النبي إبراهيم والابتلاء الرباني (ذلك الكتاب)

س1/ قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.. نلاحظ من خلال هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أوصل إبراهيم (ع) إلى مقام الإمامة بعد أن كان نبياً، فما هي حقيقة هذا المقام الثانوي؟..
إن هذا الحديث حول نبي الله إبراهيم (ع) يثير في الإنسان مشاعر طيبة، فهو جد نبينا الخاتم، وكان مما يفتخر به النبي الأكرم (ص) أنه على ملة إبراهيم، وعندما أكرمه الله بوليد -لم تكتب له الحياة- سماه بإبراهيم.. إن النبي (ص) كان يحب جده لا من خلال كونه جداً، وإنما من خلال القرب الذي أحرزه إبراهيم من الله تعالى، فنحن نعلم بأن أشرف وسامين في تاريخ البشرية علق على صدر إنسان: وسام الحب الإلهي الذي زين بصبر المصطفى (ص) وبقلبه، ووسام الخلة لإبراهيم، فهو خليل الله.. وكم من الامتياز أن يصل الإنسان إلى درجة يقال له خليل السلطان!.. لقد كانت له حالات روحية متميزة مع الله عز وجل، فكان عندما يئن من خشية الله، ويبكي من خوف الله -كما في بعض الراويات- له أزيز كأزيز المرجل، بحيث يسمع صوته من مسافات بعيدة، وهو في حال الخضوع والخشوع بين يدي الله عز وجل، وكان -بعض الأوقات- ينشغل بذكر سبوح قدوس، حتى ينسى كثيراً من الأمور، مستغرقاً في ملكوت هذا الذكر العظيم.
وبالنسبة لمقام الإمامة لإبراهيم (ع) فقد جاءت بعد النبوة، إذ من المعلوم أن هنالك عدة مقامات للأنبياء، وهي: مقام النبوة، فالنبي: هو الذي تكون له القابلية في تحمل النبأ الإلهي.. ومقام الرسالة، فالرسول: هو الذي يبلغ الرسالة الإلهية بشرطها وشروطه.. ومقام الإمامة، فالإمام: هو الذي يهدي الناس ويوصلهم إلى المطلوب.
وهذا المقام كان لإبراهيم (ع) بعد سلسلة من الابتلاءات التي نجح فيها، ومن هنا فإن القرآن الكريم عندما يذكر الأنبياء يقول: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.. أي أن هنالك قسما من الأنبياء جعلهم الله في مقام الأخذ بأيدي الناس، وإيصالهم إلى درجات القرب إلى الله عز وجل، ومن هؤلاء نبي الله إبراهيم (ع).. ومن هنا رب العالمين جعل في حياة المسلمين تركة إبراهيمية، متمثلة بهذا الحج الذي يصهر زوار بيت الله الحرام في بوتقة التوحيد.

س2/ قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.. ما هي حقيقة هذا الإسلام الذي سبق اليهودية والنصرانية؟..
إن جوهر النبوات والرسالات: هو إيصال الإنسان إلى مرحلة التسليم المطلق بين يدي الله عز وجل، كما يقول تعالى عن لسان يوسف (ع): {أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.. أي أن يصل إلى درجة لا يرى لنفسه اختياراً في هذه الحياة أمراً ونهياً، بأن يحقق الفناء لله وفي الله وبالله، وألا يكون له منهج في الحياة إلا المنهج الرباني: لا يريد إلا ما يريده رب العالمين، ولا يتمنى إلا ما يتمناه له.
فروح النبوات جميعاً هو الإسلام، ومن هنا نلاحظ أنه لا تشاح ولا مصادمة ولا اختلاف بين الأنبياء أبداً؛ لأن الجميع يسيرون في منهج واحد، وهو منهج الإسلام الذي هو عبارة عن خلاصة جميع الرسالات والأديان السابقة، والذي قال الله تعالى عنه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
وأما ما نراه من صور التناحر في حياة الأمم، الذين يدعون الانتساب للأنبياء، فهؤلاء بعيدون كل البعد عن جوهر الرسالات السماوية.. ومن المعلوم أن رسالة إبراهيم (ع) كانت هي السابقة للنبيين عيسى وموسى (ع)، بل هما من ذريته، وكانت روح دعوته، هي روح الإسلام.. إلا أنه تكامل، وتكامل إلى أن أكملت قواعد هذا الدين على يد حفيده محمد المصطفى (ص).

س3/ قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}.. أي أن القرآن الكريم يجعل الإنسان إما متبعاً لملة إبراهيم، أو ممن سفه نفسه.. فما هو معنى السفيه على هذا التقدير؟..
إن القليلين يلتفتون إلى هذا التقسيم!.. لقد كان المقسمون للأجيال البشرية وللحضارات لهم ملاكاتهم في التقسيم، فيقال: هذا أبيض وهذا أسود، هذا حضري وهذا قروي.. وأما القرآن الكريم فيقول: إن الناس على قسمين.. من يتبع ملة إبراهيم: أي ذلك الإنسان الذي يحاول أن يصل إلى روح التوحيد، وإلى روح الإسلام، وهو التسليم، أضف إلى تحقيق التقوى الآلية العملية، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.. وأما الذي لا يسلك هذا الطريق، فهو إنسان سفيه، ولو كان في أعلى التخصصات العلمية العصرية.. فالسفيه: هو ذلك الإنسان الذي لا يعلم أين مصلحته، وليست له منهجيته في الحياة، فهذا إنسان لا عقل له؛ لأنه لم يخطط لنفسه برنامج عمل في هذه الحياة.. فإذن، إن الذي يريد أن يكون خارج دائرة السفاهة، لا بد أن يكون على خط إبراهيم (ع) المتمثل الآن بخط الإسلام الأصيل.

س4/ يرى البعض أن دعوى المحبة والعمل الجزئي بالأحكام هو كافٍ لتحقيق عنوان الاتباع، والحال بأن القرآن الكريم يقول: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ}.. فما هو التعريف الصحيح للاتباع؟..
إن الاتباع له تجليات متعددة: فتارة يكون في مقام إبداء المشاعر: شعراً، ونثراً، أوما شابه ذلك.. وأخرى بتبني جهة في الحياة، بحيث تكون هذه الجهة هي الجهة المحبوبة لدى الإنسان.. ولكن المعنى الأرقى للاتباع: فهو مطابقة كل خطوات الحياة، للمنهج الذي يريده المتبَع.
ونلاحظ في هذه الآية الكريمة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا}.. بأن إبراهيم (ع) دعا بأن يجعل الله هذا البلد؛ أي مكة وحواليها بلداً آمنا -وهنا يقول العلماء: أن هذا الطلب الإبراهيمي، لم يكن بمعنى الأمن التكويني، لأن مكة تعرضت للغزو والانتهاك، حتى في زمان الإسلام: حيث كان الهجوم على البيت الحرام، ورميه بالمنجنيق، وسرقة الحجر الأسود حيث أعيد إلى مكانه مرة أخرى.. فإذن، الأمن المقصود هو الأمن التشريعي: أن يكون الحكم الذي يحكم هذه البلاد، يحقق الأمان لأهلها- ثم إن إبراهيم يعطف على ذلك، فيقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}.. وثم يقول: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ أي أن الإبراهيمي هو الذي يتبعني، لا الذي يبدي أشواقه، وقياساً على ذلك حياة النبي المصطفى، حيث يقول تعالى عن لسانه (ص): {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.. ومما روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال هذا الشعر، حيث جعله الملاك للاتباع:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه     ***     هذا لعمرك في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه     ***     إن المحب لمن يحب مطيع

س5/ تتجلى شفقة النبي إبراهيم (ع) على الأمة من خلال مجادلته لله في رفع العذاب عن قوم لوط، فكيف تفسرون هذا الأمر؟..
عندما أتأمل في هذه الآية: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}، تورثني الدهشة: أنه ما هذه الصفة الإبراهيمية من الحلم!.. فعندما جاءه الضيوف، ما لبث أن جاء بعجل حنيذ (مشوي) -وفي هذا درس على المبادرة بإكرام الضيف- ثم أوجس منهم خيفة، لما رآهم لا يأكلون؛ لأن الذي لا يأكل طعام الضيف، لابد أن تكون هنالك خصومة في البين، أو ما لا يحمد عقباه.. فعندئذ صرحوا له بأنهم رسل الله عز وجل، جاؤوا لإهلاك قوم لوط.. -فإذا كانت هذه جماعة كانوا يمارسون الفحشاء بالطريقة التي تخالف الفطرة البشرية، والله سبحانه وتعالى ما تحملهم فجعل عاليها سافلها، فكيف بهذا الصبر الإلهي في زماننا!.. جل حلم الله تعالى!.. وقطعاً هذا من بركات النبي الخاتم، حيث أن الله تعالى وعد المسلمين بعدم العذاب والنبي (ص) في هذا الأمة: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}- ثم إن إبراهيم (ع) لما اطلع على هذه المهمة التدميرية لهؤلاء الملائكة، أخذ يساوم رب العالمين في أنه كنبي في هذه الأمة لا يتحمل هذا العذاب، فما هذه الشفقة الإبراهيمية على قوم لوط!.. مع أنهم قوم في منتهى السوء، ولكن قلب إبراهيم كبير يتحمل حتى هؤلاء الجناة العصاة.. ثم إن رب العالمين أراد أن يقطع الجدال، فقال: {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}..
فالدرس العملي من هذه الخطوة الإبراهيمية:
أنه لو أن أحدنا امتلك قلباً كبيرا كإبراهيم، لا يطلب الناس لزلة أو لزلتين، ولا يحتقر أحداً لما هو فيه، بل ينظر إلى ما بقي في الفطرة من بصيص النور، ولا ينظر إلى الظلمة الفعلية.. وفي علم النفس يقولون: بأن الذي يؤتى له بنصف كأس ماء، فينظر إلى الجزء الفارغ؛ فإن نظرته تشاؤمية سوداوية، بخلاف الذي يكتفي بالنصف المملوء؛ فإنه إنسان متفائل.
وعليه، فإن الإنسان المؤمن في تعامله مع الناس، عليه أن يستثمر البقية الباقية من موجبات إرشاد الناس وهدايتهم.. ومن هنا رب العالمين وصف إبراهيم بأنه حليم أواه ومنيب، كان يحمل هم هذه الأمة التي كانت تعاصره، حتى قوم لوط الذين علمنا مقدار ما هم فيه من الانحراف البليغ.

س6/ قال تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}.. فما الذي أنزله الله عز وجل على إبراهيم؟..
إن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية المباركة، كأنه يريد أن يشير إلى الروح الواحدة المهيمنة على الكتب السماوية، كما قلنا قبل قليل: بأن روح النبوات عبارة عن روح الإسلام والتسليم.. وروح الأنبياء عبارة عن الأخوة، فكلهم يمثلون جبهة واحدة في مقارعة الكفر.. والجامع بين الكتب السماوية -صحف إبراهيم وموسى- هو الدعوة إلى التوحيد، على اختلاف ألسنتها وعلى اختلاف بياناتها، والقرآن الكريم هو الكتاب الذي ختم الله به الكتب السماوية، وجعله ناسخاً لها، ولعل هذه النقطة هي التي أثارت أتباع الأنبياء السلف.
وهنالك عبارة جميلة تقول: (لو اجتمع الأنبياء في قرية واحدة، لما وقع بينهم تنازع وتشاح)؛ لأن الهدف هدف رسالي واحد.. ومن هنا فإن الذي لا يعيش الرسالية -حتى لو كان في مقام خدمة الإسلام والمسلمين- فإنه سيقع في بعض المحاذير في هذا المجال.. ومن المعلوم أنه عندما تذكر الآفات لكل فئة، يذكر بأن الأمراء في معرض الوقوع في آفة الظلم، والعلماء في معرض الوقوع في آفة الحسد.. فإذن، ينبغي أن نكون إبراهيمين في حركتنا الحياتية، وأن نحمل هم الرسالة ومقارعة طواغيت العصر، ولا نبالي على يد أيٍ منا تحققت.
ثم أنه علينا أن نكون إبراهيمين أيضا في تسليمنا لله عز وجل.. حيث أنه كان في منتهى التفويض والتسليم بين يدي الله: يلقى في النار، ويأتيه ملك الرياح، وملك الأمطار، ومن ثم كبير الملائكة جبريل (ع).. وهو يرفض طلب الحاجة حتى سؤالاً لله عز وجل، بل كان شعاره: (علمه بحالي يغني عن سؤالي).
فلو عشنا هذه الحالة الإبراهيمية في مواجهة الفراعنة وطواغيت العصر؛ لفزنا كما فاز إبراهيم في حركته ومواجهته لفراعنة عصره.

س7/ قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}.. فما تعليقكم على هذه الآية؟..
إن من خصوصيات إبراهيم (ع) أنه كان يحمل هم ذريته، حتى أنه عندما تمنى مقام الإمامة لذريته، جاءه النداء: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.. ولقد استفاد العلماء من هذه الآية: بأن خلافة الأئمة إنما هي عهد إلهي وليس بعهد بشري، ولا يمكن للظالم بأن يخول على رقاب الناس.. فإذن، إن إبراهيم كان يحمل هذا الهم، ورب العالمين استجاب دعوته، وجعل خاتم النبوات، وخاتم الأنبياء من نسله صلوات الله وسلامه عليه.
وقد يكون مقصد إبراهيم (ع) عندما دعا بأن يجنبه الله وبنيه عبادة الأصنام: أن يشير إلى أصناف من الأصنام لا تدرك، بخلاف تلك التي تعبد من الحجر: كهبل، واللات، والعزى.. ومن مصاديق ذلك قول الإمام الجواد (ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده؛ فإن كان الناطق عن الله، فقد عبد الله.. وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس، فقد عبد إبليس).