شرح دعاء كميل (الحلقة الرابعة عشر) الدعاء والمعرفة

س1/ ما هي ضرورة المعرفة النظرية للإنسان السالك؟..
من المؤكد بأن الحركة التكاملية للإنسان، ليست حكراً على فئة معينة دون غيرها، استناداً للخطاب الإلهي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}.. فهذا الخطاب عام لكل فرد خط عليه قلم التكليف.. ولا شك بأن الجانب المعرفي مهم جداً للإنسان السالك، فهو أساس هذا الطريق، وقد أكد النبي المصطفى (ص) على هذا الجانب في بدء الدعوة.. ومن المعلوم أن الإنسان إذا ما نطق بالشهادتين ثم مات، فهو بإجماع العلماء من أهل الجنة؛ لأنه لم يرتكب ذنباً بعد ذلك.
والنقص في هذا الجانب من موجبات الوقوع في المزالق الخطيرة، جاء في الحديث: (السائر على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق.. لا تزيده كثرة السير إلا بعدا)، فالذي يجدّ في السير، وهو في اتجاه معاكس للهدف الذي يسمو إليه، فإن هذه المجاهدة في السعي سوف تبعده عن الهدف أكثر، وسيقع في الزلل الكثير.. ومن هنا نجد الانتكاسات الكثيرة عبر التأريخ، في الذين انحرفوا في حركتهم التكاملية. ومن الطريف أن البعض جمع شطحات هؤلاء وكلماتهم غير اللائقة -التي لا تمس بروح الشريعة، والدالة على عدم الصدق في هذا المجال- فأصبحت مؤلفاً!..
وللتوضيح نضرب هذا المثال: إن الإرادة في الإنسان، تمثل الوقود في السيارة الدافعة للتحرك والسير إلى الإمام.. والجانب النظري يمثل الخارطة الذهنية للطريق.. فإذا لم يضم هذا إلى ذاك، فإن المصير والعاقبة ستكون كأولئك الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أن يحسنون صنعا.

س2/ هناك عبارة في دعاء كميل تقول: (إِلهِي وَرَبِّي مَنْ لِي غَيْرُكَ)، وفي عبارة أخرى: (وَلا يُمْكِنُ الفِرارُ مِنْ حُكُومَتِكَ).. هل نفهم من ذلك أن تحقيق حالة الانقطاع إلى الله تعالى هي طلب من العبد؟..
حقيقة إن مفهوم الانقطاع إلى الله تعالى، من المفاهيم الغالية جداً في عالم الوجود، التي لو تحققت في حق مؤمن لانقلبت حياته رأساً على عقب.. ولكن المشكلة هو أن الناس قد علقوا قلوبهم بغير الله تعالى، وركنوا إلى سواه، وجعلوا في كل زاوية من قلوبهم إله يعبد من دونه تعالى؛ مؤملين بالأسباب الطبيعية وبما في أيدي البشر.. وبالتالي، فإن الله تعالى يكلهم إلى تلك المتعلقات.. ومن هنا نلاحظ أن الرسول الأكرم (ص) وآله الأطهار، حرصوا على هذا الأمر بالطلب من الله تعالى بعدم الإيكال إلى النفس؛ لأن في ذلك الهلاك والخسران المبين. وقد ورد في الخبر عن الرسول (ص): ( اللهم!.. لا تنزع مني صالح ما أعطيتني.. اللهم!.. لا تشمت بي عدوا، ولا حاسدا أبدا.. اللهم!.. ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبداً.. اللهم!.. ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً).
ورد في المناجاة الشعبانية لعلي (ع): (إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك!.. وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك!.. حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك.. إلهي!.. وألحقني بنور عزك الأبهج؛ فأكون لك عارفا، وعن سواك منحرفا ..).. وعليه، فإن الانقطاع إلى الله تعالى هو غاية مراد المريدين، وهبة من الله تعالى، متى ما رأى لياقة في عبده، فإنه سيعطيه هذه الهبة عاجلا أم آجلا.. نسأل الله تعالى أن يمن علينا بذلك إنه جواد كريم.

س3/ هنالك عبارة بليغة تشير إلى عظمة الجبروت المتجلي في الله تعالى إلى جانب القدرة تقول: (وَغَلَبَ قَهْرُكَ، وَجَرَتْ قُدْرَتُكَ ..) ما مدى تأثير هذه المفاهيم الجبروتية على الإنسان المؤمن؟..
في هذه الظروف العصيبة، حيث نرى تكالب قوى الكفر الظالمة، واستيلائها على خيرات هذه الدنيا، وتفوقهم -بحسب الظاهر- علينا في جهات شتى: اقتصادياً، وعسكرياً، وسياسياً، وثقافياً، وغيره.. من الطبيعي أن تستشري حالة من اليأس في النفوس.. ومن هنا يأتي دور الدعاء في تغيير مقدرات الأمة، كما هو معلوم أن الإمام السجاد (ع) استغل هذا العنصر، في إيصال مجموعة كبيرة من المفاهيم إلينا، من خلال الصحيفة السجادية، مما يدل على أن الدعاء عامل مؤثر وقوي، وهو ليس بمجرد حديث محض مع رب بالعالمين.
بلا شك أن استحضار جبروتية الله تعالى، وأنه هو المهيمن على كل عناصر الوجود، له دوره في إنجلاء حالة اليأس، وبعث الأمل في النفوس من جديد. إن الله تعالى ليس بناؤه على الإعجاز دائماً، أو على ترك الأمور في عالم الأسباب.. وإن المطالع في التأريخ وفي القصص القرآني، يلاحظ تجلي جبروت الله تعالى في اللحظة المناسبة.
إن الماء عنصر سيال مائع يغرق من فيه -كما نعلم- ولكن عندما يصل الأمر إلى التحدي، ويكون موسى (ع) في نقطة أن لا مفر له من العدو: العدو من ورائهم، والبحر من أمامهم، هنا يأتي التدخل الإلهي.. فهل يخطر على بال أحد من بني إسرائيل، بأن هذا العنصر السيال، يتحول إلى سد وإلى جدار، وإذا به يرى طريقاً يبسا!..
والقديسة مريم (ع) عندما حملت بولد اتهمت بالزنا، وكانت هذه التهمة من أشق التهم عليها، وهي من سلسة طويلة من الأنوار.. أضف إلى آلام الحمل والضعف الذي ينتاب المرأة الحامل، وإذا برب العالمين يناديها: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}، ويفك عنها هذا الضيق، ويكشف براءتها على لسان هذا الولد!.. {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}.
والنبي (ص) عندما لحقه الكفار، وقصة الغار والعنكبوت والحمامة، أو قصة الأبابيل النفاثات التي دمرت أسطول الفيلة.
كل هذه القصص القرآنية والتاريخية في إثبات مظاهر الجبروت الإلهي، وأن الله إذا رأى أن نصرة دينه تتوقف على التدخل في عالم الأسباب الظاهرية سيتدخل، وهو الذي {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}.

س4/ بناء على هذه الفقرة  (اللّهُمَّ وَمَنْ أَرادَنِي بِسُوء فَأَرِدْهُ، وَمَنْ كادَنِي فَكِدْهُ ..)، هل أن الإنسان المؤمن عليه أن يسعى لاستنقاذ حقه أم يفوض أمره إلى الباري جل وعلا؟..
لا شك بأن للمؤمن أعداءه سواء كانوا خصوماً في حركة الحياة، أو في مجال الرسالة.. والمؤمن في مقابل ذلك له حركتان:
الأولى: السعي الفردي من أجل استنقاذ حقه: إذ أن المؤمن لا يظلِم ولا يظلَم، فإذا وقع ظلم عليه، الشريعة الإسلامية تأمره بالمطالبة بحقه، وكما نعلم (أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، فجانب القوة هنا من الممكن أن تفسر -بالإضافة إلى قوة الأبدان- عدم السكوت في أخذ حقه.
الثانية: الانقطاع إلى الله تعالى: يشكو حاله إلى المقتدر الجبار، ويوكل الأمر إليه تعالى، وهو إذا شاء عجل العقوبة على من ظلمه في طرفة عين، أو رفع من درجاته ورزقه الصبر والرضا.. وهنا دعوة للحذر من سهام الليل القاتلة، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وخصوصاً من لا ناصر له ولا معين إلا الله تعالى.

س5/ انطلاقاً من هذه العبارة: (اللّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِرحَمتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيٍْ).. ما مقدار سعة الرحمة الإلهية التي تلف عوالم الوجود؟..
إن نعمة الوجود من أجلى النعم الإلهية، لأن الشيء إذا لم يتعلق بالمشيئة الإلهية في الإيجاد لم يوجد. إن الله سبحانه وتعالى عندما أعطى الوجود وجوده وأعطى الشيء شيئيته، فهو بفضله ولطفه يدعم هذا الشيء بمقومات التكامل، وبعبارة أخرى يمكن القول: بأن كل ميسر لما خلق له، ونحن خلقنا للعبودية المطلقة، ورب العالمين أعطانا المقومات اللازمة لتحقيق هذه الحالة من العبودية.
ومن هنا نقول: (لم أعجب لمن نجا كيف نجا، ولكن عجبت لمن هلك كيف هلك)!.. فالعجب ليس في النجاة، لأنها هي الأصل، ورب العالمين أمرنا بموجبات النجاة، ووضح لنا طريق الجادة والصواب.. فنحن لا نتعجب للسائر الذي يمشي في الطريق الصحيح وعلى جانبه بحيرة، بل نتعجب للغرقى في البحيرة، لماذا انحرفوا عن الطريق، ووقعوا فيما وقعوا!.. نعم، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.. فإذن، هذه الرحمة الواسعة هي نعم المتمسك للعبد، كي يحقق كل آماله في هذه الحياة الدنيا.

س6/ إلى أي مدى يمكن أن تصل الرحمة الإلهية، بحيث لا تفهم خطأ ويعول عليها في التمادي بارتكاب المعاصي؟..
إن الله تعالى حكيم في كل أفعاله وتصرفاته، ومن المعلوم أن مقتضى الحكمة هو وضع الشيء في موضعه، وحاشا لله تعالى أن يضع رحمته في موضع لا يستحق الرحمة، وإلا لكان ذلك مخالفاً لقوانين الحكمة.
وكم من القبيح أن يصل العبد إلى درجة، لا تغمره هذه الرحمة الغامرة التي وسعت كل شيء!.. والإنسان قد يصل -مع الأسف- بسوء فعله واختياره إلى مرحلة لا يصبح قابلاً لتلقي هذا النور، وبعبارة فلسفية: (النقص ليس في الفاعل، وإنما المشكلة في القابل).. نسأل الله تعالى أن يكمل من قابلياتنا لتلقي هذه الرحمة الواسعة.