الأسرار الباطنية للوقت

إن أسرار الصلاة شأنها أجلّ، من أن تلخص في حديث مختصر كهذا الحديث.. ولكن هذه قواعد عامة، والإنسان - بالتأمل والتدبر - من الممكن أن يكتشف بنفسه أمورا، لم يكتشفها الآخرون.. وبالتالي، لا يمكن أن يكتفى بهذه النقاط المطروحة.

إن للآداب الباطنية لمسألة الوقت عدة نقاط.. فلا شك بأن لله -عز وجل- تجليات في الوقت الخاص، فالزمان والمكان نسبتها لله -عز وجل- في الأصل نسبة واحدة.. ولكن الله عز وجل -لأهداف لا يعلمها الإنسان- جعل لبعض الأماكن والأزمنة، فضلا على غيرها.. فمثلا: إن تفضيل شهر رمضان على غيره من الشهور واضح؛ لأنه شهر نزول القرآن.

ولكن هنالك بعض الأوقات في السنة، لا يُعرف فيها وجه التفضيل بالخصوص، فيتعبد الإنسان بما ورد عن الشارع في هذا المجال: كليلة النصف من رجب؛ فإننا نلاحظ أنه ليست هنالك مناسبة خاصة في تلك الليالي.. ولكن هناك فضيلة خاصة ليوم دحو الأرض -مثلا- وما شابه ذلك من المناسبات، التي لا يعلم أسرارها إلا الله عز وجل.. فهناك عناية خاصة تشريفية لبعض الأوقات.

ان من الملاحظ بان هنالك عناية إلهية من أول الوقت إلى آخره، ولكن كلما ابتعد الإنسان عن أول الوقت؛ كلما ابتعد عن تلك العناية الإلهية.. ولهذا قيل: إن الصلاة في أول الوقت فيها رضوان الله عز وجل، وفي آخر الوقت غفران الله عز وجل.. فإذن، لا بد ان يكون المؤمن حريصا على أن يتمتع، بكل خواص الوقت من أوله.. وعليه، لو أن أحداً -لظرفٍ طارئ- أخّر صلاته، ولو كان بعذر وجيه؛ فان عليه أن يعيش حالة الندامة والحسرة.. فالذي يصلي في منتصف الوقت، أو يصلي في آخر الوقت، وهو لا يعيش حالة من الخجل، أو الندامة، أو الإحساس بالخسران؛ فإن هذا الإنسان لم يفقه حقيقة الصلاة.

ولعل هذه الحالة من الخجل، والوجل بين يدي الله عز وجل -بعض الأوقات- تعوّض شيئا من التقصير.. ولهذا قيل: أن من يستيقظ بعد طلوع الشمس، وهو متألم أشد التألم لفوات الفريضة؛ فإنه من الممكن أن تكون هذه الحالة مقبولة عند الله عز وجل وموجبة للتكفير ..

إن الإنسان المؤمن قبل دخول الوقت، يعيش حالة الشوق إلى الصلاة؛ ولكنه ممنوع منها لعدم دخول الوقت.. فلو أن الإنسان صلى صلاة في قمة الخشوع، وفي جوف الكعبة، ومتطهرا بأسبغ وضوء، ولكنه قبل دخول الوقت؛ فإن هذه الصلاة لن تكون مقبولة عند مولاه .. وعندما يدخل الوقت يرى الإنسان الفرصة المناسبة؛ لكي يعبر عن شوقه، وعن حنينه، وعن تخشعه بين يدي الله عز وجل.. ولهذا فإن حالة المصلي في أول الوقت، كحالة الصائم في شهر رمضان ، فان الصائم الجائع العطشان، ينتظر أول الأذان؛ لكي يصل إلى بغيته من الطعام والشراب ، وكذلك الذي يعيش الجوع الروحي، فكأنه يعيش حالة الصائم، الذي ينتظر دخول هذا الوقت المبارك؛ ليتحدث إلى ربه.. فيقبل على الصلاة في أول الوقت؛ بنهم كنهم الصائم الجائع، الذي ينتظر وقت الإفطار.

كذلك من أسرار الوقت، أن الله -عز وجل- كان بإمكانه، أن يكلف الإنسان بهذه الركيعات دفعة واحدة.. ولكن الله -عز وجل- أبى إلا أن يوزع الصلاة على محطات مختلفة في اليوم: فمحطة الصباح مغايرة تماما لمحطة الظهيرة، والظهيرة محطة مغايرة لمحطة العشاء: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}.. وكأن الله -عز وجل- يريد أن يذكّر الإنسان: بأنه لا بد وأن يوزع ذكر الله -عز وجل- على مجمل نشاطه اليومي.. إذ ليس هنالك وقت مخصوص للذكر.

إن بعض الناس يجعل لنفسه ساعات في حياته للذكر.. فيجعل في عمره محطة واحدة للذكر، ألا وهي الحج.. ويجعل لنفسه شهرا للذكر، ألا وهو شهر رمضان.. وهذا منطق مرفوض؛ فالمؤمن عليه أن يعيش حالة من الصلاة الدائمة بمقتضى {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}.. فهؤلاء لا يكتفون بأوقات الصلاة، بل يملؤون الفراغ بين الصلاة والفريضة بالذكر، والإنابة إلى الله عز وجل.. فإذن، إن على الإنسان أن يجعل لنفسه محطات كبرى للذكر.. ولكن أيضا بين المحطة والأخرى، عليه أن يجعل محطات خفيفة لذكر الله سبحانه وتعالى ليبدو الوقت كله مستغرقا بذكر الله تعالى.

إن من الأسرار الباطنية للوقت: هو أن الإنسان إذا أراد أن يكتشف نفسه، فعليه أن ينظر إلى نفسه عند دخول الوقت: فإذا كان متثاقلا، أو متفاجئا لدخول الوقت -وكأنه يتمنى ان لو أخّر المؤذن من وقت الأذان، ليكمل نشاطاته اليومية- فإن هذه من علامات البعد عن الله عز وجل.. هب أن عزيزاً عليك فارقك أشهرا أو سنوات، فإذا أراد أن يرى حبك له في هذه السنوات، يعلم ذلك عند المواجهة له في المطار، فينظر إلى تقاسيم الوجه.. فإذا رآك منشرحا متلهفا، يعلم بأنك صادق في محبتك له.

إن الإنسان قد يغير من حالته شيئا بعد التلقين، وسماع الموعظة، وقراءة الكتب.. ولكن الانطباع الأولى هو المقياس، فعندما يدخل الوقت ، يعيش الإنسان حالة من الكسل والتثاقل.. وبعد الموعظة، والمجاهدة، والحديث مع النفس؛ يتحول إلى شوق ، و هذا بدوره امر محمود ، ولكنه يكشف عن خلل في النفس، وهو أن الإنسان ليس تلقائيا في حركته إلى الله سبحانه وتعالى.

يلاحظ بأن الله -عز وجل- كأنه يؤكد على بعض المحطات في اليوم أيضا.. فهذه المحطة بين الطلوعين، من المحطات التي يغفل عنها الكثيرون.. وما نراه من الحرمان في الرزق -سواء في عالم المادة أو المعنى- فان من أسبابه ذلك النوم بين الطلوعين.. إنها ساعة تقسيم الأرزاق، وهي ساعة ونصف تقريبا.. ولو أن الإنسان يبرمج حياته، كأن يحذف من سهراته الباطلة اللاغية؛ فبإمكانه أن يبقى مستيقظا في هذا الوقت، الذي لم يكن فيه ولي من أولياء الله نائما في هذه الفترة.. وكذلك فترة ما قبل الأذان، ووقت السحر قبيل الأذان؛ فهذه محطة ثابتة في حياة الأولياء.. وعليه، فإن هذا الوقت ينبغي أن يحرص عليه المؤمن ايما حرص !.

ومن هذه المحطات هي الصلاة الوسطى، التي اختلف في تفسيرها، ولعل أوجه الأقوال أنها صلاة الظهر؛ فهذا الوقت قمة تشاغل الإنسان بحركة الحياة: تدريسا، وكسبا، وتعلما.. وعلى الإنسان أن يقطع برنامجه اليومي دفعة واحدة؛ ليقف ركيعات بين يدي الله -عز وجل- وما أجملها من حركة!.. اي أن يقطع الإنسان القيل، والقال، والتفاعل مع ذرات هذا الوجود: من الطين، والتراب؛ ويتوجه إلى رب الأرباب.. بقي ان نقول ختاما : ان هناك كلمة نقلت عن صحابة النبي (ص) حيث قالوا في مسألة الوقت: (كنا مرة رعاة الإبل، وصرنا اليوم رعاة الشمس).. أي كنا نرعى الإبل، واليوم نرعى السماء، وننظر إلى الشمس متى تزول؛ كي نصلي إلى ربنا!..وهذا هي الروح التى نفثها النبي المصطفى (ص) فى نفوس اصحابه الذين استسلموا لتربيته الربانية .