قبسات من السيرة الرضوية

س1/ بمناسبة ميلاد الإمام الرضا (ع) نبدأ بذكر قبسات من السيرة الرضوية ؟..

 ولادة الإمام الرضا (ع) كانت مقترنة بحوادث ، وأية حادثة أعظم من أن يمن رب العالمين هذه العطية العظمى للأمة!.. إمامنا موسى بن جعفر (ع) من بين الأئمة الذين تعرضوا لكثير من التعذيب ، متنقلاً من سجن إلى سجن ، إلى أن قضى نحبه في سجنه ، ودفن في تلك البقعة الطاهرة.. وكأن الله عزوجل أراد أن يعوض هذه المعاناة لإمامنا موسى بن جعفر (ع) ، بأن جعل له ولداً كعلي بن موسى ، الذي نحن هذه الليلة بجواره ، الإمام (ع) سر بميلاده كثيراً ..

وحقيقةً ، ولادة الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) كولادة آبائه وأبنائه ، كانت مقترنة بحوادث ، فهذا الحمل المبارك من موسى بن جعفر (ع) كان حملاً متميزاً ، إلى درجة كان مقترناً ببعض صور الكرامة..

تقول أم إمامنا الرضا تكتم أو نجمة : لما حملت بابني عليّ ، لم أشعر بثقل الحمل ، وكنت أسمع في منامي تسبيحاً وتهليلاً وتمجيداً من بطني ، فيفزعني ذلك ويهولني ، فإذا انتبهت لم أسمع شيئاً.. فلما وضعتُه ، وقع على الأرض ، واضعاً يده على الأرض ، رافعاً رأسه إلى السماء ، يحرّك شفتيه كأنه يتكلم.. فدخل إليّ أبوه موسى بن جعفر (ع) فقال لي : هنيئاً لك يا نجمة كرامة ربك !.. فناولته إياه في خرقة بيضاء ، فأذّن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، ودعا بماء الفرات فحنّكه به..

إذن، أئمتنا (ع) هم في ذلك الأفق الذي كان فيه الأنبياء والمرسلون ، من حيث صور الكرامة المتعددة.. كما أن عيسى (ع) عندما وُلد وصف نفسه بعبودية الله : {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} ، كذلك إمامنا الرضا (ع) كان في بطن أمه ، تبرز منه هذه الكرامة العظمى.. وكل هذه الكرامات المكتنفة لحياة الأئمة (ع) ، من أجل إعطائهم ذاك البعد الإلهي.. لأنه صاحب القوانين الطبيعية ، هو صاحب القوانين الإعجازية.. لا إعجاز في ديوان رب العالمين ، وإرادته فوق كل إرادة..

والملاحظ في هذا الحديث الشريف : أن أئمتنا (ع) كانوا يحنكون أولادهم بماء الفرات ، أي أن أول ما يدخل أجوافهم الطاهرة ، ذلك الماء الذي يرمز إلى سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه).. من ولادتهم إلى ساعة استشهادهم ووفاتهم ، وهم يلهجون بذكر الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).. وإمامنا الرضا (ع) -صاحب هذه القبة السامية- كان يقول : (أن يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا).. ولولا هذا القيام الحسيني ، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من عزة الإسلام والمسلمين ، وخاصة من زاوية منهج أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)..

وهذا المقام له قصص ، وطالما جاء الظلمة وهدموا هذه القباب الطاهرة ، ومن المعلوم أن آخر هذه الحوادث في مطلع هذا القرن ، عندما هجم الروس على هذا المرقد المبارك.. الذين يتجاسرون على مقامات أهل البيت (ع) ، عليهم الالتفات إلى هذه النقطة..

يقول السيد حسن الصدر في إجازته الكبيرة :

قد أخذ الله بثأر الحرم الرضوي من الدولة الروسية في هذه السنة -أي 1335- ، حيث بددها ، وقتل رجالها وسلطانها ، وشتت شملها ، وفرق جمعها ، وألقى بأسها بين أهلها ، حتى تمزقوا عباديد ، وصاروا طوائف لا جامع لهم ، بعد أن كانوا أقوى الدول ، ولا أضعف منهم اليوم ، تتقاسمهم الدول.. إن الله عزوجل يدافع عن أوليائه ، فكيف إذا كان الولي هو إمام زمانه ؟!..

نرجو من الله عزوجل أن يرجع العزة لمشاهد أهل البيت (ع) ، وخاصة لمشهد إمامينا العسكري والهادي (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ) ، وهما من أحفاد الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه).

س2/ من المعلوم عن الإمام الرضا (ع) أنه كان شخصية سياسية وحسب ، ولكن التاريخ نقل لنا بأن الإمام (ع) شخصية علمية كبيرة.. حبذا لو تسلط لنا الضوء على هذه الشخصية العلمية ؟..

البعد العلمي للإمام الرضا (ع) ، بعد متميز في سيرته العطرة.. والإمام عاصر في أواخر المئة الثانية من بعد هجرة النبي المصطفى (ص) ، وفي هذه الفترة حاول العدو من خلال أبواقه المختلفة ورجال بلاطه ، أن يشوهوا سمعة أهل البيت (ع) ، أو على الأقل يحاولون أن يغطوا على هذه الجهات الإيجابية في سيرتهم العطرة ، ولكن شاء الله عزوجل إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون..

لما كان الإمام (ع) في المدينة يقول الراوي : أنه جمع العلماء من المسائل ما كثر ، إلى درجة كانت إجابات الإمام (ع) ثمانية عشر ألف مسألة ، الإمام أجاب على كل هذه المسائل..

وكان للإمام (صلوات الله وسلامه عليه) حضور متميز في مسجد النبي الأكرم (ص) ، ومن قبل ذلك جده جعفر بن محمد الصادق (ع) ، كان قد استلم كرسي الفقه والحديث والأصول وغير ذلك..

ومن العجيب أنه بعض أفراد الأمة ، وبعض المستولين على مقدرات هذه الأمة ، أنه كيف تركوا هذا الخط الواضح ! ، وكيف أنهم وجهوا الناس توجيهاً خاطئاً في مختلف المجالات !..

الإمام الرضا (ع) كان يحاول من خلال بحثه مع العلماء ، أن يركز على القرآن الكريم ، هذا العنصر والجامع المشترك بين جميع المسلمين ، ليفهم الأمة بأنه (صلوات الله وسلامه عليه) يمثل القرآن والعترة ، العدلال اللذان تركهما النبي المصطفى (ص) في هذه الأمة.

 ومن جهود الإمام العلمية : تنزيهه الذات الإلهية من شبهة التجسيم .. الإمام (ع) كان يؤكد على حقيقة التوحيد ، وأن الله عزوجل فوق كل عنصر زماني ومكاني..

قال الرضا (ع) في : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، يعني : مشرقة ، تنتظر ثواب ربها..

وفي : {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} ، قد توحي ظاهر الآية عن أن هنالك حالة من حالات الرؤيا ، ولكنه (ع) يقول : أن الله -تبارك وتعالى- لا يوصف بمكان يحل فيه ، فيحجب عن عباده ، ولكنه يعني : عن ثواب ربهم لمحجوبون..

لأن هذه الفكرة كانت شائعة في صفوف المسلمين ، وبعض علماء الدين أخذوا ظواهر هذه الآيات وجمدوا عليها..

وسئل عن قوله تعالى : {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، فقال : إن الله تعالى لا يوصف بالمجيء والذهاب والانتقال ، إنما يعني ذلك : وجاء أمر ربك..

إذن، هذه الأحاديث المختلفة تدل على أن الإمام الرضا (ع) ، كان حريصاً على تنقية معالم التوحيد والأصول الاعتقادية ، من كل ما لا يليق به.. ومع ذلك نعلم أن الذي كان بجوار الإمام (ع) وهو المأمون ، لم يتحمل هذا الوجود الطاهر ، ومن هنا قام بما قام به..

ونحن اليوم بجوار هذا المرقد الشريف نزوره ، محيَّين هذه الحركة العلمية التي قام بها الإمام (صلوات الله وسلامه عليه)  في هذه الأمة.. ومن المعلوم أن الأئمة الذين جاؤوا بعد الرضا (ع) ، لقبوا بأبناء الرضا.. الإمام الهادي ، والعسكري ، والجواد ؛ هؤلاء لقبوا بابن الرضا ، لما تصدره الإمام من موقع متميز في الأمة..

ومن المناسب أن نذكر بيتين لأبي نواس :

خرج أبو نواس ذات يوم من داره ، فبصر براكبٍ قد حاذاه فسأل عنه ولم يرَ وجهه ، فقيل : إنه علي بن موسى الرضا (ع) ، فأنشأ يقول :

إذا أبصرتك العين من بعد غاية --- وعارض فيه الشك أثبتك القلب

ولو أن قوماً أمّموك لقادهم --- نسيمك حتى يستدل بك الركب

س3/ هناك حديث معروف بسلسلة الذهب ، ما هو هذا الحديث ، وما هي الظروف التي رافقت هذا الحديث ؟..

 حديث سلسلة الذهب من الأحاديث التي راجت في أوساط المؤمنين ، ومن الشعارات التي توصف بها مدينة مشهد حديث أنه هنا محطة من محطات بروز وتجلي حديث سلسلة الذهب..

الإمام الرضا (ع) عندما ورد إلى نيشابور-من المعلوم بعد المسافة بين المدينة التي هاجر منها الإمام الرضا (ع) وبين أرض طوس حيث مسافات شاسعة ، ولم تكن وسائل الاتصال والإعلام في تلك الأيام كيومنا هذا ، ولكن صيت الإمام وذكر أهل البيت (ع) وصل بشكل غير معقول إلى أقصى ديار المسلمين- اجتمع الناس حول الإمام ، والعلماء تكالبوا عليه من كل حدب وصوب ، يقول الراوي : الناس بين صارخ وباكٍ ، ومتمرغٍ في التراب -لا أدري ما الذي حصل ، حتى جعل هؤلاء يتمرغون في التراب ، وينتظرون قدوم إمام زمانهم ؟!- .. فصاحت العلماء : يا معشر الناس أنصتوا !.. فأنصتوا.. -وأخذ الإمام يحدثهم بحديث سلسلة الذهب ، ذكر الحديث وأسنده إلى أبيه موسى بن جعفر إلى أن وصل إلى جده المصطفى فعبر قائلاً قرة عيني رسول الله (ص)- فقال الإمام الرضا : حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، قال: حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله (ص) وآله، قال : حدثني جبريل، قال : سمعت رب العزة يقول : (لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني، أمن من عذابي)..

 لنتأمل ما الذي يريده الإمام (ع) من كلمة (لا إله إلا الله) بأنها حصن الله ؟.. هل هذا التلفظ الظاهري بكلمة (لا إله إلا الله) من موجبات الأمان ؟.. أبداً.. الذي يوجب أن يصل الإنسان إلى مرحلة الأمان والخلاص من غضب الرحمن ، هو الدخول في ساحة التوحيد بكل معنى الكلمة.. والتوحيد بكلمة واحدة : أن لا ترى مؤثراً في الوجود إلا الله عزوجل..

هذه الأيام حيث تكالبت قوى الأعداء علينا من كل حدب وصوب ، لو غرسنا في أنفسنا مفهوم التوحيد هذا ، لكان له أثره ، حتى في عالم السياسة ، وفي عالم المقارعة مع الظالمين.. عندما نعلم أن الأعداء مهما كثر وكبر كيدهم ، ومهما اتسعت دولتهم ورقعتهم وأسلحتهم ، فلنعلم بأن هنالك يد مهيمنة هي التي تسوق الأحداث في الواقع : {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}..

إذن، واقع التوحيد أن يرى الإنسان أن كل ما في الوجود بيده سبحانه وتعالى ، وهو الذي إذا أراد أهلك أمماً واستخلف أمماً ، يعز من يشاء ويذل من يشاء..

 س4/ لو تحدثنا عن فضل زيارة الإمام الرضا (ع) ؟..

الإمام باعتبار أنه عاش عالم الغربة عن وطنه ، ونعلم أنه عندما هاجر من المدينة وودع أهله وعياله ، إلى درجة علا بكاؤهم لمفارقة الإمام (ع).. عندما نقول الإمام هو غريب الغرباء ، لا نعني الغربة الفعلية الآن ، الإمام طوال التأريخ كان محطاً لرحال العشاق ومحبي أهل البيت (ع) ، ولكن لبعد داره عن موطن آبائه تظافرت الروايات في فضل زيارته.

 قال الإمام الهادي (ع) : من كانت له إلى الله عزّ وجل حاجة ، فليزر قبر جدي الرضا (ع) بطوس وهو على غسل ، وليصلّ عند رأسه ركعتين ، وليسأل الله تعالى حاجته في قنوته ، فإنه يستجيب له ، ما لم يسأل في مأثم أو قطيعة رحم ، فإن موضع قبره لبقعة من بقاع الجنة ، لا يزورها مؤمن إلا أعتقه الله تعالى من النار وأدخله دار القرار.

قال الرضا (ع) : إني مقتول ومسموم ومدفون بأرض غربة ، أعلم ذلك بعهدٍ عهده إليّ أبي ، عن أبيه عن آبائه ، عن رسول الله (ص) ألا فمن زارني في غربتي كنت أنا وآبائي شفعاءه يوم القيامة ، ومن كنا شفعاءه نجا ولو كان عليه وزر الثقلين.

من هذا المكان الطاهر نيابة عنكم جميعاً أسلم على الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) ، فكونوا معي في هذا السلام ، فإنه يشهد المقام ، ويسمع الكلام ، أينما كنتم من بلاد الله الواسعة :

السلام عليك يا سيدي ويا مولاي يا أبا الحسن !.. يا علي بن موسى الرضا !..

السلام عليك يا حجة الله ، على من فوق الأرض ، ومن تحت الثرى !..

يا أبا الحسن !.. يا علي بن موسى !.. أيها الرضا !.. يا حجة الله على خلقه !.. يا ابن رسول الله !.. إنا توجهنا واستشفعنا وتوسلنا بك إلى الله ، وقدمناك بين يدي حاجاتنا ، يا وجيهاً عند الله ، اشفع لنا عند الله !..

أقسم عليك يا سيدي بحق آبائك !.. أن تتقبل منا هذه الزيارة ، فأنت أهل لذلك..