الأسرار الباطنية للنية

إن من الآداب الباطنية للصلاة هذا الأدب، ولعله يعتبر من أهم آداب الصلاة؛ لأنه لولا هذا العنصر لما بقيت للصلاة قيمة.. ألا وهي مسألة النية، إنها من الأجزاء المظلومة في الصلاة وفي العبادات.. فمثلاً في الغسل والوضوء يشترط فيهما النية، ويشترط قصد القربة.. ولكن من الذي يستحضر هذه النية أثناء الغسل وأثناء الوضوء؟..

وعليه، فإن الإنسان عندما يريد أن يصلي، يستحضر هذه النية بشكل واضح؛ لأن القرآن الكريم يصور لنا الإنسان المنفق، بأنه خائف: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}.. أي عندما ينفق يخاف عدم الرد، ويخاف عدم القبول؛ ولهذا يعيش وجل القلب.. لذا ينبغي للمصلي أن يعيش هذه الحالة عند النية؛ لأن الصلاة كالإنفاق، يريد أن يتوجه ويعرج بها إلى الله -عز وجل- وهو يخشى من الرد وعدم القبول، ومن عدم الإجزاء والمعراجية، ومن عدم القربانية في الصلاة.

ولهذا فإن المؤمن قبل أن يكبر عند النية، يعيش حالة الوجل والإضطراب، وتبدأ عنده عملية الخشوع من هذه المرحلة، ألا وهي النية.. ولهذا يفضل أن يقف المصلي -قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام- هنيهة بتوجه وبتأمل، ويستحضر قصد القربة، بدلاً من الانشغال بالألفاظ، وبذلك يعيش الإنسان جو النية الواقعية.. والتكبيرات الإفتتاحية السبعة فرصة جيدة؛ لأن الإنسان قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام، يكبر تكبيرات افتتاحية.. فهذه أيضا محطة جميلة، لأجل أن يتدرج الإنسان للدخول في بحر الصلاة.. ولكن مع الأسف نحن حصرنا النية بالألفاظ، ففي الحج نتلفظ، وبالصلاة نتلفظ.. فالنية ليست عبارة عن حركة لسانية، وبإجماع الفقهاء قالوا: بأنه لو أن أحدنا نوى باللفظ، وكان قلبه ساهياً غير مستحضر، لا تفصيلاً ولا ارتكازاً؛ فكأنه لم ينو، فالألفاظ كاشفة عن القلب.. فإذا كان القلب خالياً خاوياً، فليس هناك نية في المقام .

ما هي النية؟.. النية هو ذلك العنصر الذي يحرك الإنسان للعمل.. إن الشيء الذي يدفع الإنسان للقيام بالعمل، والمحرك الحقيقي، هو ما يسمى بالنية.. فالشاب الذي يقدم على الزواج أو الخطوبة أو الزفاف، ينوي الإتيان بهذا العمل بداعي الشهوة.. فالشهوة هي التي تدفعه دفعاً حثيثاً، لأجل القيام بهذه العملية.. وحركته نحو الزواج -في الواقع- هي هذه النية الحقيقية، ولا تحتاج إلى تلفظ.. ففي عالم الشهوات، إن جاذبية الشهوة هي التي تدفع الإنسان إلى الأمام.. وفي عالم الطاعة، ما الذي يدفع الإنسان إلى الأمام؟..

في الواقع هو الحب، والعشق الإلهي!.. فالإنسان الذي اختمر فكره بذكر الباري عز وجل، وتفاعل قلبه مع حب الله عز وجل.. إن هذا الإنسان ينتظر وقت الصلاة، فهو يشتاق إلى هذا الوقت.. كالنبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- الذي كانت له أشواق وأشواق قبل دخول وقت الصلاة.. ومن علامات النية الخالصة، أن يكون الإنسان في الخلوة والجلوة على حد سواء.. ولهذا فإن أصحاب صلاة الليل، لا يخاف منهم الرياء في الصلوات النهارية؛ لأنه قد قدم امتحانه أمام الله عز وجل.. وإذا أرادت النفس الأمارة بالسوء، أن تمنعه من الخشوع في الصلوات ومن الجماعات؛ فإنه يقول لنفسه: يا نفس!.. لا تحرميني الإقبال في الملأ، فأنا أقبلت على ربي في الخلوة.. ولهذا فإن من بركات العبادات الخلوتية، أن لا يعتني الإنسان بمن حوله في حالة الجلوة، ولا يعتني أيضاً بهذه الوساوس المشغلة.

ولا بد من التطرق إلى الحديث المعروف، الذي رواه الإمام الصادق عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي من الروايات التي وقع عليها البحث: (نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله)، لماذا قيل: إن النية خير من العمل؟..

أولاً: فسرت النية هنا بالإعتقاد.. إن الإعتقاد والأصول، والبنية الثقافية والفكرية للمؤمن، أهم من أعماله الخارجية.. لأن العمل الخارجي منبعث من البنية الاعتقادية، والباعث يأتي في رتبة أشرف من رتبة المنبعث.. هذه مسألة واضحة، ولهذا لا قياس بين مسلم فاسق، وبين كافر أتى بأعمال المسلمين كاملة بكل فروعها.. لأن هذا الكافر يدخل النار بالرغم من إتيانه بالفروع كلها، وذلك المسلم الفاسق لا يخلد في النار، ولكنه يعذب لفترة ثم يخرج؛ لأن بنيته الإعتقادية سليمة.

ثانيا: أما بالنسبة إلى التفسير الآخر: فقد قيل في (نية المؤمن خير من عمله): عند التفاضل من الطبيعي، أن لا يجعل هذا العنصر في ذلك العنصر.. أي أن نية المؤمن خير من العمل الذي لا نية فيه، فالنية بلا عمل خير من العمل بلا نية.. لا أن النية خير من العمل الذي فيه النية؛ لأن هذا العمل فيه النية وزيادة.. فإذن في مقام المقارنة لا بد من ملاحظة العنصرين عاريين تماماً: هذه نية بلا عمل، وهذا عمل بلا نية.. وفي المقياس الإسلامي، أن الإنسان الذي يهم بخير، ولا يوفق -كأن يذهب إلى الجهاد، ويرى أن المعركة قد انتهت.. أو يذهب لتجهيز الراحلة إلى الحج، ويرى بأن الموانع حالت بينه وبين الحج - الله عز وجل يكرمه بنيته الصالحة، كما لا يوآخذه بنيته الطالحة.

ثالثا: قيل أيضاً: بأن النية من أعمال القلب، والعمل من أفعال الجوارح.. وبما أن القلب أشرف من الجارحة، فما يصدر من القلب أيضا أشرف مما يصدر من الجارحة.

رابعا: وقيل أيضاً: بأن المعنى من هذا الحديث ليس التفاضل، فالحديث ليس ناظراً لهذا المعنى: أن النية خير من العمل.. ولكن المراد: أن النية خير من عمل الإنسان، فإن من الأعمال النوايا.. (خير)؛ أي هي خير من ضمن أعمال الإنسان المؤمن.. كما أن الإنسان يحاول أن يتقن أعماله الخارجية؛ لأنها محسوسة، فليحاول أن يتقن أعماله الجوارحية؛ لأنها أيضاً في حكم المحسوس.. وكما أنه يعاقب أو يعاتب على أعماله الخارجية، كذلك قد يعاتب على نواياه الباطنية.. فإذن، النية من ضمن دائرة الأعمال، التي ينبغي الإهتمام بها.

يقول الإمام الصادق (ع): (صاحب النيّة الصادقة، صاحب القلب السليم).. إنها عبارة جميلة!.. فالنية ليست أمراً لفظياً، بل وليست أمراً بنائياً.. فالإنسان يحاول أن يجعل بناءه على أن هذا العمل لله -عز وجل- وقد يخدع نفسه بهذا البناء، أي بهذه النية الباطنية.. والحال بأنه لم ينو النية الحقيقية، مثلاً: كإنسان يتقدم للزواج بدوافع الغريزة، ويبني على أن هذا العمل لوجه الله عز وجل.. فهو مندفع بدوافع غريزية، ويبني بناء تخيلياً نظرياً على أن العمل لوجه الله عز وجل.

فإذن، إن النية ليست لفظاً ولا بناءً قلبياً، وإنما هو انبعاث حقيقي.. فلو خليت الموانع جميعاً، يبقى الإنسان مندفعاً.. ولهذا فإن أقرب الناس إلى الله -عز وجل- من حيث النية الصادقة، هو ذلك الإنسان الذي لو رفعت منه الدوافع -حتى الجنة- لاستمر مندفعاً في الحركة إلى الله عز وجل.. فالذي دفعه إلى المولى هو حب المولى، هذا هو الدافع.. وبالتالي، لو ذهب البشر، ولو ذهبت المحركات الغريزية، ولو انتفت الجنة بنعيمها، فلا يزال هو متحرك.. لأن الباعث كان باعثاً إلـــهياً.. وعليه، عندما يريد الإنسان أن يقف بين يدي الله عز وجل، عليه أن يستحضر هذه النية بهذه الكيفية.

إن النية قابلة للتطوير، وهو ليس أمراً ساذجاً بسيطاً، قد يقول إنسان: أنا اليوم توفقت في إصلاح النية.. ولكن للنية درجات كبيرة وكبيرة جداً، وهي متناسبة مع درجة الحب لله عز وجل.. وبما أن درجات الحب غير متناهية، كذلك فإن المترتب على هذا الحب -وهي النية- أيضاً درجاتها غير متناهية. طوبى لمن أخلص لله عز وجل في نيته!..