شرح دعاء كميل (الحلقة الثالثة عشر) دور الدعاء في تزكية النفس

س1/ ما هي العلاقة بين الدعاء وتزكية النفس؟..
الدعاء بحسب الظاهر، هو عبارة عن نصوص تقرأ في جوف الليل أو غيره.. فكيف تؤدي هذه الحركة البسيطة إلى تزكية الذات؟!.. من المعلوم أن هدف الخلقة هو تحقيق العبودية لله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، والعبادة الحقة لا تتحقق إلا من خلال القلب الذي تزكى، وتحول إلى قلب سليم. وللتوضيح: الدعاء يشبه انشطار القنابل الذرية، حيث تكّون سلسلة متوالية من الانفجارات والانشطارات، التي تؤدي إلى خروج هذه الطاقة الهائلة!..

س2/ كيف تتم تزكية النفس عن طريق الدعاء؟..
يمكن أن نحصر القول في أمرين:
* الأول: الانشغال بجمال وجلال المولى جل وعلا: إن الدعاء هو عبارة عن استحضار للمدعو في نفس الإنسان، فهو لا يدعو فراغاً أو مجهولاً.. بل يدعو جهة معينة ثابتة مشخصة في الفؤاد، وهو يتوجه إلى الله تعالى.. وبالتالي، فإن رب العالمين يتوجه إليه أيضاً، فيكون قلبه مهبطا للتجليات الإلهية، فالذي يدعو سوف يرى بعد فترة من المواصلة شيئاً فشيئاً، من آثار هذا الجمال الإلهي المودع في هذا الوجود.
إن الله سبحانه وتعالى تجلى بشيء من جماله، فخلق الورد، وخلق هذه الصور الحسان في عالم الخلقة، التي يعبر عنها البعض -كما نعلم- بملكة جمال الكون في عالم الصحف وغيره. فهو بإرادته رسم تلك الصور الجميلة التي تذهل الألباب.. فكيف بمن رأى تلك اليد التي ترسم هذه الصور الجميلة في عالم الطبيعة!.. وكيف بمن يريد أن يتجلى بشيء من هذا الجمال في ذاته، لا في طبيعته، ولا في بره وبحره!..
فإذن، إن الدعاء هو الالتفات إلى المدعو بجلاله وجماله، فمن التفت إلى هذا الجمال؛ زهد في كل جمال يزاحمه ولا يطابقه.
* الثاني: الدعاء من مصاديق تصفية الذات: لا شك في أن من طلبات المؤمن الكبرى في دعائه، هو أن يزكي ذاته، فبإمكانه أن يروض نفسه، ويصل إلى مبتغاه بالسبل المشروعة، لا كما يفعل المرتاض في الهند في صومعته المزعجة، حيث يقف على الزجاج والشوك وما شابه ذلك.. أو يضع بذرة في التراب، ويقف في الشمس حتى تنمو هذه البذرة!.. إن الإنسان المؤمن في مكان مريح؛ يحصل على ما يريد.. فهذا موسى(ع) {تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. ويطلب من ربه شرح الصدر: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}.
لو أن هذه الآية: -{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}- تحققت في حق مؤمن، لانتهت كل موجبات القلق في حياته، واندفع دفعاً لكل ما يحبه الله ويرضاه، بدون أدنى مجاهدة.. وأيضاً هو لا يرى ميلاً إلى الحرام، ولا غرابة في ذلك؛ لأنه قد حظي بعناية المولى جل وعلا، فحبب إليه الطاعة وكرهه في المعصية.
فمن المعلوم أن رب العالمين يوم القيامة، قبل أن يدخل المؤمنين الجنة، ينزع ما في قلوبهم من حقد وحسد.. كما قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}، فما المانع أن يسعى الإنسان إلى هذا الأمر وهو في الحياة الدنيا، فليس ذلك بعزيز على الله تعالى، أن يصفي قلب عبده المؤمن من كل الشوائب المانعة من الوصول إليه.

س3/ من المعلوم - في كتب الأخلاق - أن النفس لها حالات ثلاث: الأمارة ، اللوامة ، المطمئنة، نرجو توضيح ذلك ؟..
* النفس الأمارة: هي من أسوأ حالات النفس، والتعبير هنا بالأمارة: أي كثيرة الأمر بالسوء.. إن النفس إذا لم تهذب من ناحية الميل إلى المتع واللذائذ الدنيوية، والانشغال في عالم الشهوات، لا تعرف عرفاً ولا قانوناً ولا ديناً.. وإنما المهم هو الوصول إلى المبتغى، ولو على حساب كل شيء، فهي أشبه شيء بالإنسان الأعمى، الذي لا يرى إلا حاجته.. وبالتالي، تكون أمارة بالسوء.. ولا شك إذا ما استمرت هذه الحالة، فإن الإنسان يتحول إلى مرحلة الختم على القلب -والعياذ بالله- فيرى المعروف منكراً والمنكر معروفا.
* النفس اللوامة: هي نفس لها معرفة نظرية جيدة، ولكن تنقصها الإرادة.. ولهذا فهي تتميز عن النفس الأمارة، بوجود هذا البصيص من النور، الذي هو من موجبات اللوم، ومن هنا شبه المؤمن -في الروايات- كالسنبلة تخر تارة، وتستقيم أخرى.
* النفس المطمئنة: هي تلك النفس التي جمعت الكمال النظري والعملي في أعلى درجاته، كذلك الشاب الذي وصل إلى مرحلة اليقين.. فهي نفس انكشفت عنها الحجب، بحيث وصلت إلى مرحلة لا ترى كثير معاناة في ترك الحرام، وما لا يرضي الرحمن.

س4/ يعتقد البعض أن مجاهدة النفس هي من اختصاص النخبة من طلبة العلم، فما هو تعليقكم على ذلك؟..
مع الأسف إن البعض يعتقدون بأن تهذيب النفس خاص بالنخب العلمية، سواء في الحوزات، أو في الجامعات، أو في المساجد.. والحال، بأن الله تعالى يخاطب الجميع في كتابه الكريم ويأمرهم بالتقوى، حيث يقول في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، وفي آية أخرى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
ونحن من أهدافنا الكبرى في هذه الحلقات أن نعمم هذه الثقافة، وأن للدين التزامات ظاهرية، وهي ما في الرسالة العملية مثل: كيفية الوضوء، والصلاة.. وهنالك ما وراء ذلك من الآداب المعنوية: فما هي كيفية الصلاة الخاشعة؟.. وما هو السبيل لضبط الخواطر؟.. وماذا عن المراقبة والمحاسبة اليومية للنفس؟..وعليه، فإننا نقول: بأن للدين ظاهرا وباطنا، يجب مراعاة كليهما، ولا غنى للأول عن الآخر في مسيرة الإنسان التكاملية.
ثم إن الحركة التكاملية ليست حكراً على الرجال دون النساء، يقول تعالى : {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}، بل أنها من الممكن أن تكون ميسورة للنساء أكثر من الرجال؛ نظراً لانشغالات الرجل الكثيرة هنا وهناك.. وبالتالي، هو عرضة للإثارات المختلفة، بينما المرأة في بيتها من الصباح إلى المساء، بإمكانها أن تعمل على تهذيب نفسها، وتؤثر في زوجها الغافل، وتربي أبناءها على طاعة الله. وكما نعلم أن وراء كل رجل عظيم امرأة، فلا نستبعد بأن المرأة الصالحة، بإمكانها أن تغير المجتمع من الزوج، إلى الأسرة، إلى الأرحام، إلى الأولاد.

س5/ ما هي الأسس العملية لتزكية النفس؟..
باختصار وبلا أي تعقيد نجعل الجواب في كلمتين :
الأولى: ترك المعاصي والذنوب: إن الإنسان العاصي في مقام التمرد العلني على رب العالمين.. ومع وجود هذه الحالة، لا يمكن أن يحقق الإنسان خطوة إلى الأمام.
تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

الثانية: إتقان الإتيان بالفروض والواجبات على حقيقتها المطلوبة شرعاً: على سبيل المثال: نحن أمرنا أن نصلي، لا على مستوى الإتيان بالحركات المجردة، بل على مستوى إقامة الصلاة، بأن نحولها إلى حقيقة في الخارج، إلى كيان يمشي على الأرض.

س6/ متى يعلم العبد أنه وصل إلى مرحلة الاستقرار ؟..
من أهم علامات الوصول :
* حالة الاطمئنان القلبي: من الملاحظ أن الطائرة قبل أن تستقر -على ارتفاع ثلاثين ألف قدم مثلاً- تمر في المطبات الجوية، ولكن بعد حالة التذبذب والمخاض، تمشي في سرعة ثابتة ومطمئنة.. فالمؤمن كذلك يصل بعد المجاهدة المستمرة إلى مرحلة، يكون فيها في كل التقلبات صبورا عند الشدائد، وقورا عند الهزائز، يعيش حالة الارتياح المطبق حتى في أشد الظروف.
* استحضار المعية الإلهية: بأن يكون كما كان علي (ع)، لا ينظر إلى شيء إلا ورأى الله قبله وبعده وفيه ومعه. يهوي عليه السيف في محراب عبادته، ولم ينبس بكلمة يفهم منها التألم أو الشكوى، وإنما كانت كلمته الخالدة: ( فزت ورب الكعبة)!..