والمستغفريـن بالأسحـار 1 (تأثير الصوم على الصحة النفسية)

س1/ من المعلوم أن البدن له صوم، والروح لها صوم، والعقل له صوم.. أي أن الظاهر له صوم، والباطن له صوم.. فكيف يمكن أن نحول صوم الظاهر إلى صوم الباطن؟..
إن هذه المشكلة موجودة في كل العبادات.. إذ أن هنالك صلاة ظاهرية وصلاة باطنية، وقد كتب السيد الإمام -رحمه الله- كتاباً حول الآداب المعنوية للصلاة.. والحج أيضا له ظاهر وله باطن، وقد ذكره الإمام السجاد (ع) في حديث الشبلي.. وكذلك الصوم -كالصلاة وكالحج- له ظاهر، وهو: عبارة عن الكف عن الطعام والشراب وغيره، وله ملكوت.. وملكوت الصوم: عبارة عن الترقي من هذا الكف المادي إلى الكف النفسي.. فالإنسان إذا أراد أن يعلم قبول أعماله: صوماً، أو حجاً، أو عمرة؛ فلينظر إلى شهيته النفسية!.. فإن وجد في نفسه عزوفاً عن الحرام، وكرهاً للحرام كرهاً طبيعياً، بلا حث، وبلا تخويف، وبلا وعد ووعيد؛ فليعلم أنه على خير.
فإذن، إن الأمر يحتاج إلى عمل ما بعد الكف عن الطعام والشراب، وذلك من خلال التدبر في أحاديث الصوم.. فكما أن الإنسان المؤمن لا يستغني عن مراجعة أحكام الصوم في الرسالة العملية، كذلك فإنه من الضروري أيضا مراجعة الآداب الباطنية للصوم، وهي مدونة في كتاب البحار وغيره من المجاميع الروائية.

س2/ لا شك أن الإنسان بحاجة إلى مراقبة دائمة باستمرار، حتى يظل في حالة من التعادل والتوازن بين الظاهر والباطن.. هل يمكن أن يكون الصوم أداة لتشديد هذه المراقبة؟..
إن
من ضمن الأسباب التي تجعل العبد تنتقض مراقبته، وينتقض وضوؤه الباطني -أي الطهارة الباطنية- هو: جهد الشيطان الرجيم في هذا المجال.. وقد بشرنا النبي الأكرم (ص) في خطبته: أن الشياطين مغلولة في هذا الشهر؛ أي أن نشاط الشياطين يصل إلى أدنى حد ممكن، بل قد يتوقف.
ومن هنا إذا انتفت موانع التكامل، وكان هنالك المقتضي، فإنه يؤثر أثره.. فالمقتضي موجود؛ حيث أبواب الرحمة مفتوحة.. والمانع منتفٍ؛ فرب العالمين قد غلَّ الشيطان.. ولكن الصائم العاصي، أو الذي يشهد الشهر ولا يصومه، فبالنسبة له إن الأغلال مازالت مفتوحة، أي أن أيديها مبسوطة.

س3/ من المعلوم أن للصوم أثره على الإنسان من الناحية البدنية، حيث الإرهاق والتعب البدني، وبالتالي انعكاس ذلك على الحالة الروحية والنفسية.. فكيف يمكن أن يحافظ الإنسان الصائم على حالة المراقبة والصفاء الروحي؟..
إن المراقبة تعني: إحساس العبد أنه في محضر الله عز وجل -ما يسمى بالمعية التكوينية- فالإنسان المؤمن عليه أن يحول هذه المعية التكوينية الثبوتية الواقعية إلى حالة شعورية؛ أي أن يرى نفسه بين يدي الله عز وجل، وهذا الوجدان هو الذي يجعله يترك الحرام تلقائياً.. ولا نتوقع من الإنسان أن يعيش هذه المعية بشكل ثابت، كل آناء ليله ونهاره، لأن هنالك حالة شدة وضعف.
إن الصائم بإمكانه أن يعيش أدنى درجات هذه المعية، عندما يرى أن هذا الكف هو بعين الله.. ومن المعلوم أن أصحاب التدخين هم أكثر الناس مجاهدة في شهر رمضان؛ فالكف عن الطعام والشراب أمر معقول بالنسبة لهم، أما الكف عن التدخين فهو أمر ثقيل.. ولكن عندما يرى الصائم أن هذا الكف بعين الله، فإنه يترك ألصق العادات به، لأن فيه مرضاة الله عز وجل؛ وهذا يشدد حالة المعية، واستحضار الرقابة الإلهية.

س4/ من الملاحظ أن البعض تحدث لديه حالة من الحدة والاختلال بسبب الصوم.. فكيف يمكن أن يسيطر الإنسان الصائم على نفسه، ويقوي حالة المراقبة لديه، تجنباً لهذه العادة السيئة؟..
إن
القرآن الكريم جاء ليمنهج العملية الأخلاقية.. فهذا الكف إذا كان كفاً مجرداً من دون استراتيجية جامعة؛ فإنه لا يؤثر أثره.. أما إذا كان الصائم يعلم أن هذا الكف يراد منه الكف المستمر طوال العام، وفي كل المجالات، ومنها الحدة -مثلاً- فإنه لا شك سيحاول أن يعوّد نفسه على ضبط سلوكه في كل أحواله.. وإلا فإن الذي يكف عن الطعام والشراب، ويحتد على إنسان، وقد يفحش بالقول، وقد يضرب إنساناً بريئاً؛ فإنه يعمل ما يوجب نقضاً للغرض، ولم يستوعب هدف الشريعة من عملية الصوم.

س5/ الصوم حالة جماعية.. فهل هذا الجو الجماعي هو الذي يجعل الفرد يصوم، أم أنه الفرد هو الذي يخلق الجو الجماعي.. من منهما يؤثر على الآخر؟..
إن هنالك تأثيرا متبادلا في هذا المجال.. إذ أن الأفراد الصائمين، يشكلون الأمة الصائمة.. والأمة الصائمة، ترفع من مستوى الفرد الصائم.. كما ذكرنا في حديث سابق فإن الصوم درجات: صوم العامة، وصوم الخاصة، وصوم خاصة الخاصة.
فالجو الجماعي للخاصة، كالجو الجماعي للمعصية.. وهذه الأيام في بلاد الغرب نلاحظ أن فلسفة الغرب في مسألة الشهوات، أصبحت قائمة على أساس مزاولة المنكر الجماعي: كمنتدى العراة، ونادي العراة، والمراقص، وما شابه ذلك.. لأن الفرد لوحده من الممكن أن توقظه مطرقة الوجدان، ووخز الضمير.. أما عندما يكون في جو جماعي من المعصية؛ فإنه يستسهل الحرام.
كما أن الجو الجماعي في المعصية أمر مؤثر، فكذلك الجو الجماعي في الطاعة.. ولهذا نلاحظ أن لسان الشريعة ولحن الشريعة، فيه تأكيد على الحث على العبادات الجماعية.. يذكر صاحب كتاب العروة الوثقى في الفقه، بأنه: قلما ورد التأكيد على مستحب، كالتأكيد على صلاة الجماعة.. فالحج عبادة جماعية، وكذلك الصوم.. حيث أن الإنسان عندما يصوم؛ فإنه يصوم في منزل، أو في أسرة، أو في مجال وظيفي معين.. ومن هنا لا شك أن هذا الجو الجماعي للطاعة، هو من موجبات تحفيز الفرد في هذا المجال.
ومع الأسف نلاحظ بعض الأوقات، أن الولد قبيل سن البلوغ -التاسعة للبنت، والخامسة عشر للولد، أو ما قبل ذلك بحسب اختلاف العلامات- يحب أن يصوم ويتأسى بالكبار، فيأتي الأب أو الأم لتثبيط هذه الهمة وهذه العزيمة!.. بينما من الأفضل أنه ما دام الجو الجماعي موجود بالنسبة إلى هذا المراهق، علينا أن نبقيه على ما هو عليه من التحفز في هذا المجال.

س6/ كيف يمكن أن يحافظ الإنسان على مكاسب شهر رمضان؟..
إن الجواب يكمن في كلمة واحدة: إذا أردنا أن نبقي المعلول، فلابد أن نبقي العلة -العلة المحدثة، والعلة المبقية-!..
فبالنسبة للإنسان الذي توفق لشيء من الطاعة والإنابة إلى الله -عز وجل- في شهر رمضان، فمن المعلوم أن هذه التوفيقات ناتجة من هذه التركيبة المعروفة: من الكف عن الحرام، والأنس بالعبادة في أسحار شهر رمضان وغيره، ومن تلاوة القرآن الكريم.. فلو أن الإنسان قام بهذه التركيبة بعد شهر رمضان المبارك.. فيتحول الكف عن الطعام والشراب، إلى كف عن المحرمات -هذا حرام بالعرض، وهذا حرام بالذات- ويبقى الأنس بالقرآن الكريم تلاوةً، ولو في حد أقل.. ويبقى الارتباط بأدنى درجات الدعاء والابتهال.. عندئذ فإن المؤمن سوف يعيش في شوال، أجواء قريبة مما كان يعيشها في الشهر الكريم.
ولهذا نلاحظ أنه الشريعة قائمة على إيجاد محطات عبادية في طوال السنة.. نعم، في شهر شوال ليست عندنا محطة عبادية متميزة، ولكن في ذي القعدة هنالك محطة، وكذلك في شهر ذي الحجة هنالك موسم الحج، وهنالك بعض الأعمال العبادية في شهر محرم.. فإذن، هنالك محطات تقوية لما اكتسبه الإنسان من مزايا في شهر رمضان المبارك.

س7/ لا يمكن تجاهل هذا الواقع، وهو: أن الإنسان بمجرد انتهاء شهر رمضان، تراه يترك كل صور العبادة التي أنس بها، ويعود إلى حالته الأولى قبل الشهر الكريم، وتقل عنده حالة المراقبة.. فهل أن شهر رمضان هو المحطة الأساسية في العام، التي يجب أن يتوقف الإنسان فيها ليحاور نفسه وروحه؟..
أجيب على السؤال بمثال بسيط جدا: إن الإنسان الذي يريد أن يسافر إلى بلدة بعيدة، ويَخَشى من عدم وجود محطات البنزين مثلاً.. فإن الحركة الطبيعية التي يجب أن يقوم بها، هي أن يملأ السيارة بالوقود، حتى لا ينقطع في أثناء الطريق.
وبالتالي، فإن الإنسان عليه أن يملأ وقوده بأقصى ما يمكن في شهر رمضان؛ لأنه من الطبيعي أن يفقد هذا الوقود -أو هذا الزاد- خلال شهر شوال وغيره.. فالذي لم يتزود إلا القليل في شهر رمضان المبارك، فإنه من الطبيعي في أول يوم من أيام العيد، سيفقد هذا المخزون الموجود لديه.. ولهذا فإن شهر رمضان شهر متميز، لا يرقى إليه شهر، وهو ربيع التكامل الأخلاقي وغيره.. ولكن على الفرد المؤمن أن يتملى من كل صور المزايا المعنوية في شهر رمضان المبارك، ليبقي الأقل القليل في طوال سنته.

س8/ إذا وجد الإنسان أن شمعة روحه بعد شهر رمضان المبارك آخذة في الخفوت والانطفاء، هل يجب عليه أن يحاسب نفسه، أو أن يشك في صحته الروحية؟..
هذا شيء طبيعي.. ولهذا فعليه أن يبقي أمرين: أمر يتعلق بالنهار، وأمر يتعلق بالليل.. أما الأمر الذي في نهار شهر رمضان: فهو الكف عن الطعام والشراب.. وقد اقترحنا أن يتعود الإنسان على صوم الدهر، وهو صيام هذه الأيام المباركة من كل شهر: أول خميس، وأول أربعاء في الوسط، وآخر خميس.
وأما ليالي شهر رمضان -وما أدراك ما تلك الليالي الجميلة!..- فعليه أن يبقي شبيهاً لها، عن طريق التمسك بقيام الليل.. إن الذي يريد أن يبقي جذوة شهر رمضان مشتعلة طوال العام، فعليه أن يبقي ولو الركعات الثلاث من صلاة الليل: الشفع والوتر؛ لتبقى هذه الشعلة مستمرة في اتقادها.

س9/ شهر رمضان كما أنه شهر الصيام، وشهر القرآن، كذلك فإنه شهر الدعاء.. ولكن نلاحظ أن البعض يشتكي من عدم استجابة الدعاء.. فهل يمكن أن نبحث عن علاقة بين الصوم والتوفيق في الدعاء لكي يستجاب؟..
إن هنالك جزءا من آية في القرآن، تعطينا فلسفة الدعاء، أو من موجبات الدعاء المستجاب، وهي كلمة {ادْعُونِي} في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.. يقول علماء التفسير: إن هذه كلمة فيها كل شروط الدعاء المستجاب.. فمما يفهم منها أن لاستجابة الدعاء لابد من تحقق شرطين:
أولاً: الدعاء
.. فالقراءة المجردة لا ينطبق عليها مفهوم الدعاء.. إذ أن الدعاء حركة قلبية: فيها طلب، وفيها التجاء، وفيها إنابة.
ثانياً: الوجهة المدعوة..
إذ لابد من الاعتقاد أن هنالك وجهة تدعى، قادرة على قضاء الحاجة.
وبالتالي، فإن هذين الركنين أقرب للتحقق، إذا التزم الإنسان بمراد الله -عز وجل- منه: من الكف في النهار، وترك ما حرمه الله تعالى؛ فهذا يوجب رقة العلاقة بين العبد وربه.. فإذا جن عليه الليل ودعا، فإن صيامه في النهار -وخاصة إذا كان مكلفاً أو متعباً- من موجبات الاندماج في الدعاء، وتحقق الطلب الحقيقي منه.. أضف إلى أن الله -عز وجل- يتجلى لعباده في كل مكان وزمان، فرب العالمين يتجلى لعبده في هذا الشهر المبارك.
فإذن، إن الدعاء في هذا الشهر، قريب للإجابة.. ومن هنا قال النبي الأكرم (ص) عبارة مخيفة جداً، حيث قال:
(الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر).. معنى ذلك: أنه الذي لا يستجاب له في شهر رمضان، فإنه مطرود ومحروم من الرحمة الإلهية الغامرة.

س10/ كيف إذن نبتعد عن هذه المرحلة الخطيرة؛ لأن هذا فيه مشكلة كبيرة جداً للإنسان المؤمن؟..
يكون ذلك بأن يوفق الإنسان بين السلوك النهاري والليلي.. ولكن -مع الأسف- فإن بعض المعاصي، تكثر في شهر رمضان في الليل.. حيث أن صاحبه يصوم نهاره -لا يقصر في صيامه- فإذا جاء الليل، ذهب إلى ما يسمى بالخيام الرمضانية، واستمع إلى الحرام واللغو، إلى آخره من المعاشرات المحرمة.

لذا ينبغي الحذر الشديد من الحرام في مواسم الطاعة، وفي أماكن الطاعة!.. فالنظر للأجنبية في السوق شيء، وحول الكعبة شيء آخر.. والحرام في شهر رمضان شيء، وفي شهر شوال شيء آخر!..
ومن هنا فإن البعض يبتلى بقسوة قلب عجيبة في شهر رمضان، تتجلى في ليالي القدر، حيث الناس الباكية والمبتهلة، وهو يتحسر على قطرة دمعة من خشية الله.. فهذه مرتبطة بمعاصيه في ما قبل ليالي القدر المباركة.