شرح دعاء كميل (الحلقة العاشرة) التوبة والاستغفار

س1/ انطلاقاً من هذه العبارة: (وَأَشارَتْ بِاِسْتِغْفارِكَ مُذْعِنَةً).. ما هي كيفية الاستغفار المؤثر في الغفران المرجو من الله عز وجل؟..
هنالك مفهوم خاطئ للاستغفار شائع بين الناس، وهو الاكتفاء بالحركات اللفظية على اللسان غير المؤثرة في السلوك.. وقطعاً هذا إنسان مستهزئ بنفسه، يتمتم بلسانه قائلا: (أستغفر الله ربي وأتوب إليه) -لعله ألف مرة- ونفسه تنازعه أو ينوي -بعد قليل- الهم بالمعصية!.. والحال بأن الاستغفار هو حالة باطنية من الإحساس العميق بالندم، والعزم على عدم العود للمعصية.. ومن المعلوم أيضاً أن الذي يصل إلى هذه الحقيقة: وهي الرؤية الملكوتية للحرام، حيث يرى أن الغيبة عبارة عن أكل لحم الميت، وأكل مال اليتيم يساوق أكل النار، وأخذ الربا من مظاهر المس الشيطاني.. فقد وصل إلى عمق التوبة الصادقة المقبولة.. وللتوضيح هذا المفهوم أكثر، نورد هذه الرواية للإمام علي (ع):
قلت: يا أمير المؤمنين!.. العبد يصيب الذنب، فيستغفر الله منه.. فما حد الاستغفار؟.. قال: يا بن زياد، التوبة.. قلت: بس!.. قال: لا، قلت: فكيف؟.. قال: إن العبد إذا أصاب ذنبا يقول: أستغفر الله بالتحريك.. قلت: وما التحريك؟.. قال: الشفتان واللسان، يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة.. قلت: وما الحقيقة؟.. قال: تصديق في القلب، وإضمار أن لا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه.. قال كميل: فإذا فعلت ذلك، فأنا من المستغفرين!.. قال: لا، قال كميل: فكيف ذاك؟.. قال: لأنك لم تبلغ إلى الأصل بعد!.. قال كميل: فأصل الاستغفار ما هو؟.. قال: الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه، وهي أول درجة العابدين، وترك الذنب.. والاستغفار اسم واقع لمعان ست: أولها: الندم على ما مضى.. والثاني: العزم على ترك العود أبدا.. والثالث: أن تؤدي حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم.. والرابع: أن تؤدي حق الله في كل فرض.. والخامس: أن تذيب اللحم الذي نبت على السحت والحرام، حتى يرجع الجلد إلى عظمه، ثم تنشئ فيما بينهما لحما جديدا.. والسادس: أن تذيق البدن ألم الطاعات، كما أذقته لذات المعاصي.

س2/ نلاحظ أن البعض حينما يشرع في قراءة هذه العبارة: (أَتُسَلِّطُ النّارَ عَلى وُجُوهٍ خَرَّتْ لِعَظَمَتِكَ ساجِدَةً)، يبادر بالسجود.. فما تعليقكم على ذلك، هل هو واجب شرعاً أم هو مستحب، وما الغاية من ذلك؟..
على كل ًّ الدعاء كله مستحب، وقد رؤي علي (ع) وهو يقرأ دعاء كميل بتمامه وهو في حال السجود، ولم يرد في النصوص ما يشير إلى استحبابية السجود عند هذه الفقرة.. ولكن لا بأس بذلك!.. من باب العمل بالمطلقات والعمومات، برجاء المطلوبية كحالة تذللية، من دون أن نقول: بأن هذه الحركة مستحبة في هذا المكان، ولمناسبة المقام (خَرَّتْ لِعَظَمَتِكَ ساجِدَةً)، ولا سيما بأن العبد أقرب ما يكون إلى ربه وهو ساجد.
ولكن ينبغي ألا ننسى أن هنالك عناصر أخرى أيضاً مكملة لبعضها البعض -(وَعَلى أَلْسُنٍ نَطَقَتْ بِتَوْحِيدِكَ صادِقَةً وَبُشُكْرِكَ مادِحَةً، وَعَلى قُلُوبٍ اَعْتَرَفَتْ بِإِلهِيَّتِكَ مُحَقِّقَةً، وَعَلَى ضَمائِرَ حَوَتْ مِنَ العِلْمِ بِكَ حَتّى صارَتْ خاشِعَةً، وَعَلى جَوارِحَ سَعَتْ إِلى أَوْطانِ تَعَبُّدِكَ طائِعَةً...)- وإلا فإن مجرد هذه الحركة المادية البسيطة -السجود- في ليلة الجمعة، لا تكفي لتحقيق حالة القرب الأكيد من المولى.

س3/ هنالك عبارة مؤملة في دعاء كميل، وهي: (هَيْهاتَ!.. أَنْتَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ تُضَيِّعَ مَنْ رَبَّيْتَهُ، أَوْ تُبْعِدَ مَنْ أَدْنَيْتَهُ ، أَوْ تُشَرِّدَ مَنْ آوَيْتَهُ، أَوْ تُسَلِّمَ إِلى البَلاِء مَنْ كَفَيْتَهُ وَرَحِمْتَهُ).. كيف يمكن أن نشخص هذه العبارات التي تبعث الأمل عند الإنسان؟..
أعتقد بأن هذه العبارة صادقة بشكل واضح وأكيد لفئة من الناس، الذين لهم سابقة متميزة مع رب العالمين.. ولهذا أنا أدعو كل من تجاوز مرحلة المراهقة بسلام -كما في بعض الروايات: (شاب نشأ في طاعة الله)- إذا وقع بعد فترة في بعض موجبات الزلل، فبإمكانه أن يستثمر هذه الفترة من النقاوة والأنس بالله تعالى، فيقول هذه العبارة وهو مرتاح: (أن يا ربي بدأت حياتي بطاعتك)!..
ومن المناسب أن نذكر هذه الرواية المؤملة عن الرسول الأكرم (ص):
قال رجل: يا رسول الله!.. إني أذنب قما أقول إذا تبت؟.. قال (ص): استغفر الله، فقال الرجل: إني أتوب ثم أعود؟!.. قال (ص): كلما أذنبت استغفر الله.
فقال الرجل: إذن تكثر ذنوبي!.. فقال (ص): عفو الله أكثر، فلا تزال تتوب حتى يكون الشيطان هو المدحور.

س4/هنالك عبارة عند الأخلاقيين تقول: (إن حسنات الأبرار سيئات المقربين)، فما المقصود بذلك؟..
بمعنى أن الإنسان في كل مرحلة من المراحل، يطالب بدرجة من درجات الطاعة، فإذا تجاوز مرحلة إلى مرحلة أخرى أرقى، من الممكن أن يطالب بتكاليف أكبر وأكثر إيجاباً من المجاهدة بين يدي الله عز وجل.
على سبيل المثال: نورد هذه الآية في نبي الله سليمان(ع): {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}، نلاحظ أنه جعل شرطين لما ينبغي أن يقوم به العبد: صالحاً، وترضاه.. إذ من الممكن أن يكون هذا العمل عملاً صالحاً، ولكن الله تعالى في ذلك الظرف، أو في تلك الساعة لا يرتضيه من العبد.. وعليه، فإنه لابد أن نعرف كيف نرتب الأولويات الأهم فالأهم، فالمستحبات كثيرة، والأمر يحتاج إلى بصيرة إلهية.. فلنطلب من الله تعالى التسديد في هذا المجال، بأن يفتح علينا هذا الباب من الفهم.

س5/ ورد في بعض الروايات والآيات القرآنية قاعدة في الدعاء وهي الاستدراج، فما المراد بذلك؟..
إن السياسية الإلهية قائمة على تذكير العبد وإعادته إلى رشده عن طريق الابتلاء بالمحن، إذا رأى الله عز وجل فيه أهلية لهذا التنوير.. وإلا فإن الله تعالى يعاقبه بإسباغ النعم واحدة تلو الأخرى؛ لإتمام الحجة عليه.. جاء في حديث عن الإمام الصادق (ع): (إنّ الله إذا أراد بعبدٍ خيرا فأذنب ذنبا: أتبعه بنقمة، ويذكره الاستغفار.. وإذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا: أتبعه بنعمة؛ لينسيه الاستغفار، ويتمادى بها.. وهو قول الله عزّ وجلّ: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} بالنعم عند المعاصي).
قال الصادق (ع): (إذا أحدث العبد ذنباً؛ جدّد له نقمةً، فيدع الاستغفار فهو الاستدراج.. وكان من أيمانه (ص): لا، وأستغفر الله).
ولهذا يقال بأن الطاعة بعد الطاعة؛ علامة القبول.. وأن المعصية بعد المعصية؛ علامة الخذلان.. وأن المعصية بعد الطاعة؛ علامة الرد.. وأن الطاعة بعد المعصية؛ علامة القبول.

س6/ جاء في الخبر -ما مضمونه - : أن رجلاً استشار الإمام الصادق (ع) للخروج في التجارة، فنهاه الإمام (ع) عن ذلك، ولكنه خالف وخرج وعاد بربح وفير.. ما تعليقكم على ذلك؟..
نعم، هنالك مضمون من هذا القبيل، ويقال أنه ذكّر بموقف من المواقف ترك فيها صلاته.. وأن هذا الفوت لو جعل في كفة، وجعلت تلك الغنائم في كفة أخرى؛ فإن ما فقده من الطاعة الإلهية، يرجح على ما اكتسبه في سفره.
إن من الجميل أن يبرمج الإنسان نفسه في حال السفر؛ لئلا يقع في حرام في الأكل، أو الشرب، أو غير ذلك.. بل يحاول أن ينظم ساعات السفر والتنقل من مطار لآخر، بحيث لا تفوته الفريضة في أول وقتها.. فإن المحافظة على الصلاة هي من أهم علامات المؤمن، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * .... وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}.

س7/ ما هو دور المستحبات في بناء شخصية المؤمن؟..
لا شك بأن الإنسان قد يصل إلى درجة من درجات الشفافية الروحية، والقرب من المولى جل وعلا.. بحيث لا يميز بين الواجب والمستحب، أو المكروه والحرام.. هو يرى بأن رضا الله تعالى في فعل هذا العمل وتجنب الآخر، بغض النظر عن مسألة الثواب والعقاب.. كما هو معلوم بأن المحب يحرص على إرضاء المحبوب في أبعد الحدود .