العلاقة بين المصيبة والالطاف (157-البقرة / ج2)

هذه الآية المعروفة والتي كثيراً ماتترد عند فقدان الأعزة، وهي من الآيات الإستراتيجية في القرآن الكريم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.. فجاءت اللام في كلمة {ولنبلونكم} للتأكيد.. وجاءت نون التوكيد الثقيلة.

فالدرس الأول المستوحى من هذه الآية: بأن الله عز وجل بناؤه مع الخلق، وعلى خصوص المؤمنين منهم، والله يقلبهم بين فتنة وببلاء ومحنة.. لأن الإنسان في هذه الدنيا -كما هو مجرّب- لو عاش من دون فتنة، فسيكون سريع الإسترخاء، والتثاقل إلى الأرض.. فالبلاء في حياة المؤمن بمثابة الشوك على الأرض.. كمَثل الطير إذا جعلت الطعم في فخ بين أشواك نابتة، لعل هذا الطير لا يقع في القفص أو الفخ، لأنه كلما أراد أن يهبط يرى الشوك، ويرى ما يزعجه، فيرتفع ويحلق بالمجالات العليا.. وكذلك المؤمن جُعل له الشيطان طعماً في فخ، وفخ المؤمن إنما هي الدنيا بمتعها وشهواتها، وهذه الأشواك النابتة لا تجعل المؤمن يستلقي على الأرض ويتثاقل، فكلما أراد أن ينسى الله عز وجل، وإذا بصفعة من عالم الغيب: في بدنه، أو في ماله، أو أهله، أو أمنه، أو سلامته.. وإذا به كما يقول القرآن: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.

فالتذكرة إما بفعل البلاء، أو تكون تلقائياً، وهو أن يتذكر بنفسه تدبراً وتأملاً وتفكراً، فيعفى من البلاء.. وإذا لم يلتفت بنفسه ومسّه طائفٌ من الشيطان، فيأتي هنا دورعالم الغيب، شفقة له، فيبتلى ببلية توقظه.. ولهذا ورد في الروايات: (إنّ الله عزّ وجلّ لَيتعاهد المؤمن بالبلاء، كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة...).

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ}.. يوجد هناك عدة أنواع من الإبتلاءات: فهناك خوف، وجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.. فليس من المنطق أن يطلب المؤمن من الله عز وجل، أن يعفيه من كل صور البلاء طوال عمره.. ولعل هذا خلاف السنة الإلـهية، ولكن لك أن تقول: يــارب!.. مادمت تريد أن تبتليني، فلا تجعل مصيبتي في ديني.. فمثلاً في موسم الحج، وكانت هناك نية في أداء فريضة الحج الواجب، ولكن هناك مرضٌ من الأمراض، أحال دون الذهاب، فتفـقد هذه الفرصة النادرة في هذا العام.

إن البلاء الذي لايفقد المرء التوجّه الى الله عز وجل، والبلاء الذي لا يمنع من عبادة الله عز وجل، فهذا ليس ببلاء.. سمع الكثير عن اعترفات بعض السجناء الذين سجنوا في سبيل الله عز وجل، كيف أنهم عاشوا صوراً من الرقي الروحي أثناء ذلك، فهذا ليس ببلاء.. أما الإنسان الذي يبتلى ببعض الأمور التي قد تشغله عن السير الى الله عز وجل، فيجب على المرء أن يسـأل الله العافية في الدين والدنيا وعافية الآخرة.

{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.. فقبل أن يدعو المؤمن لرفع المصيبة والبلاء، فيجب عليه أن يقرر موقف.. قالوا: {إنا لله وإنا إليه راجعون}.. إنا لله: أي يعني يــارب!.. أنا مُلكٌ لك، فاللام هنا للملكية، أي أنت لله عز وجل.. {إنا إليه راجعون}.. أي أن هناك تعويضا، فلماذا المؤمن يضطرب من البلاء الذي نزل عليه؟.. ولماذا يتبرم؟.. فهو ملكٌ له، والمالك له الحق بأن يتصرف فيما يريد.. فمثلاً لو أن أحداً اشترى خروفاً أو ما شابه ذلك، فله الحق في أن يذبحه بيده، بدعوى بأن هذا الخروف ملك للمشتري.. فهو الذي اشتراه من السوق، ولم يكوّنه أو يخلقه!.. أليس لله الحق في أن يطلب من المؤمن، أن يقاتل في سبيله، حتى وإن علم المؤمن بأنه سيذبح بعد قليل.. هذا ما فعله سيدنا ابراهيم عليه السلام، عندما أُمر بذبح سيدنا اسماعيل عليه السلام، لأن سيدنا ابراهيم كان يعلم هذه الحقيقة.. ولهذا من دون استغراب، وبمجرد رؤيا قد رآها، وطَّن نفسه على ذبح ولده وفلذة كبده اسماعيل.. فمادام السياسة التعويضية قائمة على قدم وساق، فلماذا الخوف من البلاء؟.. فالمؤمن في يوم القيامة يتمنى لو لم تستجب له دعوة واحدة، لما يرى من التعويض في ذلك العالم.

{أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}.. يقول البعض بأن البلاء إذا كان بلاء منقطعاً، فالرحمة تكون معه مؤقتة.. لأن هذه الصلوات، وهذه الرحمة، تغمر المؤمن مادام هو بالبلاء.. قد يكون هذا البلاء لمدة ساعة أو ساعتين، أو ليوم أو ليومين، أو لسنة أو سنتين.. فمن كان ببلاء دائم، أي أصحاب المصائب الدائمة، كإنسان مضروب بصحته، أو مصاب بعاهة دائمة، فهذه العاهة الدائمة هو بلاء مستمر.. معنى ذلك بأنه مغمور بالرحمة الإلهية إلى يوم لقائه.. وكذلك قد يكون فقد إنسان عزيز، وهذا العزيز ترك في نفسه أثراً إلى يوم وفاته، وهو مادام يعيش متألماً لفقد العزيز: كزوجة صالحة، أو أخ عزيز، أو ولد بار، أو ماشابه ذلك.. فهذه الرحمة تغمره.. ولهذا نرى أن أصحاب البلاء المستمر، يعيشون في جو من الرحمة الإلــهية المبطنة.. ولطالما رأينا أنواعا من التوفيق، يحصل عليها هؤلاء بعد فترة من البلاء.

ولهذا فإن المؤمن يجب أن لا يتبرم من البلاء، ولكن بشرط أن لا يكون هو سبباً في ذلك البلاء.. فالإنسان الذي يسقط نفسه في المهالك، فهو قد خالف قول الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.. فإذا أهلك نفسه فلله عز وجل أن لا يؤجره على ذلك، إلا لا تكرماً ولطفاً وفضلاً.

{وأولئك هم المهتدون}.. إن بعض أنواع البلاء، تنتج الهداية الباطنية.. وقد رأينا هذا الإعتراف من بعض العلماء، فيقول البعض منهم: (ابتليت ببلية في بدني، خرجت من البلاء، وقد انفتحت لدي الآفاق الفكرية والمعنوية.. فزيد في علمي وزيد في معرفتي، لأجل البلاء البدني الذي وقعت فيه).. أي حصلت على بعض الفتوحات الإلــهية، وبعض الأمور التي لا يدركها عامة الخلق.. {وأولئك هم المهتدون} لأن الهداية بيده، ويختص برحمته من يشاء من عباده.