النبي ابراهيم وبناء الحركة التوحيدية (ذلك الكتاب)

س1/ أوكل الله تعالى أمر بناء الكعبة إلى خليله إبراهيم (ع)، فما هي الوجوه التي بها استحق هذه الدرجة الرفيعة؟..
إن إبراهيم (ع) من الأنبياء الذين تميزوا بامتيازات عديدة، منها: أنه رشح بأن يكون خليل الله، وأن يكون بانياً لقواعد البيت، الذي يعد ظاهره من الحجارة، ولكنه حقيقة يوازي البيت المعمور، وهو في امتداد مع العرش.. فالذين يطوفون حول البيت، عليهم أن يستحضروا هذه الحقيقة: بأنهم يطوفون حول حقيقة التوحيد، إذ أن الطواف حركة رمزية لا يراد منها الحركة العادية، وإنما يراد منها الدلالات التي هي ما وراء هذا الطواف الظاهري.
نعم، رب العالمين عندما أراد أن يبني بيته المحرم -الذي لا يتم إسلام المرء إذا كان مستطيعاً إلا بشد الرحال إلى البيت الحرام- خول هذه المزية لنبيه إبراهيم (ع)، وياله من توفيق!.. أن يكون هو الباني وإسماعيل -ذبيحه- هو المعين له على بناء الكعبة.
والذي يجعل إبراهيم متميزاً في هذه الحركة البنائية، أنها حركةٌ عمرانيةٌ من أرقى أبنية التاريخ، أضف إلى حالته الإبراهيمية من الانقطاع وهو يرفع القواعد، متوسلاً إلى الله عز وجل أن يتقبل منه هذا العمل، رغم أنه كان في حالة طاعة، وليست عليه الفضائيات وغير ذلك، حيث كان يبني في وادٍ غير ذي زرع.. ولعل هاجر وإسماعيل أيضاً كانوا معه، يطلبون التسديد من الله عز وجل.. قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

س2/ إن من سمات النبي إبراهيم (ع): أنه كان يحمل هم أمته وذريته، ويدعو لهم بإقامة الصلاة، حيث يقول تعالى: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.. فما هو الدرس العملي في ذلك؟..
لو أردنا أن نستقرئ حياة الأنبياء، نلاحظ أن الدعوة إلى إقامة الصلاة -لا بمعنى الأداء المجرد، بل إقامتها بحدودها الإلهية، لتحقق ماهيتها: في كونها معراج المؤمن، وقربان كل تقي، والناهية عن الفاحشة والمنكر- من السنن الثابتة، لأنها حلقة الوصل بين العبد وربه.. فالأنبياء لهم ارتباطهم بالله -عز وجل- من خلال الكتب السماوية والوحي، أما بني آدم فهم يرتبطون بالله -عز وجل- من خلال الوقوف بين يديه تعالى .
ومن الملفت هنا في هذه الآية: {لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}.. وكأن هنالك رابطة بين إقامة الصلاة وبين محبة القلوب.. وعليه، فإن رب العالمين إذا أراد أن يتبنى عبداً أو يسدده، يلقي عليه المحبة، والذي يريد أن يصل إلى هذه الدرجة من التبني الإلهي: إلقاءً لحبه في قلوب الناس، وتسديداً له في مواجهة مختلف الظروف القاسية، عليه باتباع بعض الطرق التي منها: الاستعانة بالصلاة، كما يقول تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}.. كما حفظ الله هاجر -تلك الأم الغريبة- وأنبع لها ماء زمزم، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم من كل حدب وصوب.

س3/ إن من أجلى صور التفويض الإلهي عند إبراهيم (ع): هو تركه لذريته في وادٍ غير ذي زرع، فكيف اكتسب الخلود من خلال ذلك العمل؟..
إن إبراهيم (ع) من سماته التي جعلته متميزاً في حياة البشرية هو هذا التفويض، فقد كان من أتم مصاديق الذين فوضوا أمورهم إلى الله عز وجل، ونفوا عن أنفسهم كل اختيار، ومن هذا التفويض:
همه بذبح ابنه إسماعيل تصديقاً لرؤيا في المنام، حيث قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.. فقطعاً إن هذه حركة غير طبيعية، فلم يكن الأمر بتسليمه لمن يذبحه، أو لجهة يقاتل فيها، فيقتل في سبيل الله، بل بأن يذبح الأب ولده.. أضف إلى كون الأمر مناماً -أي بمعنى أنه أدنى صور الوحي- ومع ذلك نلاحظ بأن إبراهيم يبادر بتنفيذ ذلك التكليف الشاق، مستسلماً للأمر الإلهي.
وبعض العلماء يرجح بأن إسماعيل أكثر تفويضاً؛ لأنه لم يكن بمستوى أبيه، ولكنه استسلم للأمر الإلهي.. بل أوصى أباه بأن يشد عينيه بعصابة؛ كي لا تأخذه رقة الأبوة، وأن يشد رجليه ويديه؛ لئلا يرى حالة الذبح.
ومن الغريب أن إبراهيم عندما جاء بسكين قاطعة، وأخذ يجرها على عنق ولده، تأذى من عدم تأثير السكين، وقد كان يفترض بأن تنتابه حالة من حالات الفرح، بأن التكليف رفع عنه.. وقد ورد في بعض النصوص: أنه سمع صوت السكين تقول: (الخليل يأمرني، والجليل ينهاني).
وعليه، فإن هذا التفويض الإبراهيمي في ذبح ولده، وتفويضه عندما ألقي في النار، حيث رفض طلب المعونة حتى من الملائكة، وأخيراً في جعل ذريته بوادٍ غير ذي زرع -مع أن الأنبياء أغير الناس، فكيف ترك زوجته في هذا المكان البعيد!..- فكل تلك الأمور كانت من موجبات ارتفاع مقام إبراهيم، وخلوده الذي نلاحظه في حياة هذه الأمة.

س4/ إن هذا النبي العظيم ذكر أروع العبارات في تعليم العباد المحاسبة والمراقبة، من خلال قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء}.. فهل لكم أن تحدثونا حول المحاسبة والمراقبة في الحركة التكاملية للإنسان؟..
إن مسألة الصلاة من العناصر الثابتة في الحركة التكاملية لكل الأنبياء والأمم، وكذلك مسألة المراقبة والمحاسبة، فإنها ركن أساسي من أركان التكامل والوصول إلى الله، ومثل الإنسان الذي لا يحاسب نفسه، كمثل الذي يسوق دابة وهو مغمض عينيه، فلا شك بأنه سيكون عرضة للوقوع في المطبات والمزالق المهلكة.
ثم إن المراقبة والمحاسبة هي السمة الغالبة أو المستوعبة، لا للأنبياء فحسب، وإنما حتى الصلحاء!.. وقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم؛ فإن عمل خيرا، استزاد الله منه، وحمد الله عليه.. وإن عمل شرا، استغفر الله منه، وتاب إليه).. والمراقبة الشاملة الناجحة: هي تلك المراقبة التي تنال حتى الخلجانات الباطنية، والنوايا التي يستبطنها العبد في تعامله مع الناس، كما قال إبراهيم (ع): {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}.. وكما في قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}.

س5/ ما هو السر في تأكيد النبي إبراهيم (ع) على القلب السليم بقوله: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؟..
إن القلب السليم -كما نفهم من خلال العبارات: العلمية، والفلسفية، والروائية، والتفسيرية- هو بمثابة الحكم الذي يحكم الوجود الإنساني.. ومن المعلوم أن الإنسان قد يعتقد بفكرة ما، ولكن هذه الفكرة لا تتغلغل إلى مرحلة أخذ القرار في النفس، بل تكون مجرد اعتقاد نظري، لا يتعدى إلى مستوى التنفيذ والعمل بالجوارح، كالأخوة المدخنين فهم يعتقدون بالأضرار السلبية للتدخين، إلا أن هذا الاعتقاد لم يتغلغل إلى الأعماق، ويصل إلى مركز الإرادة وأخذ القرار عند الإنسان، والذي بدوره يصدر الأوامر: تنفيراً، أو تحبيباً في عالم الجوارح.. فإذن، إن كل المشاعر: من الحب، والبغض، والأمل، والرجاء، وغير ذلك.. منقدحة في القلب، وبالتالي فهي تحول على شكل حركة جوارحية.
ثم إن من أفضل التعاريف بالنسبة للقلب السليم: هو القلب الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه، لا بمعنى أنه لا يهوى الباطل، أو لا يهوى المعصية.. بل إنه أصلاً أصبح فارغاً من كل عناصر الشر، فلم يبقَ فيه إلا حب الله، وأنا أضيف: وحب ما يقرب العبد إلى الله، وحب من يحبه.
إلا أن العبد إذا بالغ في ارتكاب الحرام، تتراكم الشوائب والنكات السوداء على قلبه -كما في الروايات- وتزداد اتساعاً حتى تغطي القلب بأكمله، فيصل إلى مرحلة الختم -والعياذ بالله- حيث يصبح مرتعاً لعناصر الشر، وبعيداً عن تلقي الهدى، مثله كمثل جيفة تكاثرت عليها الديدان، وليس هنالك ما يوجب التعقيم.. فبالتالي يعتبر من أسوأ المظاهر في عالم الوجود.

س6/ هنالك حركة ظاهرة للنبي إبراهيم (ع) حول موضوع الحج الإبراهيمي، فما هي دلالات هذه الحركة؟..
إن الحج سر من أسرار الشريعة، التي لم تكتمل بصورتها الكاملة إلا من خلال الإسلام المحمدي، الذي يعتبر خاتمة الأديان.. وهنالك تعبير جميل عن الحج يقول: بأن رب العالمين أوجب الصوم مرة في السنة، بمعنى أن مفعوله يستمر إلى سنة كاملة، بينما الحج في العمر مرة واحدة، أي أنه إذا كان صحيحاً مقبولاً؛ فإن الآثار المترتبة عليه كافية طوال العمر.
فإذن، إن الحج الصحيح كافٍ لربط الإنسان بالحركة الإبراهيمية بكل صورها.. فنحن عندما نذكر خصوصيات نبي الله إبراهيم: من تحطيمه للأصنام، إلى انقطاعه إلى الله، إلى إخلاصه العمل لله، إلى الحج: بسعيه، وطوافه، وهرولته، ورميه، ووقوفه في عرفة، لنتعلم الدور الذي مر فيه إبراهيم (ع).
فمثلاً في السعي: نلاحظ أن الإنسان يعيش حالة هاجر، وهي تهرول في وادٍ غير ذي زرع، تبحث عن الماء.. وكيف أن رب العالمين فرج همها، واستجاب دعاءها، بهذا الماء المتدفق إلى يومنا هذا، والذي هو شفاء لما شرب له.
فالذي يسعى بين الصفا والمروة، ويعيش هذه الحالة -بأن الله لو أراد شيئاً، هيأ أسبابه، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء- فقطعاً ستستجاب دعوته وتحقق أمانيه، كما استجاب الله لهاجر.
أما الدرس العملي المستفاد من الرجم: إن إبراهيم (ع) برغم أنه بلغ ما بلغ من درجات الاصطفاء الإلهي، إلا أن الشيطان يبدو أنه لا ييأس حتى من الأنبياء، ويحاول أن يحرفهم عن المسيرة، حيث كان يحاول أن يوسوس لإبراهيم، ولزوجته، وولده من أجل ثنيهم عن هذه المسيرة.
ولكن -مع الأسف- نقول: بأنا نرجم حصى الحجارة المنصوبة رمزاً للشيطان، من دون أن نتعلم هذه العملية في حركة الحياة بشكل دائم.. فالذي يرمي الشيطان بالحصيات المعهودة، عليه أن يتعلم عملية الرمي في كل محطات حياته، ليخرج منتصراً، كخروج إبراهيم منتصراً في صراعه مع فراعنة عصره.