شرح دعاء كميل :(الحلقة التاسعة) الستر والاعتراف

س1/ ورد في الروايات: (اللهم!.. ولا تفضحني على رؤوس الأشهاد)، وفي دعاء كميل: (وَلا تَفْضَحَنِي بِخَفِيِّ ما اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنْ سِرِّي).. والإمام أمير المؤمنين(ع) يقول -ما مضمونه-: (زوال العقل بين الشهوة والغضب)، هل تعتقدون أن هذا المعجون من الشهوة والغضب، من موجبات الزلل عند الإنسان، وبالتالي الفضيحة على رؤوس الأشهاد؟..
* نحن عندما نقول: الفضيحة على رؤوس الأشهاد، نعني بذلك رؤوس الخلق يوم القيامة بمن فيهم من الأنبياء والأوصياء.. ولو كان من بين هؤلاء فقط النبي الخاتم لكفى!.. فلا شك في أن الله تعالى يحتج على العباد بالحجة البالغة، كيف أنه أرسل إليهم النبي المصطفى (ص)، الذي هو رحمة للعالمين، ومتمماً لمكارم الأخلاق.. ومع ذلك هم ضلوا وانحرفوا عن السليقة، التي ارتضاها لهم الله ورسوله.
وفي هذا تأكيد مضاعف على الذين يمثلون الإسلام في بلاد الغرب، أو في الأمة، ثم يسيئون إلى الشريعة.. إذ لا يخفى بأن الله تعالى يستر الهفوات التي تحدث في جوف الليل، ولكنه قد لا يسامح الإساءة التي تحدث في وضح النهار.. وبالتالي، يكونون عرضة للغضب الإلهي.. وقد قال الإمام الصادق (ع): (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم)، و(كونوا زينا لنا، ولا تكونوا شيناً علينا).
* إن الإنسان موجود له تركيبة باطنية مؤثرة على سلوكه في الحياة، لذا من الضروري جداً معرفة هذه التركيبة ليكون الإنسان مأموناً من الوقوع في الزلل.. ومن المعلوم أن رب العالمين شكل آدم من قطعة من الأرض من صلصال من حمأ مسنون، وبعد أن نفخ فيه من روحه -تلك اللطيفة الربانية- أمر الملائكة بالسجود له.. وهنا إشارة أن تعظيم البشر إذا كان بأمر الله ورضاه، فهو لله ولا إشكال فيه أبداً.
ومن هنا أشارت الملائكة إلى هذه التركيبة في وجود آدم، عندما قالت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}.. أي أن في الإنسان قوتين: قوة متمثلة في جانب الشهوات، والشاهد على ذلك قولها: {مَن يُفْسِدُ فِيهَا}.. وأخرى غضبية، والشاهد قولها: {وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}.
ولا يخفى بأن هذين العنصرين هما السبب الرئيس في هلاك بني البشر.. وعليه، فإنه لو أمكن السيطرة على عناصر هذه التركيبة، فمن المرجو أن لا نصل إلى هذه النهاية المفجعة، وهي الفضيحة بين رؤوس الأشهاد.

س2/ نلاحظ في أدعية النبي المصطفى (ص) وآله، المبالغة في حالة إظهار التذلل بين يدي الله، فكيف تفهمون هذه الظاهرة؟..
من الطبيعي أنهم (ع) عندما ينظرون إلى العظمة الإلهية، وإلى جلال الله وجبروته.. أن تأتيهم هذه التعابير، التي تمثل الغاية البشرية في إظهار التذلل بين يدي الله عز وجل.. ولنعلم بأن المضامين الدعائية ليست مضامين مطابقية، مثلاً: عندما يقول الإمام: (ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي)!.. قطعاً أن هذه العبارة لا تمثل شخص المعصوم، الذي كلما طال عمره زاد توفيقاً في دعوة الناس إلى الله، أو أنه في الميقات يبكي ويخشى، ويخاف أن يأتي النداء، فيقول: (لا لبيك ولا سعديك)!.. وعليه، فإنه لا ينبغي أن نقف على المدلول المطابق لهذه الكلمات، إذ أن المراد منها المعاني الالتزامية، مثل الذي يأتيه ضيف عزيز، نلاحظ أنه يبالغ في إكرامه، ويخشى التقصير.
ومن المعلوم أن هذه الحالة من إظهار التذلل والخشية، هي من سمة الأنبياء والمرسلين، حيث كانوا يعيشون حالة الخوف من عدم القبول.. فهذا إبراهيم (ع) في بنائه للكعبة، يعيش حالة الوجل، فيقول: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وفي آية أخرى أوضح: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}.

س3/ دفعاً للشبهة عند البعض، هل أن الإمام علي (ع) عندما يتحدث في دعاء كميل، يتحدث بلسانه، أم بلسان الأمة في ظل التوجيه والتربية؟..
يمكن توضيح ذلك ببيان أن الإمام (ع) كان في مقام:
* إيصال فكرة للناس، وهي: إثبات حالة التذلل والخشوع بين يدي الله عز وجل.
* كتابة دعاء يدعى به في كل ليلة جمعة وفي غيره.. فما المانع أن يتكلم وكأنه لسان الأمة، ومن الطبيعي أن هذه الأمة فيها من فيها.. فإذن، هو لا يتكلم عن خصوصياته الفردية، وإلا فإن بعض هذه العبارات -كما نعلم- لا تنسجم مع شخص المعصوم.
* الإحساس بالتقصير الذاتي مع رب العالمين: للتوضيح: نورد هذه الحديث عن الرسول (ص): (إن لي مع الله حالات لا يحتملها ملك مقرب ولا نبي مرسل)، أي أن النبي أو المعصوم يعيش حالة تألقية جداً.. ومن الطبيعي أن يعيش حالات دون هذا المستوى، في حال الجهاد، أو الحديث مع الكفار.. فهذا التنزل من الأعلى إلى العالي، في نظر المعصوم ذنب يستحق المبالغة في التذلل والاستغفار.

س4/ في الديانة المسيحية هناك شيء متعارف، وهو الجلوس على كرسي الاعتراف، حتى يغفر الله للمعترف ذنوبه التي ارتكبها خلال عام مثلاً.. هل من المناسب عندنا -كمسلمين- أن يكشف الإنسان ستره أمام غيره؟..
لابد أن تكون كل حركة يقوم بها الإنسان موجهة ومدللة، وعارفاً بفلسفة تلك الحركة والحكمة من فعلها؛ وإلا لأصبحت ضرب من ضروب اللغوية في الحياة.. فما الفائدة المرجوة للإنسان الذي يعترف أمام (القس)، أو رجل الدين!.. فإذا كان الغرض عبارة عن استنزال الرحمة الإلهية، والظهور بمظهر النادم، فليكن ذلك بين يدي الله عز وجل.. فإن الله ستار يحب الستر، والمؤمن منهي أن يفضح نفسه أو يسقطها أمام الغير، حتى لو كان عالماً أو رجل دين.. نعم، من الممكن أن يطرح ذلك من دون أن يكشف ستره، باللجوء إلى الأساليب الحديثة التي لا تريق ماء وجهه، وأن يكون بهدف تلقي النصح والإرشاد.
ومن المعلوم أن الذي يتورط في عالم الغيبة، لا يجوز له مصارحة من اغتابه للتحلل منه، إذا كان ذلك من موجبات التوهين وإثارة العداوة؛ بل عليه أن يكتفي بالدعاء والاستغفار له في ظهر الغيب.. فإذا كان الإنسان منهيا عن الاعتراف بالغيبة أمام الشخص الذي اغتابه، فكيف بالاعتراف أمام القس أو إمام المسجد أو ما شابه!..

س5/ كيف يمكن مواجهة أهل المعصية الذين لا يبالون بارتكاب المحرمات أمام الناس؟..
لا يخفى بأن من موجبات الشفقة والرفق بالإنسان -الذي لا يلتفت إلى نفسه وفعله وسلوكه، ويكشف ستره أمام الخلق- أن نأخذ بيده، ونبادر إلى إصلاحه.. فلو أن كل إنسان قام بواجبه، وحاول سد الثغرات الاجتماعية، وأثر في تغيير السلوكيات الخاطئة فيمن هم حوله؛ سوف لن نجد ثغرة في المجتمع، وسنحقق المدينة الفاضلة التي يحلم بها أفلاطون وغيره.. ولا شك بأن السبيل الأوحد لاستنقاذ من وقعوا في أوحال الرذيلة، هو الدخول إلى قلوبهم وامتلاك ثقتهم، إذ أن عملية الوعظ والتخويف -في بعض الأوقات- قد لا تكون مجدية.

س6/ ما الفرق بين الطهارة الكسبية والطهارة الفطرية؟..
الطهارة الفطرية: صاحبها له صفاء أو نقاء باطني بالفطرة، بحيث لا يميل إلى المحرمات أيًّ كانت.
الطهارة الكسبية: صاحبها يعيش النزاع الداخلي في ارتكاب المنكرات؛ نظراً لأسباب بيئية، أو وراثية.
ولا يخفى بأن الثاني الذي تنازعه نفسه إلى الحرام ويقاوم، هو عند الله أبلغ ممن أعطي النقاء الباطني، قياساً على الذي يحفظ القرآن بتعب وبصعوبة والذي يحفظه بيسر.. فهنيئاً لمن اكتسب الطهارة الباطنية عن طريق المجاهدة مع نفسه.

س7/ كيف يمكن أن يعمق الإنسان الإحساس بالرقابة الإلهية وخاصة في الخلوات؟..
إذا أمكنه أن يذكر نفسه بأول سورة المجادلة: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.