تزكية النفس في كتاب (الأربعون حديثا)

س1/ نظراً إلى ضرورة الحديث عن النفس وتزكيتها في عالم غلبت عليه الحياة المادية بكل ألوانها وصورها.. بداية هل يمكن أن تعرف لنا معنى التزكية وموقعها في الكتاب والسنة؟..
البحث عن التزكية وعن تهذيب النفس كان شغل العلماء طوال التأريخ من علماء الإمامية وغيرهم ، والسيد الإمام في كتابه: (الأربعون حديثاً) سار على سنة أسلافه من العلماء ، من أجل بيان نظراته فيما يخص تربية النفس وتزكيتها ، واختار في كتابه هذا أربعين حديثاً من روائع الأحاديث ، فمن يريد أن يصل إلى شيء في هذا المجال من المناسب جداً أن يراجع هذا الكتاب النفيس..
وأول حديث في هذا الكتاب والذي هو أيضاً أول حديث في كتاب وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي هو حديث جهاد النفس الجهاد الأكبر الذي عبر عنه النبي الأكرم (ص)..
أولاً لفت نظري من خلال مراجعتي لكتاب وسائل الشيعة أن الحر العاملي - وهو طبعاً ألف كتاب فقهياً روائيا باسم وسائل الشيعة - عندما وصل إلى باب جهاد النفس صدر بابه بهذا التعبير: (باب وجوبه) أي وجوب مجاهدة النفس ، والمعروف في الأوساط العلمية أن الحر العاملي صاحب الكتاب قد يضمن فتاواه من خلال عناوين الأبواب ، ومع أن هذه الروايات ليس فيها ما يشعر بالوجوب الصريح ولكن صاحب الوسائل -رحمه الله- صدر كتابه بكلمة باب وجوبه ، مما يدل على أن القضية في مستوى عالٍ من الأهمية..
السيد الإمام في كتابه والشيخ الحر العاملي في وسائله صدرا بحثهما بهذا الرواية عن النبي الأكرم (ص) : أن النبي (ص) بعث سرية فلما رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر ، فقيل: يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس.
حقيقة هذا الحديث على رغم أنه سطران ولكن فيه معان شامخة جداً :
أولاً: النبي (ص) ما بعث هذه السرية لأجل السياحة أو للقيام بأمر استحبابي ، وإنما بعثهم للقيام بأمر واجب وهو دفع الأذى عن المسلمين أو مهاجمة الكفار ، فلما قال النبي (ص) عن جهاد الأعداء بأنه هو الجهاد الأصغر ، ومعلوم ضمناً بأنه واجب هذا الجهاد ، فمعنى ذلك أن هذا الوجوب موجود بشكل آكد وأشد في جهاد النفس ، والنبي سماه بالجهاد الأكبر..
ثانياً: أن النبي (ص) أوجب على المسلمين أن يذهبوا للجهاد في هذه السرية ، رغم أن هذه السرية فيها الكثير من المخاطر ومنها الموت ، فإذا كان الموت من أجل أداء الجهاد الأصغر أمراً سائغاً ، فكيف بالجهاد الأكبر؟!.. فإنه لا شك أنه يحتاج أن يجهز الإنسان نفسه في هذا الطريق ليقضي نحبه ، طبعاً بالمعنى الباطني أي بمعنى مجاهدة النفس ، وقتل جهات الشر في نفسه ، من أجل أن يصل إلى مرحلة الكمال..
ثالثاً: من الملاحظ أن النبي الأكرم (ص) قارن بين الجهاد الأكبر للنفس بالجهاد الأصغر في الميدان ، ومعنى ذلك أن هنالك حربا بين عدو خارجي كقريش يحارب المسلمين في بقعة جغرافية كبدر ، وبنفس المستوى هنالك حرب بين جبهة أعرض وأقوى من جبهة قريش ألا وهو الشيطان وأعوان الشيطان.. فجنود الجهل وجنود الشيطان في ناحية وهذا الإنسان الوحيد في ناحية أخرى ، ففي الجهاد الأصغر هنالك جيش يقاتل من المسلمين ، وهنا الإنسان وحده في قبالة عدو أقوى منه.. قريش ممكن رؤيته فيسهل قتاله ، ولكن الشيطان لا يمكن ان يرى.. فحقيقة الامر انها معركة مخيفة ومرعبة!..
ثم يقول السيد الإمام (قده) في كتابه: هنالك سبعة أقاليم تدور فيها المعركة ، فمن المعلوم أن المعارك لها ساحات قتال ، وساحة قتال الجهاد الأكبر عبارة عن: الأذن ، والعين ، واللسان ، والبطن ، والفرج ، واليد ، والرجل.. أي أن كل هذه الأعضاء ساحات للقتال مع الشياطين وجنود الشياطين..
فهذا تصوير عام للمعركة ، والفوز في هذه المعركة يعني الخروج بالتزكية ، إذ أن التزكية في هذه المعركة تساوي القضاء على العدو في المعركة الأخرى..

س2/ ما هي شروط المجاهدة؟..
أول شرط من شروط المجاهدة: هو التفكر..
ومن المعلوم أن التفكر مقدم على المجاهدة والعبادة والصوم وما شابه ذلك.. وهو بمعنى أن يعرف الإنسان بأنه ما خلق سدى ، فرب العالمين ما خلق هذا الوجود المذهل وما جعل في الأرض خليفة ، لينتهي الأمر أن يتمتع الإنسان كما تتمتع الأنعام ، فهنالك غرض من صاحب الوجود ، ولابد أن نتعرف على هذا الغرض من صاحب الخليقة..
يقول الإمام الرضا (ع): (ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم ، إنما العبادة التفكر في أمر الله عزّ وجلّ).. فالمراد بأمر الله هنا ليس البحث في الذات الإلهية وإنما في غرضه من هذه الخلقة..
ويقول الإمام الصادق(ع): (التفكر يدعو إلى البر والعمل به)..
صحيح هو تفكر وقد يكون في غرفة مغلقة ولكن هذا الفكر مقدمة لكل خير ، كما أن شياطين الأنس في غرفهم المغلقة يخططون المؤامرات الكبيرة وتنعكس في الساحة ، فهي كلها أفكار واستراتيجيات في أماكن مغلقة..
والشرط الثاني: هو العزم..
فبعد أن تفكر الإنسان فإنه يعزم على أن يخرج من هذا الواقع..
وهنا أيضاً نقطة جداً جميلة في الأربعون حديثاً يقول فيها السيد الإمام (قده): نحن لا نريد من العزم ما أراده ابن سينا حيث عبر عنها بالإرادة ، حيث يقول ابن سينا: (ان اول خطوة فى سير العارفين هى الارادة ، وتلك الحالة هى الرغبة فى التعلق بالحبل الالهى المتين ، لانها تمخضت عن اليقين الحاصل من البرهان ، او من خلال تهدئة وتسكين الذات بالايمان .. وفى النتيجة سيكون السر يتحرك وينتجه نحو القدس حتى يحصل على روح الاتصال وما دام العارف على هذه الدرجة يسمى مريداً)..
يقول نحن لا نريد الإرادة وإنما نريد العزم ، ويفسر العزم بأن يوطن الإنسان نفسه ويتخذ قراراً بترك المعاصي.. ففرق بين الإرادة وبين توطين النفس على ترك المعاصي ، وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة ، فأنه سوف يصل إلى الخطوات المتقدمة في عالم التزكية.

س3/ ألا يمكن أن يؤدي الانشغال بالنفس إلى العزلة عن المجتمع كما لاحظنا من ظهور الفرق المنحرفة عبر التأريخ التي تدعو إلى التقوقع والإنزواء؟..
من الملاحظ أن هنالك ما يسمى بحالة من حالات التحليق الناقص.. فبعض الناس من بركات بعض المجاهدات والأذكار والأوراد والخلوات حتى بعض المجاهدات الأنفسية والخارجية ، قد يصل إلى حالة من حالات الشفافية الروحية ، ومن الطبيعي أن الإنسان الذي يعيش شيئاً من لذائذ عالم المعنى فإنه يكاد يحتقر أو يستقذر لذائذ عالم الطبيعة ، وبالتالي ينفصم عن الواقع وعن المجتمع..
ومن ناحية أخرى فهذا الإنسان ما وصل إلى مرحلة مستقرة من مراحل الوصل ، فلا هو من أهل الدنيا بمعنى الانشغال بانشغالات أهل الدنيا ، ولا هو من أهل الآخرة لأنه لم يصل إلى ركن وثيق.. وهؤلاء يمكن أن نعبر عن حياتهم بأنها حياة تعيسة ، لأنهم يعيشون حالة من الحالات البرزخية ، وهم عرضة لمختلف صور الأمراض الروحية والنفسية كالاكتئاب والانفصام في الشخصية وغيره..
والحل هو أن يعيش الإنسان في الناس ولا يكون معهم ، بمعنى أن يعيش حياته الطبيعية خارجاً ولكن في باطن الأمر يعيش حالة من حالات المراقبة.. وهذه أيضاً عبارة من كتاب الأربعون حديثاً للسيد الإمام (قده) يقول:( المراقبة لا تتعارض مع أي من أعمالك كالكسب والسفر والدراسة ، فكن على هذه الحال إلى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة)..
إذن، الكمال كل الكمال أن يعيش الإنسان حالة الاستحضار الإلهي والذكر المتصل وهو يزاول نشاطه ، ومن المعلوم أن أئمة أهل البيت (ع) قد زاولوا الفلاحة والزراعة والحرب والقضاء والتدريس والمعاشرة مع العائلة ، ومع ذلك ما ذهلوا عن الله تعالى طرفة عين..

س4/ ظهر في هذا العصر الكثير ممن يدعي العرفان والوصول إلى الله تعالى والناس مبتلون كثيراً بهذا الأمر ، فكيف يمكن التمييز بين العارف الصادق عن غيره ممن يدعي العرفان ؟..
إن هذه مصيبة المصائب وهو حديث ذو شجون!..
فالمشكلة أن العلوم التخصصية الأكاديمية كالطب والهندسة والفقه والأصول -كما نعلم- تحتاج إلى سنوات من التخصص ، والإنسان الذي هو أجنبي عن المادة يتبين من خلال كلامه أنه لا يفقه شيئاً في هذا العلم ، بينما في القضايا الأخلاقية باعتبار أن القضية قضية سلوكية والمعلومات فيها واضحة ، فالأمر لا يحتاج إلى مستوى أكاديمي متميز ، فنفس سهولة المادة تجعل البعض من الأدعياء من النساء والرجال يتصدون لهذا الأمر ، وخاصة بأن القضية فيها بعض المزايا من جمع المريدين وجمع الأموال وأمور أخرى أيضاً لا يحسن ذكرها ، وبالتالي كثر المدعون طوال التاريخ وليس فقط في هذا العصر..
ومع الأسف في هذا العصر باعتبار أن الناس - وخاصة في البلدان المترفة - وصلت إلى نهاية الترف ، حيث كل صور المتاع متاحة ، ومن هنا فالإنسان يرى نفسه أنه لازال ضائعا ولم يصل إلى بر الأمان ، وأنه يعيش حياة سرابية ، إذ جعل البيت مثلا هي الغاية فلما وصل إليها لم يجده شيئاً فوجد الله عنده فوفاه حسابه ، ولهذا إذا فتحت لهم كوة أو مجال لعالم الغيب وعالم الترقي الأخلاقي فإنهم يندفعون بسرعة ، فيأتي إنسان متطفل أو قاطع طريق ويسرق هؤلاء ويأخذهم إلى جهته..
وأما كيف نميز بين الصادق والمدعي ، فهنالك عدة علامات فاضحة لمثل هؤلاء منها:
أولاً: كثرة الدعاوى العريضة والمبالغة فيها..
فالذي يريد أن يأخذ بيد الآخرين ويؤثر فيهم ، فلا ينبغي أن يعتمد على أساليب ملتوية وغير متعارفة ، بل عليه أن يبث علومه في الناس ويدعوهم إلى الله عزوجل ولا يكن همه المريدين ، وقد ورد هذا المضمون الجميل في روايات أهل البيت (ع): (إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأّسون ، فوالله ما خفقت النّعال خلف رجل إلا هلك وأهلك)..أي أن الذي يريد أن يسمع أصوات من يطأ خلفه من الرجال وغيرهم ، فهذا علامة على أنه إنسان لا حقيقة له ، ولا يرجى منه نفع لدنيا فضلاً عن الآخرة .
والملاحظ - هذه الأيام وأنا أقول عن علم وشهادة حسية لا ظنية - هو الاتصال بالغيب عبر المنامات وعبر المكاشفات ، ونقل أوامر شرعية ، والادعاء بأخذ الكلام مباشرة من المعصوم الفلاني.. والقضية جداً خطيرة ، وحقيقة تصديق هؤلاء والسعي خلفهم والترويج لهم ومساعدتهم إعانة على هدم الدين..
ثانياً: الابتعاد عن خط الكتاب والسنة..
فالبعض قد يأتي بأمور مجانبة للشريعة.. ومن المعلوم أن الكتاب ما ترك شيئاً من الكليات ، وسنة أهل البيت (ع) ما تركت شيئاً في التفريعات ، فلماذا الاعتماد على أقوال لا أساس لها ممن هم لا يركن إليهم؟!..
ثالثاً: الخواء العلمي..فالذي كتب في الأخلاق أمثال النراقي والحر العاملي والفيض الكاشاني والسيد الإمام والشهيد مطهري رضوان الله عليهم ، هؤلاء كانوا علماء ولم يكتبوا في العرفان والأخلاق من فراغ ، فقد درسوا الفقه والأصول والرجال والحديث.. أما أن يأتي إنسان من عامة الناس -كما هو الملاحظ هذه الأيام- ليس له من العلم شيئاً ، ولا يفقه أوليات الشريعة في الفقه ، ويريد أن يكون قدوة للعارفين كما يقولون.. فهذا أمر غير مقبول أبداً!..

س5/ من الملاحظ أن العقبة الأساسية في السير إلى الله تعالى بشكل عام وفي تزكية النفس بشكل خاص هو الابتلاء بالشهوات ، خصوصاً في هذا العصر حيث إمكانيات الإنسان محدودة أمام الإغراءات المتزايدة يوماً بعد يوم.. فكيف يمكن للإنسان أن يتغلب على هذه العقبات؟..
هذه أيضاً من الأبحاث المهمة في هذا المجال.. فالحرام والاستهانة بالحرام له أثران..
فالأثر الأول: هو تأجيج نار الشهوة ، وقد ورد عن الصادق (ع) : (مَثَل الدنيا كمَثَل ماء البحر ، كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله)..فالتعبير بالدنيا تعبير عام وينطبق تحته الشهوات المحرمة..
والأثر الثاني : فهو تحويل الإنسان إلى موجود همه الشهوة ، فيصبح لا يبالي بالحلال والحرام..
والملاحظ -مع الأسف- عند بعض الشباب ، هذا التبرير لمشاهدة الأفلام والصور الخلاعية ، بأنها مجرد نظرة إلى صورة وتنتهي ، وأنه ليس بانياً على الحرام.. والحال بأنه لا يعلم أن هذا الفيلم يثير غرائزه ويجعل الخلايا الهرمونية والغدد الهرمونية تفرز في دمه ، وعليه فقد يصل الامر الى مرحلة يحس عندها ان الصورة لا يشبع منها ، فيبحث عن الواقع الحقيقي ، فإذا لم يجد الواقع الحلال -كما هو الغالب- فإنه يذهب إلى الواقع المحرم..
ولهذا ورد في الروايات أن النظر سهم من سهام إبليس ، ومن المعلوم أن الإنسان يصيد حيواناً كبيراً بسهم أو بطلقة ، فهي طلقة صغيرة ولكن تضعف قوة ذلك الحيوان الضخم فيأخذه الإنسان..
وفي كتاب الأربعون حديثاً يركز السيد الإمام (قده) على حرام وإن كان هذا الحرام من الصغائر ، ولكن يقول إن هذه الصغيرة باب إلى مفاسد أخرى ألا وهو الغناء ، وهذا نص العبارة : (إن أكثر ما يسبب فقد الإنسان العزم والإرادة هو استماع الغناء)..فالذي يسمع الغناء يعيش عالم شهوي خيالي ، وبالتالي يفقد السيطرة على إرادته ، فلاحظوا هو غناء ولكن النتيجة عبارة عن فقد العزم والإرادة!..
وبعبارة مختصرة: إن الذي يستذوق ويستلذ الحرام من الممكن أن لا يرتكب الحرام من باب المجاهدة ، ولكن قد يغلب عليه هواه كما هو معروف في المثل: (الطبع يغلب التطبع) ، ومن هنا فلابد للمؤمن من المجاهدة -كما قلنا في أول الحديث وجوب جهاد النفس بفتوى صاحب وسائل الشيعة الحر العاملي - ولابد أن يصل إلى مستوى يستقذر الحرام بمعنى أنه لا يرى للحرام جاذبية ، وإذا وصل لهذه الدرجة فإن تركه للحرام سيكون بشكل انسيابي جداً ولا يخشى عليه من المهالك.

س6/ كيف يمكن للإنسان تفادي حالات العجب والغرور عندما يحقق الخشوع في صلاته فيظن بأنه قد بلغ مرتبة الخشوع والكمال؟..
لابد من التفريق بين الحال والمقام ، فهذه الحالات المتقطعة التي قد يجدها الإنسان في الصلاة وفي العمرة وفي الحج بمثابة أمطار موسمية ، ومن المعلوم أن المطر الموسمي لا يعول عليه في إنبات الزرع ، فلابد من تحويل الحالات المتقطعة إلى مقام وإلى حالة ثابتة وراسخة في النفس..
فعليه، الإنسان قد يخشع في صلاة وفي ركعة وفي زيارة ولكن هذا لا يعول عليه ، وبعض الأوقات هذه الحالات قد تغش الإنسان وتعطيه انطباعا كاذبا عن مستواه الإيماني..

س7/ من موجبات تحريف مسيرة الإنسان وقلب كيانه الباطني هو مسألة الغضب ، فكيف يمكن أن يتخلص الإنسان من هذه الآفة؟..
الغضب مثله كالشهوات في تأجيج موجبات الفساد والإفساد ، وهو حالة من حالات تفاقم الإنية وبروز النفس بهيئة فرعونية أو نمرودية ، مما يجر الإنسان إلى أن يتجاوز الحدود الشرعية..
وقد ورد عن النبي الأكرم (ص) : (أفضل الجهاد من أصبح لا يهم بظلم أحد)..
فالذي لم ينوِ أن يظلم أحداً فإنه من الطبيعي أن لا يغضب ، لأن الغضب مقدمة لظلم الآخرين ، فإذا هو نفى للمقدمة فإن الموجب أيضاً ينتفي..
قال إبليس لنوح (ع) : لك عندي يدٌّ سأعلمك خصالاً ، قال نوح : وما يدي عندك ؟.. قال : دعوتك على قومك حتى أهلكهم الله جميعاً ، فإياك والكبر !.. وإياك والحرص !.. وإياك والحسد !..
فإنّ الكبر هو الذي حملني على أن تركت السجود لآدم ، فأكفرني وجعلني شيطاناً رجيماً ..
وإياك والحرص !.. فإنّ آدم أُبيح له الجنّة ونُهي عن شجرة واحدة ، فحمله الحرص على أن أكل منها ..
وإياك والحسد !.. فإنّ ابن آدم حسد أخاه فقتله .. فقال نوح (ع):
فأخبرني متى تكون أقدر على ابن آدم ؟.. قال : عند الغضب .

وعليه، فالإنسان عندما يغضب فإن الشيطان يستولي عليه إلى درجة يسلبه الاختيار..

س8/ من الأمور المهمة التي يكثر السؤال عنها عندما يطرح موضوع تزكية النفس هو مسألة وجود المربي ، فهل وجود المربي ضروري لتزكية النفس؟..
إذا قلنا أن وجود المربي لا ضرورة له ، ولا نفع له ، فهذه مكابرة ومغالطة!.. فمن المعلوم في الرياضة البدنية أن البدن يحتاج إلى تدريب ومدرب خاص.. فإذا كان ترويض عضلات الرجلين والفخذين واليدين والبطن وغيره يحتاج إلى مرب تعطى له ملايين الدولارات ، فكيف بتهذيب الباطن الذي لا يرى ، وهو أعقد ، وهو الباقي ، والبدن هو الفاني!..
وإذا قلنا الأمر متوقف على المربي ، فمعنى ذلك أنه عطلنا السير وعطلنا الحركة التكاملية!.. فماذا نعمل بالآيات القرآنية المطلقة الداعية إلى الفرار إلى الله عزوجل :{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} ، {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}؟!..
أقول: بأن وجه الجمع بين ضرورة وجود مربي ، وبين أنه الشريعة والحركة التكاملية تتعطل مع هذا القيد ، هو ما ذكره القرآن الكريم ، وهو تعبير جداً جميل عن النبي الأكرم (ص) ، يقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.. فالأسوة الحسنة لا يحتاج إلى أن يكون بين ظهرانينا..
فمرة الإنسان يريد إنساناً مقلَّداً يقلده في مشيته ، وهذا يحتاج أن يكون حياً وحاضراً ، ولكن الأسوة عبارة عن مفاهيم ورؤى ، فالقرآن الكريم مربي ، وأحاديث النبي (ص) مربية ، وسيرة النبي (ص) مربية..
فإذن، إذا وجد الأستاذ الصالح - وليس المزيف - فنور على نور ، وإذا لم يوجد الأستاذ المربي الصالح ، فينبغي احتذاء الطريق الذي سلكوه أهل البيت (ع) والعلماء والصالحين.. ومن المعلوم أنه فرق بين مريم (ع) وبين آسية!..حيث مريم وجدت لها مربيا كزكريا (ع) ، ولكن آسيا ما وجدت لها مربيا بل وجدت لها معذباً وهو فرعون ، ومع ذلك صارت من مميزي التاريخ من النساء وهن : هي ومريم وخديجة ومولاتنا الزهراء (عليهم السلام).

س9/ هل تزكية النفس تأتي بإطاعة أوامر ونواهي العقل ، أم بإطاعة أوامر ونواهي القلب؟..
نحن ذكرنا من خلال أوائل الحلقة أن أول خطوة في موضوع تزكية النفس هي التفكر والتأمل..
التفكر لا نعني به التفكر المحض ، أي أن يفكر الإنسان من فراغ ، بل يفكر مستعينا لمخزونه الباطني ، ويفكر في مقولات الآخرين في الكتاب والسنة وكلمات العلماء ، ومن المعلوم أن هنالك بعض الكلمات الواردة من علماء السلف تفتح للإنسان أبوابا كبرى في المعرفة الإلهية..
وبعد أن اطلع الإنسان على المفردات العلمية في هذا الباب ، وهو ما عبرنا عنه باستيعاب النظرية عقلياً ، عندئذ فان القلب يوطن نفسه على أن يعمل بمقتضى ما توصل إليه في البحث النظري ، وهو ما عبر عنه السيد الإمام (قده) بالعزم.. فإذن، ذكرنا التفكر ثم العزم..
فعليه، القلب إذا وافق العقل ، وتبنى مضامين العقل صدرت الجوارح على وفق هذا الامير الداخلي ، وهنا - طبعاً -يأتي دور الشيطان أن لا يجعل اتصالا وتفاعلا بين القوى العقلية وبين قوى القلب ، أي يجعل الإنسان لا يوطن نفسه على ما اعتقد به ، ولهذا فالقرآن الكريم يقول: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ }.. فالعلم موجود ، ولكن في مقام العمل هذا العلم ما أصبح له من موجبات النجاة أي صار حجة عليه لا له!..

س10/ بالنسبة للوصول إلى تزكية التفس ، هناك طريقة نتعلمها من هذه الفقرة الموجودة في الزيارة الجامعة: (وجعل صلاتنا - صلواتنا - عليكم وما خصّنا به من ولايتكم طيباً لخلقنا ، وطهارةً لأنفسنا - وتزكيةً - وبركةً لنا ، وكفّارةً لذنوبنا..)..أليست ولاية أهل البيت (ع) هي طريق لتزكية النفس؟..
نعم بلا شك!..
فقضية أهل البيت (ع) ليست قضية طائفة أو فرقة من فرق المسلمين ، القضية أن هناك إسلاما يتمثل على شكل حقيقة واحدة ، وهذه الحقيقة الواحدة ينظر لها من زوايا مختلفة ومن نوافذ متعددة ، وأصفى هذه النوافذ وأقدرها على كشف هذه الحقيقة هم أهل البيت (ع) ، الذين جعلهم الله عز وجل الحبل المتصل بين الأرض والسماء..
ومن المعلوم أن من مهام إمام كل عصر أن يرعى شؤون المؤمنين ، وعلى الخصوص السالكين إلى الله عزوجل ، كالشمس وراء السحاب.. وفي زماننا هذا فاننا نعتقد -بلا شك- أن الإمام المهدي (ص) من مهامه أن يتبنى القابليات المتميزة ، بمثابة المزارع أو الشخص الذي له مشتل ، ويرى بعض الزهور المتفتحة المتميزة ، فيخرجها من الحديقة العامة ليزرعها في دائرة أضيق تحت الرعاية الخاصة..
الإمام (ع) -وهذه القضية مدللة ومبرهنة ومجربة- له في كل عصر من يرعاهم ، وهذا لا يعني أنه الطرف يدرك هذه الرعاية ، إذ قد تكون الرعاية من دون التفات..
فإذن، الالتجاء إلى أهل البيت (ع) من موجبات تسديد الإنسان السالك ، وخصوصاً بصاحب الأمر (ص) وطلب الرعاية منه ، ومن مصاديق هذا الالتزام في عالم الااقوال هو الالتزام بزيارة آل ياسين فإن فيها مضامين رائعة جداً ، وقد حث عليها صاحب الأمر (عج)  إذ قال:
(بسم الله الرحمن الرحيم ، لا لأمره تعقلون ، ولا من أوليائه تقبلون ، حكمةٌ بالغةٌ فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون..السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .
إذا أردتم التوجه بنا إلى الله وإلينا ، فقولوا كما قال الله تعالى: سلامٌ على آل يس.. السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته.. السلام عليك يا باب الله وديان دينه.. السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقه.. السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته.. السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه.. السلام عليك يا بقية الله في أرضه ...الخ.).

ومن المناسب الإكثار من هذا الدعاء : (اللهم لين قلوبنا لولي أمرك) في القنوت وغيره ، ورب العالمين سيلين قلب وليه لمن أراد.

س11/ منهم من يقول أن الإنسان إذا وصل إلى درجات من التزكية فإنه تسقط عنه الواجبات الشرعية ، مستدلين بقوله تعالى : {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ؟..
طبعاً هذا كلام واضح سخفه!.. لأنه الإسلام جاء بالشريعة ، وهذه الشريعة فيها فقه ، والفقه يتناول الجوارح ، فالعبادات سواء الصوم والحج والصلاة وغيرها عبادات جوارحية ، فلابد من القيام بالعمل الجوارحي..
ونحن ندعو إلى أن نبحث عما وراء الفقه ، فالفقه لابد منه ، أي لابد من تشغيل الأعضاء والأركان بالعبادة ، ثم نبحث عن الخلفية لذلك ، كما في رسالة الحقوق للإمام السجاد (ع) إذ نلاحظ كيف أنه يحول الصلاة العبادية كفرع من فروع الدين إلى حركة تكاملية عندما قال: (وحق الصلاة أن تعلم أنها وفادة إلى الله عزوجل).. فقد جعل الصلاة ليس مجرد ركعات تؤدى خارجاً ، وإنما جعلها وفادة وعروجا إلى الله عزوجل ، إذ لابد من وجود موضوع حتى نستغل هذه الموضوع من أجل الوفادة والعروج إلى الله عزوجل..

س12/ نلاحظ أن السيد الإمام (قده) في كتابه: (الأربعون حديثاً) دائماً يتحدث عن السيطرة على طائر الخيال ، أي أن من مراحل تزكية النفس هي السيطرة على طائر الخيال لدفع سيطرة الوهم على الوجود.. فكيف تفسرون ذلك ، وما هي نصيحتكم في هذا المجال؟..
إن هذا الابتلاء  هو ابتلاء الكثيرين ، ومن المعلوم أن الإنسان إما مبتلى بالوهم أو بالغضب أو بالشهوة..
أنقل لكم هذه الفقرة من الكتاب ،حيث يقول : (واعلم أن أول شرط للمجاهد في هذا المقام والمقامات الأخرى ، والذي يمكن أن يكون أساس الغلبة على الشيطان وجنوده هو حفظ طائر الخيال ، لأن هذا الخيال طائر محلق يحط في كل آن على غصن ، يجلب الكثير من الشقاء ، وأنه من إحدى وسائل الشيطان التي يجعل الإنسان بواسطتها مسكيناً عاجزاً)..
هذه هي المشكلة!.. والحل: هو التمرين ومعاودة جلب هذا الطائر ، فهذا الطائر صحيح أنه يطير ، ولكن هنالك حبلا مربوطا برجله ، فكلما حاول أن يطير ، على الإنسان أن يسحبه ويعيده إلى محله حتى لا يأتي إليه بالشقاء ، ويحرمه من الخشوع في الصلاة والدعاء والتركيز عند قراءة الكتب النافعة..
وحتى نختم الحلقة بكلمة أيضاً من الكتاب ، يقول:
(إن من الممكن من باب التجربة ، أن تسيطر على جزء من خيالك وتتنبه له جيداً ، فمتى أراد أن يتوجه إلى أمر وضيع ، فاصرفه نحو أمور أخرى ، كالمباحات أو الأمور الراجحة)..
إذن، كما أن هنالك جهادا في باب الغرائز والشهوات وضبط الغضب ، أيضاً هنالك جهاد لازم في مسألة السيطرة على الوهم والخيال! .. إذا توفق الإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة أى أن يفكر متى ما أراد ، ويُوقِف تفكيره متى ما أراد ، ولا يفكر إلا فيما يريد ، فقد وصل إلى أعلى درجات الكمال..
والملاحظ أن السيد الإمام (قده) جعل هذه المسألة أول شرط للمجاهد ، رغم أنه أبعد ما يكون عن فكر الناس السيطرة على هذا الطائر!.. ومن ذلك يعلم هذا البون الشاسع بين ما هو مطلوب من الإنسان وبين واقعه الحالي!..
فكيف لإنسان وهو بعد لم يسيطر على شهوته ، أن يسيطر على خياله!.. فأين هذا من هذه الدرجات العليا؟!..
فإذن، الذي لا يجد في السير ويسيطر على كل زوايا وجوده ، فهذا الإنسان لا يمكن أن يصل إلى درجة في القرب إلى الله عزوجل.