موارد جواز التظلم (148-النساء / ج6)

{لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا * إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا}.. النساء/ 149-148

ما هي الدروس المستفادة من هذه الآيات المباركة؟..
إن كثرة الشكوى، والتكلم بما لا ينفع، ليست من طبيعة الإنسان المؤمن.. فالله -عز وجل- {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}؛ أي عندما يُظلم الإنسان عندئذ يكون له الحق في أن يشتكي.. وهذه الشكوى ينبغي أن تكون في موضعها المناسب: فالإنسان  يشتكي عند القاضي من أجل التظلم، ومن أجل أخذ الحق، أو عند مؤمن يمكنه أن يأخذ حقه.. أما الشكوى المجردة، من أجل هتك الظالم فقط، فليس معلوم أن هذه الشكوى محبوبة عند الله عز وجل.

فإذن، إن الإنسان إذا لم يُظلم من قبل إنسان، فليس له الحق أن يهتك عيوبه.. وعندما تنهى بعض العوام من الناس عن الغيبة، فإنه يبادر بالقول: إن هذا العيب موجود فيه، وأنا لم أكذب ولم أفترِ.. والحال بأن الغيبة: (أن تذكر أخاك بما يكره)؛ أي أن تذكره بعيب فيه.. فإذا كان العيب غير موجود فيه، معنى ذلك أنك مفترٍ عليه.. فإذن، إن كنت صادقا، فأنت مغتاب.. وإن كنت كاذبا، فأنت مفترٍ!..

إن ذكر العيوب الأصل فيه أن يكون ممنوعا، ولكن الشارع المقدس جعل استثناءات: كالمشورة، والمظلوم، والإنسان المتجاهر بعيبه الذي هتك ستر نفسه، وصاحب البدعة في الدين.. هذه المعاني المطروحة في كتب الفقه، هي مستثنيات الغيبة.. فإذا علم الإنسان بأن هذه غيبة، ولكن لا يعلم أنه في القسم المستثنى أم لا: أي لا يعلم أن هذه مشورة أم لا.. ولا يعلم أن هذه غيبة صاحب البدعة أم لا.. أو أنه عيب يتجاهر به الإنسان أم لا.. فإذا سئل يوم القيامة عن ذلك، ماذا سيكون جوابه عند الله عز وجل؟.. فإذن، إن معنى ذلك، هو أن يعيش الإنسان حالة الوسوسة، عندما يريد أن يتكلم على مؤمن.. فالبعض منا يعيش الوسوسة في القراءة، وفي الطهارة، وفي النجاسات، وما شابه ذلك، ولا يعيش الوسوسة القولية.. والحال أن هذه الوسوسة مقدسة، ومثمرة، ويحبها الشارع.. بخلاف الوسوسة في القراءة، والصلاة.

وعليه، فإنه يكفي للمؤمن أن يقول الله عز وجل: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ أي لا يحب هذا العمل، وبعد ذلك لا يحتاج إلى ذكر العقوبات يوم القيامة.. فالمؤمن العارف، والمريد، والمحب للمولى، يكفي أن يعلم بأن الله -عز وجل- لا يحب هذا العمل، وهنا قمة الإيمان.. نعم، فالقرآن الكريم في آيه أخرى ذكر {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا...}!.. فهذه لعامة الناس.. أما الخواص فلا يحتاجون إلى تخويف، وإنما يحتاجون إلى أن يعلموا بأن الله -عز وجل- لا يحب هذا العمل، سواء في قالب الحرام، أو قالب المكروه!.. أو يعلموا بأن هذا الأمر يحبه الله -عز وجل- في قالب الواجب، أو في قالب المستحب..  فإذا تحول الإنسان إلى محب لله -عز وجل- فإنه لا يبحث عن الحيل الشرعية، ولا يبحث عن الرخص.. صحيح أن كل مكروه جائز، ولكنه لا يفرق بين المكروه والحرام؛ لأن كليهما لا يحبهما الله عز وجل.. وعليه، فإن الآية تبدأ ببداية مؤثرة ومعبرة: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ}.. فما دام المولى لا يحب، عليَّ إذاً أن أتوقف.. سواء علمت عقاب ذاك الأمر، أو لم أعلم حجم العقاب في هذا المجال.

{وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا}.. سميع؛ مبالغة من السمع، وعليما؛ مبالغة من العلم.. فالإنسان قد يسمع، ولكن قد لا يعلم الأمر ببواطنه.. إن الله -عز وجل- سميع عليم؛ أي يسمع ما تقول، ويعلم ما في باطنك.. وهناك فرق بين إنسان يسمع ولا يعلم، وبين من يسمع ويعلم.. ولهذا فإن الله -عز وجل- يصف نفسه قائلا: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}.. فالناس يرون حركات العين، ولا يرون خيانة العين.. كأن ينظر إنسان في جهة مستقيمة، وهو ينظر بطرف خفي يمينا وشمالا إلى ما حرّم الله عز وجل.. فالناس يرون ظاهر البصر، هو ينظر أمامه، ولكن  ينظر إلى زاوية خفية.. فالناس يرون ظاهره، ولا يرون ما يخفي صدره.. فإذن، إن الذي يعيش هذه الحقيقة، أي حقيقة أن الله سميع عليم؛ فإنه يتحول إلى إنسان مراقب أشد المراقبة لكل حركة وسكنة في وجوده.. ولهذا فإن هذا الانسان لا يختلف نهاره عن ليله، ولا تختلف معاملته مع زوجته أو مع الآخرين.. {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.. في جوف الليل، وفي خلوة مع زوجة مستضعفة مسكينة، فإن هذا الرجل الذي يعيش هذه الرقابة الإلهية، من الطبيعي أنه لا يمكن أن يتكلم بكلمه واحدة، مما لا يرضي الله سبحانه وتعالى.

وعليه، فإن ملخص ما تقدم هو: أن قوام المراقبة والمحاسبة، هو الالتفات إلى هذه الحقيقة، أي حقيقة السمع وحقيقة العلم الإلهي لأفعال المؤمن.. وإلا فإن روايات المراقبة والمحاسبة والعقاب يوم القيامة، فإنها لا تكفي لإيجاد الدواعي الذاتية في قلب الإنسان المؤمن.. وإنما التفاته إلى هذه الحقيقة، كافٍ لأن يتحول إلى إنسان مراقب لكل ما يقول.. {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.