شرح دعاء كميل (الحلقة الثانية عشر) إلى الدنيا وإلى الآخرة

س1/ نلاحظ في دعاء كميل أن الإمام علي (ع) تطرق إلى مقارنة بين بلاء الدنيا وبلاء الآخرة.. فما هو الهدف من هذه المقارنة، ويا حبذا لو تذكرون لنا بعض صور العذاب في الآخرة؟!..
أولاً من المناسب أن نشير إلى أن أسلوب الإمام (ع) في أدعيته وخطبه، عبارة عن امتداد للأسلوب القرآني والنبوي، من حيث التحفيز والتخويف.. نحن نلاحظ أن القرآن الكريم تارة يذكر آيات الحور، والقصور، والغلمان، والأنهار، والخمر.. وأخرى يذكر بعض صور عذاب جهنم.. وكذلك في دعاء كميل  عندما يصل الإمام (ع) إلى الجانب الإيجابي، نرى بأنه بذكر بعض صور اللذائذ المعنوية، مثل القلب المتيم بحب الله.. وعندما يصل إلى العذاب في نار جهنم، يذكر بعض الخصوصيات الحسية، مثل كيف يحرقه لهيبها، أو يتقلقل بين أطباقها.. وقد ذكر القرآن الكريم صور بليغة في وصف العذاب الأخروي، على سبيل المثال:
قوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ}.. أو هل يمكن للعقل البشري أن يتصور مادة تغلي في جوفه؟!.. وليتها كانت على نحو الغليان في الحياة الدنيا!.. وماذا عن طعامهم؟!.. {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ}، وإذا هم عطشوا؟!.. {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا}.. إن الأمر فوق كل تصور، فكما أن النعيم في الجنة لا يخطر على قلب بشر، كذلك الأمر بالنسبة للعذاب في نار جهنم.
والأعظم من ذلك العذاب الحسي: الزقوم والضريع والماء الذي يشوي الوجوه، هو العذاب النفسي؛ حيث يريد العبد أن يتكلم مع ربه، فيأتيه الجواب الزاجر: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}.. وفي ذلك منتهى الصغار والذل والإهانة.
ولا شك بأن تذكر العذاب الإلهي يوم القيامة، يعطي ردعاً كافياً، وبدوره يسبب في احتقار بعض الشهوات العاجلة، (وشتان بين عملين: عمل تذهب لذته، ويبقى تبعته.. وعمل تذهب مؤونته، وتبقى أجره).

س2/ الإمام علي (ع) يصف بأن فراق المولى جل وعلا أصعب من نار جهنم، فهل هذه اللوعة من مختصات الإمام (ع)؟..
ذكرنا في حلقات سابقة، أنه لا ينبغي أن نعيش حالة اليأس من الوصول لهذه الدرجات الكبيرة -درجة النبي وآله(ع)- (وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد)، إذ من الممكن أن نتخلق بأخلاقهم (ع) في هذه الناحية من الإحساس بلوعة الفراق الإلهي.
نعم، إن العبد قد يصل إلى درجة من الأنس برب العالمين، لا يتحمل بعدها أي حالة من حالات الإدبار.. حيث يعيش حالة التألم الباطني الشديد، وضيق الفؤاد؛ لأنه لا يعلم ما سبب هذه الحالة، فيعيش حالة الوجل من أن الله تعالى راض عنه أم لا.
وعلي (ع) وهو رأس العارفين العاشقين بصور هذه اللوعة: بأنه يا رب لو أدخلتني النار بما فيها من ألوان العذاب الحسي: الحيات، والعقارب، والثعابين، والتوابيت الملتهبة.. فإن عذاب فراقك أشق على روحي ونفسي، وفي هذا قمة الذوبان والانصهار في عالم الحب الربوبي.

س3/ البعض من الناس قد يستغرب من تعذيب الله تعالى لعبده في جهنم، برغم أنه الأرأف بعبده من كل أحد، فما هو تعليقكم على ذلك؟..
إن هذا الأمر يحتاج إلى تفصيل، وعلماؤنا في كتاباتهم الكلامية أجابوا عن هذه الشبهة، ولكن إجمالاً نقول: بأن المسألة ليست مجرد عقوبة، فالأمر أرقى بكثير، وإن ما يرى في الآخرة ما هو إلا إنعكاس طبيعي، لما يحدث في الحياة الدنيا، قياساً على قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}، {لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}، لا بمعنى الجزاء على الأعمال، وإنما الأعمال تتجسد في يوم القيامة.. وفي آية أخرى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ}، فالذي يأكل مال اليتيم كأنما يأكل في جوفه ناراً، هو في الدنيا لا يرى هذه النار، بينما في يوم القيامة يكشف الغطاء، كما قال تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}.
ومن هنا نشير إلى هذه الحقيقة: أن الإنسان قد يصل في بعض الأوقات إلى مرحلة العمل الخبيث، بمعنى أن الله تعالى يحبه ويبغض عمله، وقد تكون ذاته هي الخبيثة، هو بنفسه مبغوضاً عند الله تعالى، وإن حسن عمله.. فإذا تحولت هذه النفس إلى نفس خبيثة، تصبح متجانسة مع نار جهنم.. وبالتالي، تكون حصباً لجهنم، كما أشار القرآن الكريم، في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}.
وفي مقابل ذلك نلاحظ تجسد الأعمال الصالحة إلى أشجار في الجنة، كما ورد في هذه الرواية: قال الباقر (ع) : مرّ رسول الله (ص) برجل يغرس غرساً في حائط له فوقف عليه، فقال: ألا أدلّك على غرس أثبت أصلاً، وأسرع إيناعا، وأطيب ثمراً وأبقى؟.. قال: بلى، فدلّني يا رسول الله (ص)!.. فقال: إذا أصبحت وأمسيت فقل: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).. فإنّ لك إن قلته بكل تسبيحة عشر شجرات في الجنة، من أنواع الفاكهة.. وهن الباقيات الصالحات.
وعليه، نقول: بأن المسألة ليست من باب الانتقام أو ما شابه ذلك، فرب العالمين هدانا النجدين: طريق الخير، وطريق الشر، ثم أنذرنا وأفهمنا بأن هذه النفوس إذا لم تهذب سوف تتأقلم مع ذلك العالم، إما مؤقتاً أو خلوداً، بحسب الذنب الذي يعيشه الإنسان.

س4/ ما هي السبل لكشف الحجب عن قلب الإنسان، ليرى ما يجري في العوالم الأخرى؟..
بلا شك أن الأمر يحتاج إلى تفضل إلهي، وإلى مدد غيبي، وذلك لا يأتي جزافاً.. بل يتطلب المجاهدة الحثيثة، للارتقاء بالنفس عن عالم المادة.. إذ لا يمكن بهذا الجسم المادي -المتثاقل إلى الأرض، والمتعلق بشواغل الدنيا- رؤية ما وراء الغيب.. وقد أشار النبي (ص) لهذه الحقيقة حينما أتى بقيع الغرقد، حيث قال : (ولولا تمريج قلوبكم، وتزيدكم في الحديث؛ لسمعتم ما أسمع).
ولا شك بأن الإنسان إذا ما وصل إلى هذه المرحلة من الانكشافات الغيبية، سيصل إلى درجة اليقين.. كذلك الشاب الذي كان يخفق برأسه في مسجد الرسول (ص)، وقد نحل جسمه، واصفر وجهه، وغارت عيناه في رأسه.. وعندما سأله الرسول (ص) كيف أصبحت؟!.. فأجاب: أصبحت يا رسول الله موقنا!.. فعجب رسول الله من قول، وقال له: إن لكل يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟.. فقال: إن يقيني يا رسول الله، هو أحزنني، وأسهر ليلي، وأظمأ هواجري؛ فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها.. حتى كأني أنظر إلى عرش ربي قد نصب للحساب، وحشر الخلائق لذلك، وأنا فيهم.. وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون فيها، ويتعارفون على الأرائك متكئين.. وكأني أنظر إلى أهل النار فيها معذبون، ويصطرخون.. وكأني أسمع الآن زفير النار يدور في مسامعي.
نعم ، العبد قد يصل في هذه الحياة -بعد درجة من المجاهدة- إلى استكشاف بعض ما خفي عن أهل الدنيا المقيدين بسلاسل المادة.