الأسرار الباطنية للساتر

إن هناك أحكاما فقهية للحركات الصلاتية، وهناك أمور ما وراء الفقه.. وحقيقة الأمر أن الإنسان -وعن طريق التفكر والتأمل- بإمكانه أن يصل إلى بعض الأسرار، التي هي غير مدونة في الكتب؛ فإن لله -عز وجل- مدده الغيبي لعباده المؤمنين.. ومن الأمور التي يجب مراعاتها فقهيا، مسألة التزيين باللباس.. أي أن يكون لقاؤنا مع الله -سبحانه وتعالى- بثوب يناسب هذا اللقاء.

أولاً: مسألة الطيب: هناك تأكيد في روايات النبي (ص) والأئمة -عليهم السلام- على مسألة الطيب.. إنها حركة مادية، لا تكلف الإنسان الكثير، ويعطى عليها الأجر العظيم.. ولهذا فإن الإنسان يوم القيامة، سيتحسر على الفرص التي فاتته بسوء اختياره؛ ولذا سمي يوم القيامة بيوم الحسرات.. إن لهذه المسألة ارتباطا بعالم الأرواح، فهناك ارتباط خفي بين الطيب وراحة النفَس.. ولهذا ورد في بعض الروايات -بما مضمونه-: أن المصلي الذي يشتم من فمه رائحة كريهة، فإن الملائكة تقف بعيدا عنه، عند التقاطها لأعماله.. ولذا كان إصرار النبي -صلى الله عليه وآله- على استعمال السواك، حيث قال: (لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وقال أيضا (ص): (طيبوا أفواهكم بالسواك؛ فإنها طرق القرآن).

ثانياً: الثوب الصلاتي: ينبغي أن يكون ثوبا متميزا، إذ لا يحسن بالإنسان المؤمن، أن يصلي بثوب العمل، أو بثوب البيت.. إن هناك شروطا في الساتر: أن لا يكون من الحرير.. وأن لا يكون مغصوبا.. ولا يكون نجسا.. وعليه، فإنه بإمكاننا أن نستخلص من كل خطوة من هذه الخطوات، العديد من المعاني السامية.

* الحرير: يعتبر من ثياب الترف واللين؛ لهذا فهو من لبس النساء، لا يحرم عليهن لبسه.. ولكن الإنسان المؤمن يستفيد من ذلك، أن الخشونة في العيش من الأمور التي أمرنا بها.. فقد ورد عن النبي (ص) أنه قال: (اخشوشنوا؛ فإن النعم لا تدوم)!.. وعن علي (ع) أنه قال: (ألا وإن الشجرة البرية؛ أصلب عودا!.. والروائع الخضرة؛ أرق جلوداً!.. والنباتات البدوية؛ أقوى وقوداً، وأبطأ خموداً)!.. فعلى الإنسان المؤمن، أن يكون في مستوى تحمل شيء من الخشونة؛ لأن هذه الحياة لا تدوم بهذه الكيفية.. بالإضافة إلى أن بعض العبادات، تحتاج إلى قوة وشدة.. ومن تعود اللين والترف؛ يتقاعس عن وظيفته عند الشدائد.

* الطهارة: إن هناك تأكيدا من الشارع المقدس، على طهارة المظهر عند الصلاة.. أوَ لا نستفيد من ذلك، اهتمام الشارع -على النحو الأهم- بطهارة الباطن.. إذ بوجود بقعة من الدم مساحتها أكبر من درهم، فإن هذه الصلاة لا يتوجه إليها رب الأرباب.. فكيف بالإنسان إذا كان ملطخا بما هو أسوأ من ذلك بباطنه؟!.. فإنه من الطبيعي أن هذا الإنسان مدنس في الباطن؛ ولهذا فإن علماءنا يؤكدون على مسألة الإجزاء والقبول.. وعلينا أن نفرق بينهما: فالإجزاء يتم بهذا الأمر الظاهري، أي بثوب طاهر، وغير مغصوب.. ولكن القبول أمر آخر: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ}.. إن القضايا بين القبول والرد؛ ولذلك فإن إبراهيم -عليه وعلى نبينا وآله أفضل السلام- يقول: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

* مسالة الساتر: هناك تأكيد، على أنه يجب أن يكون ساترا للعورة.. وكذلك فإن باطن الإنسان له عورات، يستقبح إظهارها، وهي حالات: الحقد، والحسد، وغيرها من الحالات التي سترها رب العالمين.. ولكن بني آدم بسوء تصرفه وحركاته، يكشف عن عوراته الباطنية، فشأنه شأن من لا ساتر له.. وهناك فرق بين العورة الظاهرية، والعورة الباطنية: العورة الظاهرية لا تعدم، وإنما تستر!.. أما العورة الباطنية، فبالإمكان أن تعدم، حيث من الممكن أن يصل الإنسان إلى مستوى لا يكون له عورة في الباطن.. ولو كشف عنه الغطاء؛ لما كشف شيء يشين باطنه.. فالدرجة العالية ليس هو ستر العورات الباطنية، ولكن هو محو تلك العورات.. بحيث لو كشف الباطن للآخرين، لا يرون إلا الجميل.

* مسألة الإباحة: إن الثوب يجب أن يكون مباحا، أي غير مغصوب.. والأدب الباطني لهذه النقطة: هو أن الروح الإنسانية تتحول في بعض الحالات إلى روح غير مباحة، أي ممقوتة.. فلو أن هذا الإنسان صلى في جوف الكعبة، وتوضأ بماء زمزم؛ فهو يتوجه إلى الله -عز وجل- بوجود ممقوت، يمقته الله عز وجل.. والقرآن الكريم يصف هؤلاء، بأن مقت الله -عز وجل- لهم أشد من مقتهم لأنفسهم؛ لأن الإنسان لا يعرف حقيقة الجريمة التي ارتكبها.