!.. فلا ينظر إلى هؤلاء الفسقة من حوله، ولا ينظر إلى تلك الدواب التي تمشي على وجه الأرض.. بل يتذكر العباد الصالحين، فيتذكر: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، وآدم.. ويتذكر خاتم النبيين، ويتذكر الذين أطاعوا الله عز وجل طوال التأريخ.. عندئذ يعيش حالة من العزة والإرتباط التاريخي الوثيق، بمن سبقه من الأنبياء والمرسلين، وفي ذلك دفعة أيما دفعة!.. إن المؤمن، وخاصة عندما يكون غريباً وحيداً فريداً، عليه أن يربط نفسه بهذه السلسلة القديمة، التي بدأت بآدم عليه السلام، وتستمر إلى ظهور الإمام صلوات الله وسلامه عليه.

(السلام عليك أيها النبي)، (السلام على عباد الله الصالحين) ما معنى هذه العبارات؟.. - والله العالم - يمكن أن يفسر السلام بتفسيرين:
التفسيرالأول: عندما تقول: السلام عليك يا فلان!.. أي تسلم على إنسان مؤمن، فقد يكون المراد أن هنالك سلام من قبلي عليك.. بمعنى أنت أيها المسلم، كن في أمان واطمئنان، إلى أنه لا يأتيك من عندي؛ إلا ما هو خير وسلام.. فالسلام عليك تعني: نم قرير العين، وعندما تفارقني وتغادرني، لا تظن بي إلا خيراً، فأنت في أمان وفي حرز من جهتي.. إنه معنى جميل!.. ولو كان الإنسان صادقا في مقولته، لبلغ المراتب العليا.

أما المعنى الآخر من السلام: أي من الله عليك.. روي عن الصادق عليه السلام في تفسير السلام، يقول: (معنى السلام في دبر كل صلاة: الأمان؛ أي من أدّى أمر الله، وسنة نبيه؛ خاشعاً منه قلبه.. فله الأمان من بلاء الدنيا، وبراءة من عذاب الآخرة)؛ أي: إن السلام من الله، والأمان من الله عليك أيها المسلم، وأيها المؤمن!.. على كلٍّ لو جعلنا السلام بمعنى السلام مني، أو بمعنى السلام من الله عز وجل؛ فكلاهما مفهومان عميقان، يستتبعان حركة شعورية، ناتجة من حركة باطنية فكرية.