السفر بين التزود والتمتع

س1/ من المعلوم بأن فصل الصيف يمثل ما يقارب الربع من السنة ، ونظرأً لكون أكثر العطل والأجازات تؤخذ في هذا الفصل ، بالإضافة إلى أن البقاء في بعض البلدان يكون مرهقاً للبعض بسبب شدة الحر وغيره من الأسباب ، فإنه يكثر السفر في فصل الصيف.. فما هي نصيحتكم في هذا المجال ؟..

طبعاً ذكرتم موضوع السفر في الصيف ، ومن المفروض أن يكون الكلام حول عموم السفر.. المؤمن في سفر دائب إلى الله تعالى ، كما في قوله تعالى : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} وغيره من التعابير القرآنية التي تدل على أن المؤمن في حال سفر.. ولكن الكلام الآن عن السفر في الصيف ، أو ما يسمى في عرف القوم بالسفر الآفاقي ليس السفر الأنفسي..
كما ذكرتم حقيقةً الصيف ربع الحياة ربع السنة وقلَّ من يخرج بحصيلة متكاملة في هذه الإجازة الطويلة..
أولاً عنوان الحلقة مقتبس من الحديث الشريف أن: ( المؤمن يتزود والكافر يتمتع).. المؤمن هدفه أن يحول هذه الفرص الفانية إلى حياة باقية ، ما من حركة يقوم بها المؤمن إلا ويقصد من ورائها ما يربطه بعالم الأبدية والخلود ، أي ما يرضي الله عزوجل..
مبدئياً أحب أن أقرر هذه الحقيقة المزعجة أو المحزنة والمبكية: أنه ما رأينا أحداً غير المعصومين (ع) يمكن أن يدعي أنه استثمر حياته أفضل استثمار ، هنالك أوقات كثيرة ضائعة في حياة الإنسان على الأقل بعيد البلوغ ، الإنسان البالغ مكلف وعادة حتى الكبار بعد البلوغ ما عندهم ذلك النضج الكافي ، وبالتالي أوائل العمر تقريباً يقال بأنه في ضياع ، وأواخر العمر حيث الإنسان متعب ومرهق ومريض...الخ ، وفيما بينهما نرى بأن الأفراد قلما يستفيدون من هذه الفرص..
قرأت في سيرة العلامة الطباطبائي -صاحب تفسير الميزان- كان من سماته أنه كان يستغل كل لحظات عمره.. ومن الطريف أن أحد تلاميذه وهو الشيخ المحمدي يقول: بأنه ذهب إلى طبيب الأعصاب وكان مصاباً في أعصابه متوتراً ، فقال له: أنصحك بترك العمل العلمي والقراءة ، وكان يقول: أنه إذا ترك العمل العلمي الموت خيراً له!.. وبعد تحذير الطبيب ألف كتاب الميزان بأجزائه العشرين ، أي كانت حياة مباركة في خضم الأذى العصبي ، وأنا رأيته من قرب ، فقد كان مصاباً برعشة مزعجة كانت تمنعه حتى من الكتابة.. هو أيضاً لا نقول بأنه استثمر حياته كما ينبغي مئة بالمئة ولكن كان مستثمراً..

هنالك عدة عناصر لابد أن نلتفت إليها في السفر:
الهدفية في السفر..
المؤمن في كل أفعاله له هدف ، ليس هنالك أمر عشوائي أو اعتباطي بالنسبة للمؤمن ، إذا أراد أن يسافر فلابد أن يعين الهدف من السفر.. الهدف من السفر إجمالاً أمران أساسيان:
الأول: الاستجمام والتفرج في البلاد والسياحة وتخفيف الهموم ، وهذا يأتي من خلال النظر إلى الطبيعة والجبال وما شابه.. والثاني: الذي ينبغي أن لا يغفل عنه ، وهو أن يمتلك الإنسان جواً هادئاً مريحاُ لما بعد الحياة الطبيعية يمكنه من المطالعة والتفكير بشكل أيسر وأوقع في النفس.. فإذن، الهدف من السفر لابد من أن يصب في المصبين..

رفقة السفر..
البعض يسافر مع عائلته وهذا هو الأفضل بلا شك ، أن يذهب الإنسان مع أهل بيته ليراقب تحركهم وسيرهم ويدخل عليهم السرور ، ولكن البعض -مع الأسف- يهمل عائلته ويسافر مع رفقة سيئين ، فهو لم يكسب من السفر خيراً فحسب وإنما وقع في الشر!.. ومن الطريف أن نعلم أن البعض يتعهد تكاليف سفر رفقته إلى بلاد الفسق والفجور ، أي أنه بأمواله يدخل نفسه في نار جهنم ويدخل الآخرين أيضاً!..

مبادئ السفر:
ومنها العمل بالآداب الشرعية الواردة في السفر..
في كتبنا المختلفة كالبحار وغيره هنالك فصل بعنوان السفر.. الشريعة أيضاً لها آداب في عملية السفر تبدأ من عملية الصلاة ركعتين والدعاء قبيل السفر.. هذا أمر جيد أن يعمل الإنسان بها..
ومن الجميل هذا الدعاء في السفر: (اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، ولا يجمعهما أحد غيرك) أي أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ولا يوجد أحد يتصف بهاتين الصفتين.
كذلك من آداب السفر المهمة ، هو: السفر لأجل إراحة الأعصاب والروح..
مع الأسف البعض يزداد غضبه وتزداد حدته في السفر ، وبالتالي ينتقض ذلك الغرض الذي من أجله سافر..
وبكلمة جامعة، أن يخلو السفر من كل سلبية ومعصية ، ويتمتع بكل إيجابيات السفر ، وعندئذ يرجع الإنسان بعد الصيف ! وهو مرتاح البال بأنه صرف ماله في الموضع المناسب..

س2/ من الملاحظ على البعض أثناء السفر هو عدم امتلاك الجدية ، حيث يجعل وقت السفر فقط للهو والترويح عن النفس ، بدون أن يخصص وقتاً مثلاً للمطالعة الهادفة أو استماع موعظة قيمة.. فما هي نصيحتكم في هذا المجال ؟..

مشكلة هؤلاء هي مشكلة إستراتيجية الحياة..
هذه المشكلة تأتي أيضاً في الصلاة الخاشعة.. البعض يريد أن يخشع في صلاته عندما يكبر إلى أن يسلم ، والحال بأن الخشوع في الصلاة عملية مرتبطة بمجمل النشاط اليومي.. الخاشعون في طوال اليوم ، الذاكرون طوال اليوم ، هم الذين بإمكانهم التركيز في الصلاة ، وإلا القضية ليس بقرار مفاجئ..
نقول: نفس الكلام بالنسبة إلى المسافرين في الصيف.. الإنسان الذي لا جدية له في الحياة ، هو طوال الشتاء والربيع والخريف يعيش حالة لهوية ، حياته غير منضبطة ، لا جدية في حياته ، فإن الأمر لن يختلف بتاتاً في حال السفر!.. ومن الكوارث أو من المصائب الكبرى أن لا يفتح الإنسان طوال السنة كتاباً واحداً وأن لا يستمع إلى محاضرة قيمة!.. وهذه الأيام -بحمد الله- وسائل المعرفة المقروءة والمسموعة بكل صنوفها متاحة!..
الإنسان الذي له هدف وجدية في الحياة ، فهو عندما يسافر أيضاً يستصحب هذه الجدية.. رحم الله الشيخ المحدث القمي -صاحب مفاتيح الجنان- من المعروف أنه كان عندما يدعى إلى مائدة يأخذ معه كتبه ، فإذا جلس وأكل من طعام القوم استأذنهم واشتغل بتأليفه.. هذا الإنسان إنسان جاد في حياته ، حتى عندما يدعى للولائم فإنه يعطي الوليمة مقداراً لازماً من الوقت ثم يتفرغ لشؤونه.. فإذن ، لابد من وجود حالة جادة طوال السنة ، والذي يريد أن يوجد حالة الجدية في حياته باسم الله فليبدأ ، نحن لا نبعث اليأس في القلوب..
ومن المناسب عند السفر أن يصطحب الإنسان معه وسائل المعرفة ، وهذه الأيام في المطارات متعارف الإنسان يحمل أثاثه بيد وجهاز الكمبيوتر المحمول بيد أخرى ، وبإمكانه أن يملأ هذا الجهاز الصامت بصنوف المعرفة ويستمع ويقرأ.. وأعتقد أنه إذا عملنا مزيجاً من الترويح الفكري والترويح الروحي ، فإن الإنسان يخرج بفائدة كبرى من هذا السفر.

س3/ منهم من يقول: بأنه يعيش الجدية أكثر أيام السنة ولا بأس في إمضاء فترة قصيرة من العبث واللهو وترك كل تلك الجدية.. فما هو تعليقكم على ذلك؟..

طبعاً هذا نقلُ قولٍ باطلٌ تقولونه!.. لأنه يعيش العبث.. هذا الكلام كلام المبطلين..
أقول: بأنه العبث تعبير لا نؤيده!.. ولكن الاسترخاء وحالة من حالات الاستجمام يأتي لأناس جادون جداً في حياتهم ، كأمثال علمائتا الذين طوال السنة لهم أبحاث دقيقة علمية ، حقيقةً بعضهم يصاب بالصداع من التفكير الشديد ، فهؤلاء الاستجمام يكون لهم مغرياً.. أما الإنسان الذي هو في طوال السنة يعيش الاسترخاء ففي الصيف يزيد استرخاءً على استرخاء ، ومن هنا نقول: لننوع ونجعل من خلال هذا الاسترخاء شيئاً نافعاً..
أحد إخواني الذين هم مغرمون بالسفر -في بعض الناس يشبهون ابن بطوطة في رغبتهم في السفر الكثير- يقول: أنه عندما يذهب إلى بلاد الغرب إلى الغابات الجميلة كذا ، فمن لذائذه أن يصلي ركعتين في هذه الغابات ويعيش جو التوجه إلى الله عزوجل من خلال الطبيعة الساحرة.. فأمر جيد الإنسان يدخل الجانب العبادي والجدي في خلال العملية السياحية.

س4/ من المعلوم -وخصوصاً في هذه الأيام- بأن السفر منشأ لكثير من الأمراض ، كما هو الحال في السفر الواجب كالحج ، وخصوصاً في الصيف.. أي أن الشباب عندما يذهبون إلى أماكن الفسق والفجور ويفعلون المنكرات ثم يعودون موبوئين إلى أوطانهم.. كيف تقرؤون سفر الشباب وما هي نصيحتكم إليهم؟..

أولاً من المعلوم -وليس هذا طعناً بالشباب نحن أيضاً مررنا بفترة من مرحلة الشبابية المبكرة- يقال بأن مرحلة الشباب شعبة من الجنون.. كما أن الرئاسة لها سكر ، والخمر له سكر ، وكذلك الحالة في الشبابية أيضاً لها سكر..
فالذي يريد أن يسافر إلى بلاد الفسق والفجور ، عليه أن يلقن نفسه هذه المبادئ الثلاث:

أولاً: فنائية المعاصي.. المعاصي المأكولة والمشروبة والمتمتع بها من صفاتها أنها فانية ، فالمحرمات التي ترتكب حقيقة ما تتجاوز خمس دقائق إلى ساعة أو ساعتين.. الحرام إذا كان شرباً ، إذا كان أكلاً ، إذا كان ممارسات غير شرعية ، فإن وقت الالتذاذ بالحرام محدود وهي دقائق إن لم يكن في بعض الحالات ثواني أصلاً..
فإذن، هذه الساعات متصرمة ، وكما في الروايات : (شتان بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته ، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره ).. فعليه، تذكر فنائية المعاصي..

ثانياً: تذكر انزلاقية المعاصي.. المعاصي بمثابة شبكة الصيد ، فمن المعلوم أن شبكة الصيد -هذه الأيام- عبارة عن قناة ضيقة ، وعندما تدخل السمكة وتعبر القناة الضيقة تقع في الفخ ولا يمكنها العودة..
المعاصي كذلك ، فمعصية تجر معصية ، ورب العالمين نهانا في كتابه بعدم إتباع خطوات الشيطان ، فهذه الخطوات متمثلة بالمعاصي ، حيث تبدأ القضية من النظرة من خلال التلفاز أو من خلال الإنترنت.. والبعض يقول: بأنها مجرد نظرة ولا شيء واقعي في الخارج ، ويعترف بأنها نظرات محرمة ولكنه يلقن نفسه بأنها صغيرة من الصغائر والله لا يؤاخذنا على هذه الصغائر ونحن قوم نصلي ونصوم ونحج ونخمس ونقيم عزاء أهل البيت ، ولكنه يغفل عن حقيقة مهمة ، وهو: أن النظر يثير البواطن وهرمونات الغدد الكذائية ، فعندئذ يبحث عن الواقع ، وهذا الذي يحصل..

ثالثاً: الحفاظ على السمعة والوجاهة.. من المستغرب العجيب أن مؤمناً يذهب إلى مدينة وإلى بلدة معروف عنها بأنها ذات سياحة منحرفة وسياحة منحطة!.. فحفاظاً على سمعته ، وحفاظاً على وجاهته.. لماذا يذهب إلى هذه البلدان ، وبلاد الله واسعة فسيحة ، جامعة بين جمال الطبيعة ، وبين الحلية في المأكل والمشرب؟!..
فعليه، الذي يحب أن يسافر إلى بلاد أجنبية -وخاصة المعروف عنها بالفسق- عليه التأمل في هذه النهايات.

س5/ هناك ما يعرف اليوم بالسياحة الدينية ، كأن يزور الإنسان الأماكن المشرفة في سوريا وإيران والعراق أو يعتمر.. هل تشجعون على السياحة الدينية ، أم أنه يجب أن تكون الزيارة دينية خالية من أي أشياء أخرى تستعمل للترويح عن النفس؟..

ما أحسن قول الشاعر حيث يقول: ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا --- وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
لا نرى أي بأس من أن يجمع الإنسان بين الأمرين تطبيقاً لقوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً}..
بالنسبة للعمرة صحيح أن البلاد جافة قاحلة ، وليس هنالك من موارد للسياحة بالمعنى الترويحي ، ولكن حقيقة الذي لديه شيئاً من الشفافية الروحية ولو بمقدار بسيط ، فإنه يرى في العمرة والحج ما لا يجده في بلاد سويسرا وأمثاله!..
والغريب أنه حتى أهل الدنيا عندما يذهبون للحج والعمرة ونسألهم عن إحساسهم في هذه البلاد القاحلة -وخاصة في فصل الحج والأمراض وما شابه- يقولون: لا يعلى عليه!..أي أن هذه السفرة لا تقاس بسفرات السياحة الترويحية..
وأما بالنسبة إلى بلاد سوريا وإيران وحتى للعراق -يسر الله تعالى أسباب السفر إلى هذا البلد الذي هو الآن غير آمن ، ولكن ببركة دعوات المؤمنين نسأل الله تعالى أن يرجع لها الأمن والأمان- فإن رب العالمين قد منَّ على هذه البلاد ، فهي جامعة بين جمال الطبيعة وبين السياحة الدينية ، ولكن كيف نستفيد من ذلك؟..
أنصح قبل الذهاب للأماكن السياحية الدينية معرفة فقه السفر الديني وفقه الزيارة ، الزيارة لها فقه من الضروري أن نستوعبها ونعمل بها..
هنالك آداب ظاهرية: من الغسل ودخول المشهد وما شابه..
وهنالك آداب باطنية.. أحد العلماء الكبار ممن أدركته يقول إن أدب الزيارة الباطنية هي كلمة واحدة ، وهي: أن نعيش حياة المزور.. إذا أحسسنا بأن المزور حي يشهد المقام ويسمع الكلام ويرد السلام ، فإن الإنسان يتأدب في كل حركاته وسكناته..
والنقطة المهمة في السياحة الدينية هي: أنه الإنسان بعض الأوقات لا يصطحب معه بركات المشهد.. الإمام له ضيافة.. النبي له ضيافة.. والإنسان عندما يذهب الروضة فهنالك نفحة روحية رب العالمين يمنحها له ببركة المشهد ، ولكن هذه النفحة لا تبقى معه إلى الأبد وللأخير، فلابد أن يعمل عملاً من أجل أن يستصحب هذه البركات عندما يرجع إلى الوطن..
ومن الجميل أن نقرأ في وداع المعصوم : (اجعلوني من همكم ، وصيروني من حزبكم ، وأدخلوني في شفاعتكم ، واذكروني عند ربكم).. فلو استجيبت هذه المضامين في حق الداعي فيا له من مكسب عظيم!.. أن يكون الإنسان من هم المعصوم فإن هذه مزية كبيرة ما وراءها مزية!.. أن يرجع الإنسان إلى وطنه وهو قد دخل في دائرة الرعاية الإلهية ورعاية المعصوم..
فعليه، عندما نذهب إلى هذه الأماكن علينا أن نفكر فيما سنستصحبه معنا عند الرجوع ، وطبعاً هذا يتوقف على مقدار ما نتفاعل وكيف نتفاعل ، وقد اتفق أن بعض الأشخاص غير مجرى حياته من بركات هذه السفرات الدينية.

س6/ ما هو الملاك في تمييز سفر الطاعة عن سفر المعصية.. والسفر إلى بلاد الغرب في أي حقل يدخل من هذين من الجانبين؟..

أولاً من الملاحظ أن علماءنا في التحذير من السفر المحرم لا يذكرون القطع بالوقوع في الحرام - القطع هذا أمر مسلم- وإنما خوف الوقوع في الحرام..
في هذا المجال هناك سؤال جميل للشهيد الصدر الأول -الفقيه حقيقة تبرز فقاهته من خلال استفتاءاته- يقول: بأنه هل يجوز ذهاب الفتاة إلى بلاد الغرب لطلب العلم؟.. الشهيد -طبعاً هو لابد أن يجيب على القواعد- يقول: أنه نعم مع الأمن من الانحراف ولكن أنى لها ذلك!..
نحن نقول مع الأمن ، ولكن كيف تأمن فتاة تذهب إلى بلاد الغرب وهي في عنفوان شبابها ، لا من رقيب ولا من حسيب ، كيف تثبت في بلاد الغرب؟!..
فإذن، خوف الوقوع ، لأن المحتمل أمر مهم ، والاحتمال في الأمور المحتملة المهمة يكفي.. فإذا كان الخوف من المرض أو إدامة المرض يجيز للإنسان أن يقطع الصيام وأن لا يصوم الصيام الواجب ، فكيف بما يتعلق بالآخرة؟!.. فإذن، لابد من أن نحكَّم هذا الميزان..
وأما بالنسبة للذهاب إلى بلاد الغرب :
أقول :بأنه عليهم تشخيص التكليف.. فالذي يدعي بأنه هو في أمن وأمان وفي حفظ لمبادئه في تلك البلاد فهنيئاً له!.. وهؤلاء حقيقةً أصحاب الجهاد الأكبر ونشبههم بجعفر ، الذي قال النبي (ص) عنه : أنا لا أدري بأيهما أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر!..
وأما إذا كان هنالك خوف على ذراريهم ، وهذا الخوف له ما يبرره ، أقول: بأنه لابد من إعادة النظر ، لئلا يأتي يوم القيامة ليتحمل وزره ووزر عائلته..

س7/ بعض الناس لا يمكنهم السفر إما لعلة مادية أو لعلة جسدية فيبقى لهم خيار المطالعة ، فكيف يمكن لهؤلاء أن يمضوا أن يمضوا أوقاتاً ممتعة في بلادهم بمطالعة الكتب النافعة ، أي ما هي الدوافع والمحفزات للقراءة ؟..

إن وقت المؤمن موزع بين ثلاث حقول ، ولا أعتقد أن هناك حقل رابع في هذا المجال!..

الحقل الأول: هو ما يحل ويجمل من متع الحياة المحللة: أكلاً ، شرباً ، معاشرة... الخ.. هناك مساحة للمؤمن هو أولى من غيره بالاستمتاع بمحللات هذه الحياة الدنيا.

الحقل الثاني: هو ما تملأه العبادة والتوجه إلى الله عزوجل.. ولابد أن نقول هنا: أنه من مصاديق التلذذ العبادة ، أي أنه إذا أردنا أن نعد متع الحياة فمن متع الحياة الوقوف والحديث مع رب العالمين.. طبعاً تفصيل هذا الأمر في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى..

الحقل الثالث: هو التزود العملي..
المؤمن أيضاً من همومه أن يثري حصيلته العلمية ومخزونه العلمي ، إذا هو وجد هذا الداعي أي أنه رأى بأن تكامله وتقربه إلى الله عزوجل منوط بالعلم والتعلم ، إذ أن الإنسان كيف يتقرب إلى الله عزوجل وهو لا يعرف صفاته الجلالية والجمالية ، ولا يعرف كيف يصل إليه ، ولم يقرأ تجارب الآخرين في هذا المجال؟!..
حتى في مجال الفقه فإن علماؤنا يقولون: بأنه يجب تعلم المسائل مورد الابتلاء.. فإذا الإنسان لا يقرأ زبدة الأحكام أو المسائل المنتخبة ، كيف يصل إلى تكليفه الشرعي ؟!..
فإذن، تصور الهدف وأن تحقيق الهدف للخلقة وهي الخلافة الإلهية لا تتحقق إلا من خلال العلم مما يوجب فتح الشهية على العلم.

س8/ تفضلتم بأنه يمكن للذين لا يمكنهم السفر في الصيف قضاء وقت ممتع في بلدانهم بالمطالعة الهادفة والاستغلال العبادي.. ما هي الوسائل الأخرى التي يمكن أن يستفيدوا منها؟..

هنالك عدة وسائل.. للإخوان الذين لديهم قدرات تربوية وتعليمية:
إن من أفضل ما يملأ الإنسان به فراغه ، هو الأخذ بيد الغير إلى الله سبحانه وتعالى ، وهي عملية ممتعة جداً!..
البعض من إخواننا يحبذون عدم السفر في الصيف حتى يملأ هذا الفراغ ، وهو أن يعلم علماً نافعاً ويوصل كلمة نافعة إلى الغير.. ولكن مع الأسف البعض يظن بأن وظيفة الإرشاد وهداية الخلق أمر خاص بالعلماء ، والحال بأنه نحن لا نصل إلى كل الشرائح الاجتماعية: حقل مجتمع النساء مجتمع مغلق على الرجال بشكل عام.. حقل الأطفال.. حقل الشباب المنحرفين..
أقول: بأنه لا بأس قسم من الناس تتصدى لهذه المهمة .. وللذي يتعذر ويقول بأنه ليس أهلاً لذلك لا علمياً ولا نفسياً ، أقول: ليس الحل هو التقاعس والعودة إلى الوراء ، الحل: أنه يتسلح بسلاح العلم اللازم بأدنى درجاته ، وهذه الأيام العلم متوفر ، والإنسان بإمكانه بقراءة في الفقه وفي العقائد وفي التفسير وغيره أربع أو خمس كتب أن يصبح مثقفاً دينياً ، وبالتالي بإمكانه أن يملأ هذه الفراغات الاجتماعية..

س9/ السفر إلى العراق له ميزة خاصة وبالأخص عند الشيعة.. فماذا تنصح المؤمنين المتلهفين لزيارة مراقد الأئمة (ع) في ظل عدم وجود الأمن ؟..

لا أعتقد أنه السفر للعراق -وخاصة للنجف وكربلاء وغيرها من المشاهد- مقترن بذلك الخوف الذي يمنع عملية السفر!.. فإذا الكل تفكر بهذه الحيثية وبهذه الصيغة ، معنى ذلك خلو المشاهد لوجود شائعات واحتماليات هنا!..
أضف إلى أنه من الأمور التي أعطت وهجاً لهذه المزارات ولهذه المشاهد ، هو تكالب الناس على إحياء مواسم الزيارة في أحلك الظروف كالأربعين والمنتصف من شعبان..
فعليه، ما دام المحبون لأهل البيت (ع) يؤدون واجبهم في هذه الأماكن المباركة ، فإن هذه من الخطوط الدفاعية لتقوية الجبهة الإيمانية.. فلا مانع من ذلك أبداً..

س10/ لي أمنية بأن أزور كل دول العالم سواءً البلاد الكافرة أو المسلمة ، رغبةً للتطلع على آثارها التاريخية والحضارية ، فهل في ذلك إشكال شرعي ؟..

هذه الأمنية لابد من تعديلها!.. أولاً السفر إلى كل هذه البلاد -طبعاً- مكلفة مادياً وعمرياً ، والإنسان يختار من البلاد ما يمكن أن يكون عوناً له إما لدينه أو لدنياه.

س11/ لماذا هناك تأكيد من قبل الأئمة (ع) على زيارة الإمام الحسين (ع) ؟..

الإمام الحسين (ع) لا يمثل شخصه وإنما يمثل منعطف في حياة الأمة ، فلولا النهضة الحسينية لما بقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.. زيارة الحسين (ع) هي تأكيد على هذا الخط النبوي الأصيل الذي تجلى من خلال حركة الإمام (ص) ، ولهذا أئمتنا (ع) كانوا من السباقين لإحياء مناسبة الإمام (ص) ، لا من بعده المأساوي فقط وإنما من بعده الرسالي الإيماني.

س12/ إذا كانت السياحة الدينية تؤدي إلى الاختلاط كما يحدث في بعض الأماكن الدينية ، ما هي نصيحتكم وهل تشجعون على هذا السفر ؟..


ليس كل اختلاط محرم.. بمعنى أن هذا المقدار من وجود نساء ورجال في مداخل المشاهد المشرفة ، لا يعد من الاختلاط المحرم..
ولكن مع ذلك أقول : أنه عند زيارة المعصومين(ع) لابد أن نلتفت إلى أنه الهدف من الزيارة ، هو الإحساس وأن يجد الإنسان نفسه بين يدي المزور.. فإذا كان الذهاب إلى الضريح يستلزم الدخول بين الرجال أو حتى الدخول بين النساء بشكل قد يعد سوء أدب ، كأن يدفع الإنسان هذا أو ذاك ليصل إلى الضريح ، فإن هذه حالة غير متطابقة مع مذاق الشريعة.. والمفروض أن يكون الإنسان متأدباً في وقفته متأملاً في زيارته ، فهو بإمكانه أن يقف أمام الضريح العلوي أو النبوي أو ضرائح الأئمة (ع) ويعيش مشاعر راقية وعالية ، من دون أن يمارس حركات جسدية مرهقة ومتعبة في بعض الحالات ومؤذية للآخرين.. ولهذا أحد الأئمة (ع) -ولعل الإمام الصادق(ع) - كان واقفاً أمام الحجر ولم يستلمه لما رأى الزحام ، ولم يذهب ليتدافع مع المتدافعين..
وحقيقة هذا المنظر الذي نراه عند الحجر الأسود يبعث حالة التألم والألم أنه لماذا هذه الحركات؟!.. الإنسان المسلم مظهر التعقل.. مظهر الفكر.. مظهر النظم.. ولا معنى لهذا التكالب والتناحر والضرب بالأيدي وما شابه لأجل تقبيل الحجر!.. ومن يقول بأن هذه الحركات مستساغة في نظر الشارع في مقابل التقبيل؟!..
فهذه حركة غير حضارية ، أن الإنسان يمارس مثل هذه الحركات في هذه الأماكن المباركة.

س13/ ما الحكم إذا تعارض السفر مع حق الأسرة ، كالأب الذي يقضي معظم أوقاته في السفر ، وهل أنه في هذه الحالة يحصل على الأجر والثواب ؟..

سؤال مهم ووجيه!.. كما أن هنالك قانون التزاحم في الواجبات ، فمن المعلوم في الفقه أنه يمثل له بإنقاذ الغريق في الصلاة الواجبة ، كذلك هنالك التزاحم في المستحبات ، فالإنسان عندما يذهب للعمرة -مثلاً- أو للزيارة وفي المقابل هنالك حاجة لبقائه في البلد كوجود حالة مرضية أو حالة أذى نفسي فإنه لابد له أن يراعي مثل هذه الأمور ، والبعض يظن بأنه إذا قام بهذا المستحب وإن كان بجواره وإزائه سلبيات أخرى بأن الأمر راجح ، والحال بأن الأمر ليس كذلك..
وقد اتفق أن بعض الأشخاص وفروا مبلغاً من المال للسفر إلى مثل هذه البلاد ثم رأى عائلة محتاجة لهذا المال فقدم هذا المال وحرم نفسه من الزيارة ، وبطريقةً ما عوض خيراً وأعطي فوق ما كان يتمناه من تلك الزيارة عندما قدم المال لمن يستحقه.

س14/ يقول الإمام علي (ع) (آه آه!.. من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق).. هناك بات ما يعرف بالسفر الأنفسي مقابل السفر الآفاقي ، وإن كان هدف الأخير أيضاً وهو السفر الآفاقي الرسالي هو السفر الأنفسي.. هل يمكن أن تعطينا نبذة عن ذلك ؟..

أشرتم إلى نقطة مهمة جداً!.. ولعله ثمرة الحديث في هذا السير الأنفسي للبعض على الأقل أكثر من السير الآفاقي..
السير الآفاقي مبذول للجميع ، ولكن السير الأنفسي للخواص..
السير الآفاقي يحتاج إلى مبالغ مالية ، ولكن السير الأنفسي لا يحتاج إلى مبلغ مالي..
السير الآفاقي يحتاج إلى فصل في السنة كالصيف مثلاً ، ولكن السير الأنفسي بالإمكان أن يكون في كل آن وفي كل وقت..
السير الآفاقي ينتهي بانتهاء ذلك الأفق الذي ذهب إليه الإنسان ، بينما السير الأنفسي يمتد أثره إلى أبد الآبدين ، حتى أن البعض يقول أنه في عالم البرزخ يستمر السير الأنفسي..
هذه مقارنة سريعة بين السيرين ، ولكن كيف نصل إلى هذا السير؟..
القرآن الكريم في آية صريحة يقول:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ }..
أولاً قدم الآفاق ولكن هذا ليس معناه أن الآفاق السير فيه أشرف من السير الأنفسي..
السير الأنفسي: عبارة عن عملية خوض وغوص إلى أعماق النفس ، وهو من أجمل صور الغوص والسياحة !.. طبعاً لمن عرف نفسه ولمن اكتشف زوايا نفسه!..
المؤمن عندما يعطى البصيرة فإن أول ما يبصره نفسه.. رب العالمين لا يمكِّنه من أسرار العباد ، هذا النور الذي أعطي يرى فيه نفسه ، وهذا هي الثمرة الكبرى في النور الذي يريه الطريق ، حيث يعرف آفات النفس ، ويعرف أين هو الآن وصل.. ومن أين.. وإلى أين.. وفي أين..
ورد في رواية : (إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين ، وزهده في الدنيا ، وبصره بعيوب نفسه)..
فقهه في الدين: لا بمعنى أنه أعطاه العلم دفعة واحدة ، وإنما بمعنى أنه يسر له سبل التفقه.. وبصره بعيوب نفسه: من المهم جداً أن يعرف الإنسان عيوب نفسه من خلال السير الأنفسي..
حقيقة - هذا التعبير تعبير دقيق ، ولا ينقل كلامي خطأ- يصل العبد إلى مرحلة الحديث النفسي مع الله -سبحانه وتعالى- لا بمعنى الوحي ولا نزول شيء ، ولكن يعيش حالة كحالة أم موسى.. فمن المعلوم أن أم موسى ما كانت بنبية ولا بوصية نبي ، ولكن رب العالمين كان يلقي في روعها ما يلقي..
حتى علماؤنا الذين أدركناهم كان البعض منهم يتلقى تلك الإشارات الغيبية.. طبعاً هذه مرحلة تخصصية..
وأقترح على من فتحت شهيته لهذا السير الأنفسي أن يتقن صلاته ، فإن الصلاة هو المفتاح للدخول في هذا العالم..
فالذين رزقوا الخشوع والإقبال في صلاتهم ، فإن أفضل فرصة للسير الأنفسي هي عقيب الصلوات الواجبة..
والذي يعيش حالة الإقبال في صلاته ، هذا رب العالمين فتح له الأبواب وهو دعاه إليه ، فليبقَ على سجادته قليلاً ليضع نفسه في موضع الإنسان المستعد لتقبل الفيوضات الإلهية ، إذا أحب أن يسجد.. إذا أحب أن يسبح.. يذكر.. المهم يجعل نفسه في مرحلة التلقي ، عندئذ هذا السير الأنفسي يتقوى إلى مرحلة كما يقول علي (ع): (رجال ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم)..
والإنسان يصل إلى مرحلة لعل الله تعالى في بعض الحالات يسخر له ملكاً من ملائكته -وما أكثر الملائكة في حياتنا الرقيب والعتيد- من الملائكة الملهمة الذين لهم دور في تسديد العباد المؤمنين في حركتهم التكاملية إلى الله سبحانه وتعالى.