الحذر من الغضب

طرق التعلم..
إن صحابة رسول الله (
) كان لهم مسلكان بالنسبة إلى التعلم:

أولاً: الخطبة.. إن بعض الصحابة كان ينتظر خطبةً من خطبه، أو موعظةً من مواعظه.
ثانياً: النصيحة..
والبعض منهم كان يطلب النصيحة منه () مباشرة.

إن المسلك الثاني هو الأشد تأثيراً!.. لذا، ينبغي للمؤمن عند زيارة عالم أو فقيه أو مرجع، أن يطلب منه النصيحة، وهذا الطلب يُسمى باللغة العربية "استوصاه"؛ أي طلب منه وصية.

طبيب النفوس..
كان النبي (
) عندما يُطلَب منه نصيحة، كانت إجاباته مختلفة، أي أنه كان ينصح كل شخص نصيحة مختلفة عن الآخر، وذلك لأن لكل واحدٍ منهم مرضه، والنبي () طبيب النفوس، فهو طبيبٌ دوّارٌ بطبه كما وصفه الإمام علي (عليه السلام) حيث قال: (طبيب دوَّارٌ بطبهِ، قد أحكمَ مراهِمَهُ، وأحمى مواسِمَه، يضعُ ذلكَ حيثُ الحاجة إليهِ مِن قلوبٍ عُميٍ، وآذانٍ صُمٍ، وألسنةٍ بُكم.. متتبعٍ بدوائهِ مواضعِ الغفلةِ، ومواطنِ الحيرة)، كان يعطي لكل واحدٍ دواء دائه.

وصية..
روي أن رجلا استوصى رسول الله (
)، فقال: (لا تغضب قط؛ فإن فيه منازعة ربك)، فقال: زدني!.. قال: (إياك وما يُعتذر منه؛ فإن فيه الشرك الخفي)، فقال: زدني!.. فقال: (صلٍّ صلاة مودع؛ فإن فيها الوصلة والقربى)، فقال: زدني!.. فقال: (استحي من الله استحياءك من صالحي جيرانك؛ فإن فيها زيادة اليقين.. وقد أجمع الله تعالى ما يتواصى به المتواصون من الأولين والآخرين في خصلة واحدة وهي التقوى، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، وفيه جماع كل عبادة صالحة، وصل من وصل إلى الدرجات العلى، والرتبة القصوى، وبه عاش من عاش مع الله بالحياة الطيبة، والأنس الدائم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾).

-(فإن فيه منازعة ربك).. أي أن من يغضب ويعاقب، هذا كأنه ربٌّ مصّغر؛ لأن رب العالمين هو الذي يغضب وهو الذي يُعاقب، لذا فمنْ أراد أن يغضب ويعاقب، فليحذر من أن يكون ربّاً آخر!.. فلو أن خادمة كسرت إناءً سهواً، لا يجب معاقبتها، فرب العالمين لا يؤاخذ على السهو، حتى لو أدى هذا السهو إلى القتل!.. مثلاً: لو كان هناك إنسان يلعب ببندقية، وانطلقت منها رصاصة وقتلت عالماً؛ هذا خطأٌ وسهوٌ، ما عليه إلا دفع الديّة، ليس هناك عقوبة أخرى.. أما الذي يغضب على مرتكب السهو ويضربه ويعّنفه ويلومه، هذا صار ربّاً، بل أشد عقوبة من الرب!..ً هناك رواية شبيهة يخاطب فيها رب العالمين موسى (عليه السلام) قائلاً: (يا موسى!.. إنّ الفخر ردائي، والكبرياء إزاري، من نازعني في شيءٍ منهما؛ عذّبته بناري).. وعليه، فإنه يجب على الإنسان عندما يغضب، أن لا يكون غضبه بأكثر من غضب الله عز وجل!..

-(فقال: زدني).. إن العبارة السابقة كافية، فلو أن أحدنا قال للناس: أنا إنسان لا أغضب أبداً، فإنهم سيقولون: أنت على ألف خير!.. ولكن هذا الصحابي طلب الزيادة.

-(قال: إياك وما يُعتذر منه).. أي لماذا تخطئ، فتضطر لطلب السماح من الطرف الآخر؛ هذا فيه ذلّة!.. لا ينبغي للمؤمن أن يكون إنساناً كثير الخطأ وكثير الاعتذار، رغم أن من يعتذر خيرٌ ممن يُخطئ ولا يعتذر، ولكن العاقل لا يجعل نفسه في موضع الاعتذار، هناك عُرُفٌ في بلاد الغرب، قبل أن يتكلم كلمة يقول: سامحني!.. هذا التعبير لا ضرورةَ له، هو لم يرتكب خطأ حتى يطلب منه المعذرة.

-(فإن فيه الشرك الخفي).. إن الإنسان لابد أن يكون بين يدي ربه متذللاً، وليس أمام البشر!.. نعم، قد يضطرّ بعض الأحيان إلى ذلك، ولكن المؤمن يحاول ألا يُقصّر كي لا يعتذر.

-(فقال: زدني).. أيضاً هذا لا يكفي.

-(قال: صلِّ صلاة مودّع).. هناك راوية أخرى عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله () أنه قال: (إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه، واجمع الإياس مما في أيدي الناس)، لعل بعض التفاسير تشير إلى صلاة العشاء، باعتبار أن الإنسان عندما ينام في الليل قد لا يستيقظ، ألا يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ؟!.. الكثير من الناس ماتوا أثناء نومهم؛ ولكن توصية النبي () هنا توصية عامة. وما يحث الإنسان على تلك الصلاة، أن يجعل في باله احتمالين:

الاحتمال الأول: عندما يصلي صلاة العصر -مثلاً- قد لا يوفق لصلاة العشاءين.

الاحتمال الثاني: إن جاءه الإقبال والخشوع في هذه الصلاة، قد لا يأتيه في الصلاة اللاحقة.. لذا، عليه أن يغتنم الفرصة، ولا يقطع هذا الإقبال باختياره!.. فإن كان في المسجد في صلاة العشاء وجاءته الرقة، عليه أن لا يستعجل في الخروج، بل يبقى دقائق إلى أن يزول هذا الإقبال.

-( فإن فيها الوصلة والقربى).. أي من يريد أن يكون متصلاً بالله عز وجل، ومن يريد القربى منه؛ عليه أن يصلي صلاة مودّع.

-(فقال: زدني).. هذا الإنسان يطمع في المزيد.

-(فقال: استحي من الله استحياءك من صالحي جيرانك).. بعض النساء إذا كانت لها جارة مؤمنة، فإنها تخشى من الفضيحة، إن خرجت بلا حجاب شرعي، لأن هذه الجارة قد تنقل عنها الأخبار، بأنها امرأة غير مؤمنة ومتهتكة؛ فترتدي الحجاب الشرعي، ولكن عندما تبتعد عنها تخفف من حجابها وتتزين؛ وهذا يعني أن هذه المرأة تخاف من الجارة.. أيضاً هناك من يخاف من الجار، فلا يُدخِل إلى منزله أناساً معروفين بسوء السمعة، البعض ممن لهم مخالفات أخلاقية يترصّد آخر الليل كي لا يراه الجيران، فيُدخل إلى المنزل أمثال هؤلاء.. فإذن، على المؤمن أن يستحي من الله عز وجل -على الأقل- كما يستحي من جيرانه.

-(فإن فيها زيادة اليقين).. أي لا تجعلِ الله عز وجل أهون الناظرين!..

-(وقد أجمع الله تعالى ما يتواصى به المتواصون من الأولين والآخرين).. وكأنَّ الله عز وجل يقول: الشرائع السماوية كلها كلمة واحدة؛ فالله عز وجل أوصى المسلمين، وأوصى النصارى، وأوصى اليهود، بكلمة واحدة.. لم يقل: من أهل الكتاب، بل حتى قبل موسى وعيسى (عليهما السلام) أي منذُ آدم (عليه السلام).

-(في خصلة واحدة؛ وهي التقوى).. هذا ما أوصى الله تعالى به الأولين والآخرين؛ التقوى.. والتقوى إجمالاً هي: أن يراعي المتقي: غضب الله، ورضا الله، ونظر الله، وسمع الله عز وجل.

-(قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾).. يستشهد النبي الأكرم () بهذه الآية الكريمة التي طالما مررنا عليها دون أن نعي معناها!.. فالإنسان هذه الأيام أشبه ما يكون بموظف، والكاميرا الخفية مسلطة عليه، هذا الموظف يتقي مدير الشركة؛ لأن أي زلل أو خطأ سيؤدي إلى عتابه أو عقابه أو فصله من عمله.. فلو عاش الإنسان في الدنيا كما يعيش الموظف في المؤسسة التي فيها رقابة بالكاميرا؛ يكون إنساناً متقياً.