والمستغفريـن بالأسحـار 3 (القرآن الكريم وشهر رمضان)

س1/ من المعلوم أن القرآن الكريم نزل في شهر رمضان المبارك، وأيضاً الكتب السماوية الأخرى نزلت في هذا الشهر الكريم.. ترى لماذا اختار الله -عز وجل- هذا الشهر بالذات لينزل فيه كتبه السماوية؟..
قبل أن أجيب على التساؤل، أحب أن أطرح هذا الشعار، الذي أطرحه دائماً في أوائل الشهر الكريم: وهو أن نجعل شهرنا هذا خير شهر مر علينا.. فنحن كل سنة نصوم شهر رمضان، وقد نذهب إلى الحج؛ ولكن لا نرى في أنفسنا ذلك التغيير الجوهري، الذي يراد من خلال هذه الصور المختلفة من العبادة.
إن الذين يريدون أن يصلوا إلى شهر رمضان متميز، فإن ذلك يتحقق من خلال القرآن الكريم.. فالصيام -حسب الظاهر- هو: عملية كف عن الطعام، والشراب، وباقي المفطرات.. ولكن هذا الكف أو هذا الصوم يحتاج إلى منهج، وإلى خلفية فكرية؛ والقرآن الكريم هو الجزء المكمل، من خلال إعطاء الإنسان الرؤية الكونية المناسبة.. حيث أن الإنسان عندما يصوم، يسيطر على غرائزه، وعلى نزواته، وعلى ما ألفه طوال السنة، ولكن العقل أيضاً يحتاج إلى برنامج.. والذي يتكفل هذا البرنامج، هو القرآن الكريم.. فالقرآن الكريم هو الذي يفلسف الحياة، ويفلسف حركة الإنسان؛ وعندئذ هذا الكف البسيط -الذي هو فعل من أفعال الفم، والمعدة، والأمعاء... الخ- يتحول إلى عملية هادفة.
 
إن نفس عملية التجويع الاختياري عملية مطلوبة.. فلو أن إنساناً ابتلي بقحط أو بسجن، ومنع من خلالها الطعام والشراب، فقد لا يكون ذلك مربياً.. أما الإنسان الذي بملء اختياره، يكف نفسه عن الطعام والشراب وغيره من الصباح إلى الليل، فإن هذا الجوع يُفَّتح مسارب النفس.. ونفهم من خلال الروايات الكثيرة، أن نفس عملية الجوع من موجبات انفتاح البعد الفكري، والثقافي، والتوعوي عند الإنسان.. (عند البطون تعمى العيون)!.. و(البطنة تذهب الفطنة)!.. فإذا كانت البطنة تذهب الفطنة، معنى ذلك أن العكس -وهو الصيام- يفتح الآفاق للتدبر والتأمل في كتاب الله عز وجل.
نحن في هذا المكان –الروضة الشريفة- الذي يرتاده الناس، وتكثر فيه الزوار.. لا أحد يلتف حولنا، وبالتالي فإننا نتكلم بنوع من التركيز.. ولو كان هنالك جمهور حولنا، لما تكلمنا!.. فالإنسان المؤمن كلما قلت -ما يسمى في عرف أهل العرفان- الكثرات والشواغل في حياته، يصبح عنده التركيز أكثر.. وبالتالي، فإن الصوم من موجبات التركيز الفكري لدى الإنسان الصائم.

س2/ كيف يمكن أن يحقق الإنسان الخشوع في تلاوة القرآن الكريم ؟..
إن العلماء عندما يبحثون التلاوة الخاشعة، فإنهم يبحثونها على عدة أصعدة:

الأول: الخشوع اللفظي..
أي قراءة القرآن بصوت حزين، وبقراءة صحيحة.. ومن المعلوم أن الصوت الجميل، يكون له وقع وتأثير بالغ في النفس، وأيضاً هو يشد ويلفت المستمع.. ولكن لا ينبغي أن يستغرق الإنسان في الجانب اللفظي، وإتقان الأداء الظاهري، وينسى الأبعاد الأخرى للتلاوة الخاشعة.. هذا جيد!.. ولكن هذه محطة من المحطات. 
الثاني: التلاوة الخاشعة الفكرية..
أي التدبر في مضامين الآيات الواردة.. وهذه الأيام هنالك مصاحف محشاة -بمعنى مفسرة- فيها الألفاظ الصعبة من القرآن الكربم.. فالإنسان المؤمن التالي لكتاب الله عز وجل، على الأقل عليه أن يعلم ما معنى {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى}.. أو {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا}.. أو حتى {اللَّهُ الصَّمَدُ}.. الذي لا يعرف معناه بشكل جيد!.. 
الثالث: التلاوة الخاشعة القلبية..
إن أئمتنا (ع) عندما كانوا يسمعون قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، كانت ترق قلوبهم، ويقولون: لبيك اللهم!.. أي يلبُّون نداء الله عز وجل. 
فإذن، هنالك تلاوة في عالم الألفاظ، وهو أضعف الإيمان.. وتلاوة خاشعة في مستوى فهم كلام الله -عز وجل- كمراد للمولى.. وهنالك التفاعل القلبي، الذي فيه: رقة القلب، وجريان الدمع، وقشعريرة البدن، وما شابه ذلك.

س3/ هل أن التلاوة الخاشعة للقرآن الكريم مرتبطة بزمان أو مكان معين؟..
لا ينبغي أن يقيد الإنسان المؤمن نفسه بزمان أو مكان معين.. أي لا يجعل لتلاوة القرآن زمنا معينا، بحيث لو لم يقرأ القرآن في هذا الوقت، فإنه يترك أو يهجر قراءة القرآن الكريم.. ولكن بلا شك أن هنالك بعض الأوقات فيها مزية: كساعة السحر، وساعة بين الطلوعين، وبعد الفرائض الواجبة.. حتى أن البعض يختم القرآن الكريم من خلال النافلة، فمن المعلوم أن بعض الفقهاء يجوز قراءة السورة مجزئة في النافلة.. وبالتالي، فإن بإمكان الإنسان المؤمن أن يتهجد من خلال تلاوة القرآن الكريم.. وكذلك من الأفضل أن يكون المكان الذي يتلى فيه كتاب الله، مكاناً فارغاً من كل شاغل، حتى يتفرغ للتعمق والتدبر في المضامين.

س4/ من المعلوم في الروايات والأحاديث الشريفة كثرة الثواب المترتب على التلاوة الكثيرة للقرآن الكريم.. فكيف يمكن أن يجمع الإنسان بين فضيلة التلاوة الكثيرة والخشوع؟..
أحب أن أؤكد على هذه النقطة وهي: أن الذي يريد أن يتقن الشهر الكريم، لابد أن يسيطر على مجمل الأعمال من الليلة الأولى واليوم الأول، سواءً من أسباب تلاوة القرآن الكريم، أو غير ذلك من البرامج.. فالذي يهمل الأيام الأولى، فإن الشيطان ينسيه ذكر ربه فيما تبقى من شهر رمضان، ويتفاجأ وإذا بالشهر قد انقضى وانتهى.
 
أما بالنسبة إلى هذا السؤال: طبعاً فإن الجمع أولى.. أي أن نكثر من تلاوة القرآن الكريم، لما نعلم من أن ثواب تلاوة الآية الواحدة، يساوي ختمة القرآن الكريم.. وبما أن هذه الآية عند الله -عز وجل- تساوي ختمة، فإننا كلما اتقنَّا هذه الآية: تلاوةً، وخشوعاً، وتدبراً؛ فسوف نعطى ختمة محترمة، لأن هذه الختمة مترتبة على هذه الآية الواحدة.
ولهذا ننصح أن تكون لنا تلاوتان: تلاوة للختمة وللثواب -طبعاً مع أدنى درجات الالتفات:
(لا يكن هم أحدكم آخر السورة).. فإن هذا فيه نوع من أنواع الوهن- وتلاوة أخرى نخصصها للتدبر والتأمل في المضامين.. وبعبارة أخرى: تلاوة النهار، حيث الإنسان متعب، يجعلها للختمات.. وتلاوة الليل، حيث الارتياح والنشاط، يجعلها للتدبر.

س5/ الذي تعود على التواصل والاهتمام بالقرآن الكريم : تلاوةً، وخشوعاً، وتدبراً؛ خلال شهر رمضان.. كيف يمكن له أن يحافظ على ذلك التواصل بعد انتهاء شهر رمضان؟..
إن الذي يتدبر في الآيات، وتصبح له حالة من حالات الأنس في الشهر الكريم، فإنه يرجى منه أن يكمل هذه العلاقة بعد انتهاء هذا الشهر.. فهو بمثابة إنسان نزل عند شخص لا يعرفه جيداً، ويجهل قدره.. فعندما حل عنده ضيفاً ثلاثين ليلة؛ عرف منزلته.. وبالتالي، فإنه لا يرتحل عنه.. وكذلك فإن الذي يأنس بالكتاب الكريم، ولو أنه كان قد جفا كتاب الله قبل هذا الشهر، فإن هذا الإنسان سوف يلهج بالقرآن الكريم.. ومن هنا نقول: أنه لابد أن نعطي للقرآن الكريم في شهر رمضان تلاوةً متميزة، حتى يبقى هذا الأنس بعد الانتهاء من هذا الشهر.

س6/ الأمة الإسلامية تعيش على فيض القرآن الكريم، وهو دستورها الإلهي السماوي المنزل.. كيف نستفيد من القرآن الكريم استفادة كافية، ليس فقط في شهر رمضان، بل في أثناء العام كله؛ من أجل رقي الأمة، والأخذ بيدها إلى الأمام، ونحن الآن نعيش صراعاً بين الإسلام والمادة؟..
قد تكون بعض الآيات ناظرة إلى الإنماء الذاتي للفرد، كما في قوله تعالى:
{قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ}، أو {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}.. ولكن هنالك آيات لهجتها ولحن خطابها متوجه للأمة، كآية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.. حيث أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من ركائز رقي الأمة.. فالأمة التي لا تقوم بواجبها في هذا المجال، هذه الأمة لا يمكن أن تتقدم أبداً.. أو آية: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.. فلو عملنا بهذه الآية في حياة الأمة، لما طمعت فينا الأعداء.. أو الآية الموجودة في سورة (المنافقون): {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.. لو أن الأمة تدبرت في هذه الآيات الأممية، الداعية إلى رقي الأمة، سوف نخرج مما نحن فيه من الذل والهوان.

س7/ من المعلوم أن القرآن الكريم فيه شفاء لكل شيء.. فكيف يمكن للإنسان أن يستفيد من القرآن الكريم في سبيل الرقي بروحه، والحصول على روح: صافية، وشفافة، ومتسامية، ومتعالية؟..
إن الآيات الأنفسية في القرآن الكريم آيات كثيرة.. وبعض هذه الآيات لو تأملها الإنسان وسمعها أو تلاها، في جو معين من الحضور الذهني والنفسي الكافي، فإنها تقلب حياته رأساً على عقب.. إن أحد الأشخاص لمجرد تأمله في هذه الآيات الثلاث:
{مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}، و{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، و{مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} صعق، وغير منهج حياته. 
إن هذه الآيات من الممكن أن تسمى: آيات النعي، أو آيات إبداء العتب.. حيث أن رب العالمين يعتب على العباد، كيف أنهم مغرورون برب العالمين، ولا يقدِّرون ربهم حق التقدير الذي يليق بمنزلته.. وهي تنعى الإنسان، لأنه غافل عن ربه؟..  فعندما نريد أن ندين جهة أو شخصية، فإننا نقول: الموت لفلان، أو للجهة الفلانية!.. والقرآن الكريم يصل به الأمر أن يقول: الموت لبني آدم!.. من خلال قوله تعالى:
{قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}!..

س8/ يخاطب الرسول الأكرم (ص) الصائمين مذكراً لهم بفضائل الشهر المبارك قائلاً: (...أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب؛ فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه...).. هنا دعوة من الرسول الأكرم (ص) لأن ندعو الله سبحانه وتعالى، أن يوفقنا بجانب الصيام إلى تلاوة كتاب الله الكريم.. ما هو الارتباط بين القرآن الكريم وليلة القدر.. أي لماذا نزل القرآن الكريم ليلة القدر بالذات؟..
إن
النوم عبارة عن حركة عدمية، وهو الموت الأصغر، ولكن هذا الأمر العدمي -أي عدم اليقظة- عندما ينتسب إلى الله -عز وجل- فإنه يتحول إلى أمر عبادي: (نومكم فيه عبادة)..  فكيف إذا كان الأمر وجودياً؟.. كيف إذا كان الأمر فيه نشاط، وفيه يقظة؟.. فماذا تكون النتيجة عندئذ؟.. هذا ثمرة من ثمرات الانتساب إلى الله عز وجل.. هذا النفس الذي هو عبارة عن غازات، وهي سامة في نفس الوقت، هذا الزفير يتحول إلى تسبيح: (أنفاسكم فيه تسبيح).. لأنه أصبح في طريق طاعة الله عز وجل.. هنيئاُ لمن كانت حياتيه كلها في طريق رضا الله عز وجل، فيكون نومه في طوال السنة نوماً عبادياً.. هذا النوم العبادي خاص بشهر رمضان للعامة، ولكن الخاصة: -يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم!..- هؤلاء لهم معاملة شهر رمضان، ولكن في طوال السنة، لأنهم في ضيافة الله الدائمة. 
بالنسبة إلى ليلة القدر: من الملفت أنه يستحب أن نقرأ سورة القدر في كل صلواتنا الواجبة طوال السنة، حيث أننا نقرؤها في الركعة الأولى وفي الثانية التوحيد.. مع أن ليلة القدر ليلة في السنة، هي ليلة واحدة، وإن كانت مبهمة بين ثلاث ليال.. فلماذا نرتبط بهذه السورة المتعلقة بليلة، ولكن في طوال العام؟..
يبدو أن القرآن الكريم، يمهدنا لأن نجعل تلك الليلة ليلة متميزة في الحياة.. فهي ليلة خير من ألف شهر.. إن بني آدم مهما طال به العمر، ستون أو سبعون سنة -أعمار الأمة في هذه الحدود- قد لا يتقن أن يحيا حياة طيبة، ولكن رب العالمين أعطانا عمراً كاملاً في ليلة واحدة.. فكم من المهم أن يفكر الإنسان من الليلة الأولى، لإحياء تلك الليلة إحياءً يرضي رب العالمين!..

س9/ في ليلة القدر كيف يمكن للإنسان أن يجمع بين فضيلة إحياء هذه الليلة الشريفة، وبين تلاوة كتاب الله تعالى؟..
إن من ضمن أعمال ليلة القدر، قراءة بعض السور بالخصوص، مما يعني أن هناك ارتباطا بين ليلة القدر وبين القرآن الكريم.. وإن أفضل عمل يقوم به الإنسان في ليلة القدر بالنسبة لارتباطها بالقرآن الكريم: أن يعزم عزماً جازماً على أن يعمل بمضامين القرآن الكريم بعد شهر رمضان المبارك.. والذي هو عاكف على معاصي الله -عز وجل- عليه أن يعلم أن أداء حق القرآن الكريم، وأداء حق ليلة القدر: هو أن يكف عما لا يرضي ربه في الشهر وبعد الشهر الكريم.