شرح دعاء كميل (الحلقة الثامنة) التذلل والخشوع

س1/ ورد في دعاء كميل: (وَأَنا عَبْدُكَ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ الحَقِيرُ المِسْكِينُ المُسْتَكِينُ).. هل هذه المفردات خاصة بعلاقة العبد مع ربه.. يا حبذا لو تحدثونا عن كرامة المؤمن عند الله؟..
قطعاً، بأن هذه التعابير من الذلة والضعف والمسكنة وغير ذلك، خاصة بين العبد و ربه.. وأما العلاقة بين المؤمن وأخيه، فهي مبنية على الاحترام، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، وجاء في حديث -ما مضمونه- بأن الله تعالى فوّض أمور المؤمن إلى نفسه، ولكن لم يفوض إليه أن يذل نفسه. وما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله!..
إن كرامة المؤمن مسألة مهمة جداً؛ لأنه منتسب إلى الله، ويمثل المجتمع الإيماني.. وقد ورد في الروايات أن (المؤمن أعظم حرمة من الكعبة)، والسبب في ذلك واضح: لأن الكعبة مظهر توحيدي صامت، بينما المؤمن المظهر الناطق، الذي يتجلى فيه النور الإلهي، كما في الحديث القدسي: (ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلبُ عبدي المؤمن).
ومن الآيات البليغة التي تؤكد هذه الكرامة، قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}.. إذ من المعلوم أن الخلود في نار جهنم للمشرك، فرب العالمين يغفر الذنوب جميعا إلا أن يشرك به، وقتل المؤمن لا يعد شركاً، فلماذا خص بالخلود في النار؟!.. يقول العلماء: إذا قتل مؤمناً بوصفه الإيماني لا بوصفه الذاتي، فقد دخل في دائرة الشرك.. وبالتالي، استحق الخلود في نار جهنم، إلا إذا رب العالمين وهب له شيئاً من رحمته؛ لينجيه من الخلود في نار جهنم.
إن الملاحظ -مع الأسف- عند البعض هو حالة الفلتان في جانب التقييم القولي، والحديث عن الآخرين، كأن الأصل فيه الحلية!.. والحال بأنه نعلم -كما في سورة الحجرات- أن ذكر العيب الموجود في المؤمن من مصاديق الغيبة، وإذا كان قوله مبطلاً، فهو بهتان أعظم من الغيبة.. وعليه، لابد وأن نكون في منتهى درجات الدقة في تقييم الطرف المقابل، وخاصة إذا كان مؤمن له خصوصيات زيادة عن الإيمان، كالعلم والعمل الصالح.

س2/ نلاحظ في دعاء كميل توصيف لحالة الذلة والضعف عند الإنسان.. فما هي مصاديق هذه الذلة؟..
نعم، من الملاحظ في دعاء كميل أن الإنسان يذكر ربه -وهو الخالق الخبير- بضعف بدنه ورقة جلده ودقة عظمه.. إذ أن الله سبحانه وتعالى جعل فيه عناصر الضعف، في رواية جميلة تقول: لو لا ثلاثة في ابن آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض، والموت، والفقر.. وكلهن فيه، وإنه معهن لوثاب!.. متنقل كأنه لا يتأدب بموجبات هذه الذلة.
ومن موجبات الذلة عند الإنسان:
* التركيبة الضعيفة للبدن البشري: من الممكن أن تأتي جرثومة مجهرية، لا ترى بالعين المجردة، وإذا بها تودي به قتيلا!.. قال الإمام علي(ع): (مسكين ابن آدم؛ مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل.. تؤلمه البقة، تقتله الشرقة، وتنتنه العرقة.. ما لابن آدم والفخر!.. أوله نطفة، وآخره جيفة.. لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه).
* الضعف في الإرادة: فهو يرى حالة الضعف في نفسه، بحيث لا يستطيع مقاومة الأهواء والشهوات.. ولهذا إن المؤمن لا يضع نفسه في الأجواء التي من الممكن أن تسلبه الإرادة، وتوقعه في المحذور.
* الابتلاء بالشياطين والأبالسة: نحن -مع الأسف- ولأن الشيطان لا يرى، غفلنا عن كونه العدو اللدود المترصد لنا في كل حين، فهو يمتلك الخبرة العريقة، ويعلم بكل مواطن الضعف عند الإنسان، ومن أين يؤكل، من باب الشهوة أو الغضب أو غلبة الوهم.. وبالتالي، فإنه يستغل الفرص لإيقاعه في شباكه.. ولا يخفى بأنه أمهر الصيادين في الوجود.
ملخص القول: أن هنالك عناصر: في البدن، والإرادة، وفي الأعداء؛ تجعل الإنسان يعيش حالة الضعف والذلة.. إلا بالمدد الإلهي، الذي يأتي من خلال الدعاء مثلاً.

س3/ هنالك علاقة عكسية للمؤمن، حيث شدة التذلل بين يدي الله والعزة عند الخلق، هل ترون أن هذه العلاقة صحيحة؟..
بلا شك.. أن هذه الحالة من التواضع والتذلل بين يدي الله تعالى، من موجبات الاصطفاء والعناية الإلهية.. والعبد إذا ما دخل هذه الدائرة، أعطي بعض الامتيازات التي منها المحبة في قلوب الآخرين.. ولا غرابة في هذا، فرب العالمين شكور، يعطي على القليل اليسير ما لا يتصور.. وهذا هو الملحوظ في إبراهيم (ع)، فالله تعالى خلد ذكره، وأعطاه من المقامات العالية؛ جراء تضحيته وإقدامه على ذبح ابنه، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.. وكذلك أم مريم لما نذرت ما في بطنها محررا، تقبل الله تعالى منها ذلك القربان وبارك فيه، قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}..
وعليه، فإن هذه الحالة التذللية من العبد، إذا لقيت قبولاً من الله سبحانه؛ اجتباه واصطفاه وصار من شؤونه تعالى.. عندها ليس فقط سيحظى على المعزة في قلوب الناس، بل إن الله تعالى سيفعل له وفيه وبه الأعاجيب.
ومن هنا نقول: للذي يشتكي من مشكلة مع الآخرين زوج، أو زوجة.. لم لا تلتجئ إلى الله تعالى؟!.. فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، جاء في حديث لعلي(ع): ( عرفت الله بنقض العزائم ، وفسخ الهمم).

س4/ ما هي الحركات الحسية التي تعمق حالة التذلل عند الإنسان بين يدي الباري جل وعلا؟..
هنالك بعض الممارسات تعمق حالة التذلل، منها:
* السجود بين يدي الله عز وجل: ولا نعني بذلك سجود الأعضاء السبعة على الأرض، بل المقصود هو حالة الانقطاع إلى الله تعالى.. إذ من المعلوم أن المؤمن في حال السجود يكون في أصغر حجم له، أضف إلى أن الهيئة هيئة تذللية، حيث يضع أشرف منطقة وهي (القلب والمخ) على أرخص شيء في الوجود وهو التراب.. وبلا شك أن هذه الحركات لو قام بها الإنسان بشكل متواصل وبتوجه، سيتحول الأمر إلى سياحة من أفضل سياحات الوجود التي تدرك ولا توصف.
* التوجه إلى الله تعالى في ساعة الشدة: حيث يكون المؤمن في حالة انكسار وضعف قهري، يؤهله إلى التوجه والانقطاع إلى العلي الأعلى.. وهذا بدوره يرسخ حالة التذلل والخشوع في قلب المؤمن.

س5/ ما تعليقكم على مسألة استحباب الدعاء بصيغة الجمع؟..
بلا شك أن هذه الحركة البسيطة، التي لا تكلف الإنسان إلا إضافة حرف واحد بدل أن يقول: (أعطني) يقول: (أعطنا)، تفتح عليه آفاقاً من أبواب العطاء والرحمة الإلهية؛ لأنه أشرك إخوانه المؤمنين معه في الدعاء.

س6/ هل للبكاء أو التباكي دور في عملية التذلل والخشوع؟..
بلا شك.. فالبكاء لو كان مجرد إخراج قطرات ملحية من العين، لا قيمة له أبداً.. وإنما هو حصيلة للتفاعلات الباطنية في الفؤاد من التذلل والانكسار. والتباكي هو التشبه بأولئك الباكين، الذين يعيشون تلك الحالة الباطنية.
وفي رواية لعلي (ع) يصف فيها المتقين، فيقول: (أمّا اللّيل: فصافّون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلاً.. وأمّا النهار: فحلماء، علماء، أبرار، أتقياء..).. وهنا إشارة مهمة بأن هذه الحركات الليلية، هي من أجل خدمة الأمة، والتأثير في القلوب المتعطشة إلى الهدى والتقوى.. لا لأجل الحور والقصور!..