الأسرار الباطنية للتعقيب

إن التعقيب موقف لا يفوّت؛ لأنه أولاً ليس فيه قيود الصلاة: من الوضوء، واستقبال القبلة، وكذلك من خوف اللحن في العبارة -أي الخطأ في التلفظ-.. فالإنسان في الصلاة يريد أن يجمع بين القلب والقالب: فمن ناحية يريد أن يسرح في معاني الصلاة، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يخالف الظاهر؛ أي عليه أن يراعي النطق الصحيح، والطمأنينة، والترتيب، واستقبال القبلة، وكذلك المحافظة على الوضوء.. والبعض يشق عليه ذلك.. أما في التعقيب، فإن الإنسان يكون في حديث مفتوح مع رب العالمين، فيناجيه بما يشاء.

إن الصلاة الواجبة أمر إلزامي، وتارك الصلاة في حد الكفر.. ولكن بعد أن ينتهي المصلي من صلاته؛ فإنه ليس ملزماً بشيء.. فعندما يجلس في المصلى، وخاصة عندما يكون في وضع غير مريح، أو عنده ارتباط -طبعاً هو غير ملزم، ولكن يحب أن يصل إلى ذلك الإرتباط- مثلا: شاب زفت له عروساً في الليل، فصلى صلاة العشاء، وأحب أن يلتقي بها؛ ولكنه آثر أن يعقب في صلاته في حديث مع الرب.. أو إنسان على فراش المرض في المستشفى، وتشق عليه الصلاة، ومع ذلك يريد أن يعقب بعد صلاته.. إن هذه حركة عرفانية لجميل رب العالمين، وهو أن يدعو الإنسان ربه من دون إلزام، فهو قد انتهى من الصلاة المفروضة، وله الحق بأن يغادر المصلى أو المسجد؛ ولكن يبقى مع الداعين والذاكرين.

إن التعقيبات على قسمين: أولاً: هنالك تعقيبات مأثورة، وتعقيبات غير مأثورة؛ أي غير مستندة إلى النبي وآله.. والمؤمن في مقام التعقيب يقدم المأثور على غير المأثور.. والمأثور على قسمين: هناك تعقيب موسع (عام)، وهنالك تعقيب مؤقت (خاص) بكل صلاة.. ويا حبذا الجمع بين التعقيبات العامة، ثم التعقيبات الخاصة!.. فإن لكل وردة رائحتها المتميزة.

وكذلك بالنسبة للتعقيبات، إنه من الجميل أن يجمع الإنسان بين التعقيبات المأثورة العامة والخاصة، ثم يختار حالة المناجاة.. والمناجاة مرتبطة في أذهان الناس بجوف الليل، وبصلاة الليل في قنوت الصلاة؛ بينما المناجاة هي حالة الحديث مع الرب أينما كنت.. فما المانع أن يقرأ المصلي مناجاة التائبين بعد الصلوات الواجبة؟.. ولو وزع المناجيات الخمس عشرة على الشهر الواحد؛ لأمكن للإنسان أن يقرأ أكثر من دورة.. إن هذه المناجاة الرفيعة منسوبة إلى زين العابدين عليه السلام.

يقول أحدهم: أن هناك بعض الأدعية وصور للحديث مع الرب، واردة في ساعات حساسة جداً.. مثلاً: دعاء رفع المصاحف، إن هذا الدعاء يقرأ في السنة مرة واحدة في ليلة القدر، وهو دعاء من الأدعية البليغة.. حيث يضع الإنسان القرآن على رأسه، حجاباً بينه وبين الله.. مثل إنسان يريد أحدهم أن يوقع عليه العقوبة، فيحمل اسم حبيب لذلك الرجل ويضعه على رأسه علامة الأمان.. فإذن، إنه موقف جميل أن يجعل الإنسان الكتاب الإلـهي فوق رأسه، ويلهج بذكر أوليائه واحداً واحداً.. فما المانع أن يستعين الإنسان بتلك الفقرات البليغة، في مناسبات مختلفة أثناء السنة؟.. فليس هذا وقفاً لوقت معين، بل بإمكان الإنسان أن يقوم بذلك، في أي وقت يناسبه ذلك الدعاء.

إن مناجاة التائبين لها طعم متميز، خاصة بعد المعصية.. فالإنسان الذي لم تصدر منه معصية، قد يقرأ المناجاة بداعي التنوع.. وأما إذا ارتكب ذنباً وبعد الذنب مباشرةً قرأ الدعاء الذي يقول: (إلهي!.. ألبستني الخطايا ثوب مذلتي)؛ فإنه يعيش حالة الذلة.. وكذلك إنسان رزق بمولود، أو فتح له باب خير، أو منح سفرة عمرة، أو ما شابه ذلك؛ فيقرأ مناجاة الشاكرين، أيضا تلك المناجاة لها طعم متميز.

والإنسان في التعقيبات يعيش حالة الإعتذار إلى الله عز وجل؛ لأن هذه الصلوات التي يصليها أمرها مشكل؛ أي أنها بعيدة عن القبول لما فيها: من أنواع الغفلة، والسهو، وطيران الفكر يميناً وشمالاً.. فالإنسان يحاول أن يعوّض هذا النقص بشيء من التعقيب، كما أن النوافل تجبر النقص في الفرائض.

ويلاحظ أن التعقيبات عمودها الفقري هو عبارة عن: حمد الله عز وجل وتسبيحه وتنزيهه، ثم الإستغفار، وثم الصلاة على محمد وآل محمد.. إن هذا المعجون الثلاثي يلاحظ في كل حركة دعائيه تقريباً.. فإذا أراد الإنسان أن يدعو الله -عز وجل- بلغته الخاصة وبلهجته الخاصة، من الممكن أن يستعين بهذا الترتيب: الحمد الإلـهي، ثم الصلاة على النبي آله، ثم يبدي ما يريد من الله -عز وجل- من الحوائج الخاصة، ثم يستغفر، ثم يختم بالصلاة على النبي وآله.

ولا مانع من أن يستعين العبد بقدراته، وبإنشائياته، وبجولان ذهنه في أن يتكلم مع رب العالمين وبكل أريحية.. كما هو الحال مع سيدنا موسى عليه السلام.. يقال له: ما تلك بيمينك؟.. فكان بإمكانه أن يجيب إجابة مختصرة، ويقول: هي عصاي.. إلا أنه اغتنم الفرصة، ليتحدث مع الرب، {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}.. فهو أراد أن يطيل حديثه مع الله عز وجل.