شرح فقرات دعاء كميل
المحاضرة الأولى

إن دعاء كميل يُعتبر معلما من معالم ليلة الجمعة، فهو دعاء أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، هذا الدعاء رواه كميل بن زياد.. فرب العالمين له أساليبه في جعل الأبدية والخلود للبعض، ونحن نعتقد أن هذا الدعاء من الأدعية المخلدة في تاريخ المسلمين، ومحبي أمير المؤمنين صلوات الله عليه.. وهنيئا لكميل!.. فكم قُرئ هذا الدعاء على مر القرون في المشاهد المشرفة، ولا شك أنه كلما قُرئ من هذا الدعاء، فهو مدون في سجل هذا العبد الصالح، الذي كان من خيار أنصار أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.. ويبدو من بعض الروايات والنقل أنه هو الذي سأل عليا حول هذا الدعاء، وكان له الفضل في وصول هذا المضامين الربانية إلينا نحن.

 

نحن نقرأ الدعاء ليلة الجمعة، ولكن قبل قراءة هذا الدعاء أو أي دعاء آخر مثل: دعاء الصباح، ودعاء الافتتاح، أو دعاء الندبة، أو دعاء يوم عرفة؛ علينا أن نتأمل في المضامين.. فنخن -للأسف- لا نتأمل المضامين، سواء عند قراءة القرآن الكريم، أو أدعية أهل البيت عليهم السلام.. وأغلب الناس يقرأ الدعاء مقدمة لقضاء الحوائج، فكأن الدعاء لا قيمة له في حد نفسه.. ولهذا لو أن إنسانا له حاجة ملحة، وابتدأ بقراءة دعاء الجوشن، وفي وسط الدعاء قيل له: أن حاجته قد قضيت؛ فيحتمل أن يقطع الدعاء، لأن السبب انتفى بالنسبة له!.. وهذا خطأ.. فالإنسان يتلذذ بمناجاة ربه، والدليل على ذلك موجود في القرآن الكريم، وهو تعامل موسى -عليه السلام- مع رب العالمين، رب العالمين يسأل موسى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}، والإنسان في محضر الله -عز وجل- من المفروض أن يتأدب في الجواب، ومن المعروف أن من آداب الحديث مع الشخصيات الكبيرة، أن يُجمل الإنسان القول ولا يفصله تفصيلا يعرفه المخاطب، يتكلم مع رب العالمين فيقول: بيدي عصا وانتهى الأمر.. إذن، ليس المقام مقام تفصيل، فإذا بموسى -عليه السلام- يغتنم الفرصة ليقول: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}، وكأنه ينتظر أن يأتي الوحي بسؤال: ما هي هذه المآرب الأخرى يا موسى حتى يكمل، مثلا يقول: أضرب بها على ورق الشجر ليتساقط، ثم يأكل منه الغنم مثلا.. يقول العلماء: أن موسى -عليه السلام- اغتنم الفرصة، فرب العالمين سأله سؤالا، أي أذن له بالكلام، عندئذ أخذ يفصل ويفصل.. ونحن في أدعيتنا نشكر الله -تعالى- أنه أذن لنا في دعائه، كما ورد في دعاء الافتتاح (اللهم!.. أذنت لي في دعائك ومسألتك، فأسمع يا سميع مدحتي، وأجب يا رحيم دعوتي، ….الخ)..

 

فإذن، إن الإنسان من خلال الدعاء، يحاول أن يتحدث مع ربه.. فالدعاء -كما نعرف- هو حديث العبد مع الرب، وكذلك الصلاة، فكما هو معروف أن الخطاب على نحوين: الخطاب الصاعد من العبد إلى اللّه، والخطاب النازل من الله تعالى إلى العبد.. فالخطاب الصاعد: هو "الصلاة" و"الدعاء"، وهو القرآن الصاعد.. والخطاب النازل: هو "القرآن" النازل من عند الله على الناس.. فتارة رب العالمين يكلم عبده من خلال قرآنه، وتارة العبد يكلم ربه من خلال الصلاة.. والصلاة لغة تعني الدعاء.

 

إن هنالك بعض القواعد العامة، لا بد من ذكرها بالنسبة إلى الأدعية بشكل عام، منها:

 

أولا: عدم تخصيص الأدعية: إن الأدعية الواردة في مناسبات معينة: كليلة الجمعة -مثلا- أو صباح الجمعة، أو بين الطلوعين، أو في شهر رمضان، أو ليالي القدر.. ليس معنى ذلك النهي عن قراءة هذه الأدعية في غير هذه الأوقات!.. إذا كان الإنسان يستأنس بمضمون الدعاء؛ فليحفظه!.. إن أغلب المؤمنين هذه الأيام حتى لعل الأطفال الصغار، إذا قيل لهم: هذه الفقرات من أي دعاء؟.. يعرفون أن هذه الأجزاء من دعاء كميل، لشدة أنسهم بهذا الدعاء.. فما المانع أن نستخدم هذه المضامين الراقية في سجود صلاتنا، وفي قنوتنا، وفي صلاة الليل، وفي مناسبات مختلفة؟!.. فالإنسان قد يتفاعل مع بعض الفقرات من أدعية أهل البيت عليهم السلام.. لماذا يغفل الناس عن دعاء رفع المصاحف سنة كاملة؟.. فهذا الدعاء ليس فيه أي إشارة إلى ليلة القدر (اللهم!.. إني أسألك بكتابك المنزل وما فيه، وفيه اسمك الأعظم …الخ) ليس هنالك عبارة واحدة تشير إلى شهر رمضان، ولا إلى ليلة القدر.. ودعاء رفع المصاحف تقريبا تطبيق عملي لحديث النبي- صلوات الله عليه-: (إني تارك فيكم الثقلين)؛ الكتاب على رأسك وبين يديك، وذكر أئمة أهل البيت على لسانك؛ أي هناك تركيبة جامعة بين التوسل بالله -عز وجل- وبكتابه وبنبيه وبأوليائه إلى الإمام الأخير.. وهذا درس لنا جميعا: أن نستعمل أدعية أهل البيت في مناسبات مختلفة.

 

ثانيا: الدعاء أثناء الصلاة: بعض الأفراد أو بعض المقلدين، لا يعرفون أن الإنسان بإمكانه أن يدعو في غير القنوت، يظن بأن المكان الوحيد للدعاء بين يدي الله هو القنوت، أما إذا قال: (سمع الله لمن حمده) ثم بدا له أن يقرأ فقرات من دعاء كميل يقول: لا، هذا لا يجوز، لماذا لا يجوز؟.. بين السجدتين تقول: أستغفر الله ربي وأتوب إليه، ثم تقول: (اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم.. اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء).. ما المانع من ذلك؟..

 

فإذن، إنه لمن المناسب جدا للمصلي أن يدخل الدعاء في كل صلاته.. فالمؤمن تأتيه بعض الحالات في مقام إبراهيم -مثلا- أو في روضة النبي الأكرم، وأحيانا تأتيه الرقة في الصلاة.. والمؤمن على كل حال له حالات: يقبل يوما، ويدبر يوما.. قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتَعرَّضوا لها.. فلعلّ أحدكم تصيبه نفحة، فلا يشقى بعدها).. وهذه النفحات جدا غالية على الله عز وجل، ولهذا يقول: (في أيام دهركم) وليس كل يوم.. وإن كان البعض من المؤمنين له في كل ليلة، وفي كل صلاة ليل، نفحات إلهية تفيض عليه.. ولكن العامة من الناس في السنة: في الحج، أو العمرة، أو في ليلة القدر؛ لهم في الدهر أربع أو خمس محطات ملفتة.. أما البعض فإنه يستنشق ذكر الله كالهواء، إذا انقطع عنه الهواء خمس دقائق يختنق.. بعض المؤمنين علاقته بالذكر، هي هذه العلاقة العضوية الوطيدة.. مثلا: أنت في الروضة وخلف المقام تأتيك هذه الرقة التي كنت تنتظرها طوال موسم الحج؛ فعليك بمناجاة الله -عز وجل- بما تريد.. ومن أفضل الساعات لاغتنام الفرصة، إذا جاءتك في حال الصلاة، فتدعو الله في أثناء الصلاة.

 

إن البعض يستعد أن يصلي حتى يدعو بعد الصلاة، لماذا لا تدعو أثناء الصلاة، لأنك أنت الآن بين يدي الله وفي ضيافته، وأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد؛ فكيف إذا كانت الصلاة في روضة النبي، أو في الحرم المكي، يدعو الله عز وجل!.. حتى أن بعض العلماء في صلاة الفجر، كان يطيل في دعائه في الصلاة، لعله إلى قريب طلوع الشمس.. هما ركعتان تحتاجان لمدة دقيقتين، وإذا به يستمر بها لمدة ساعة ونصف تقريبا بين الطلوعين، ماذا يعمل في هذه الصلاة؟.. كان يناجي ربه في كل فقرة من فقرات صلاته، وهذا من الاقتراحات المناسبة في هذا المجال، أن نخلل الأعمال العبادية بالأدعية.. بعض الناس لا يعرف ماذا يقول في طوافه، فيقرأ دعاء كميل.. ونحن ندعو من له قدرة على الحفظ، أن يحفظ دعاء كميل، أو دعاء الصباح، أو سورة ياسين.. وهذا يحتاج إلى ذهنية صافية، وهذه الأيام أغلب الناس أذهانهم مشوشة، قد لا يمكنهم حفظ سورة قصيرة من آخر القرآن الكريم.. ولكن من وفق لذلك فهنيئا له!.. في الطواف يقرأ هذا الدعاء، وفي السعي، وفي جميع الأعمال.

 

ثالثا: الدعاء بغير العربية: البعض قد لا يعلم أنه يجوز الدعاء بغير العربية، حتى في غير القنوت، أثناء الصلاة إنسان ساجد يدعو الله باللغة الانجليزية -مثلا- يريد أن يحدث ربه، نعم هو يقول بالعربية: (سبحان ربي الأعلى) ولكن لا يتفاعل مع هذا الذكر؛ لأنه لا يعلم معناه!.. نحن الناطقون باللغة العربية لا نعلم معنى (سبحانك)!.. نقول: (سبحان ربي الأعلى)، نعرف معنى الأعلى، ولكن ما معنى سبحانك؟.. السبحان يعني التنزيه من أي شيء، لماذا لم يقل: أسبح الله؟.. قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ولماذا لم يقل: سبحان ربي الأعلى بحمده؟.. لماذا يقال: (وبحمده)؟.. لماذا استخدمت الواو هنا؟.. وهذا اتفاقا من أعقد الأبحاث!.. لعل أول ما يتبادر إلى الذهن هو هذه الأسئلة، فكيف بإنسان لا يتكلم العربية، وهو يريد أن يدعو بلغة قومه؟!..

 

رابعا: الاكتفاء بقراءة قسم من الدعاء: إن البعض قد يستنكف عن قراءة دعاء كميل ليلة الجمعة، والسبب في ذلك أن وقته ضيق.. فمن قال بأنه عليك أن تقرأ الدعاء من أوله إلى آخره؟.. بإمكانك أن تقرأ قسما من الدعاء عند ضيق الوقت، مثلا من فقرة: (اَللّهُمَّ وَمَنْ أرادني بِسُوء فَاَرِدْهُ) إلى آخر دعاء كميل، كلها مضامين عالية.. وكذلك فإن النتيجة والثمرة النهائية، موجودة في هذه الفقرة وما بعد: (وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجَاً، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً، وَمُنَّ عَلَيَّ بِحُسْنِ إِجابَتِكَ) إلى أن تقول: (وَاجْعَلْني مِنْ أحْسَنِ عَبيدِكَ نَصيباً عِنْدَكَ، وَأَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةً مِنْكَ، وَأخَصِّهِمْ زُلْفَةً لَدَيْكَ...الخ).

 

فإذن، مع ضيق الوقت اقرأ قسما من الدعاء!.. بل نقول: مع سعة الوقت، لا تبغض عبادة الله إلى نفسك.. عن الرسول الأكرم (ص): (إن للقلوب إقبالا وإدبارا: فإذا أقبلت؛ فاحملوها على النوافل.. وإذا أدبرت؛ فاقتصروا بها على الفرائض).. فمن الخطأ أن يلزم الإنسان نفسه بما لا يستسيغه، كمن يصلي صلاة مستحبة وهو كاره، أو يقرأ الدعاء وهو كاره، وهذه الأيام الهمم العالية أصبحت قليلة، أصبحنا نتعب ونكسل سريعا.. الآن من باب خداع الشيطان، طبعا فكما أن الشيطان يخدعنا نحن أيضا نخدع الشيطان، قل: يا أبا مُرّة -كنية الشيطان أبو مُرّة- أنا سأقرأ العبارات الأولى من دعاء كميل، أنا إنسان مجبر الآن، لأنك تقول لي: لا تقرأ الدعاء، لذا أنا سأقرأ أربعة أسطر من الدعاء إلى (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ).. أنت عندما تبدأ الدعاء، ترى أبواب السماء فتحت، والشهية فتحت، فتقول: يا أبا مُرّة، سأقرأ العشرة أسطر الإضافية، إذا بك أنهيت الدعاء!..  وهكذا في صلاة الليل!.. إن الخطاب للشيطان، وبعض الأوقات يكون الخطاب للنفس الأمارة للشيطان.. فالشيطان يؤسس كيانا، يقول لك: نفسك الأمارة بالسوء، هي سفارتي في وجودك، بدل أن أتعب نفسي معك؛ فإن هذه النفس تمثلني في وجودك.. لذا أنت قل لهذه النفس: يا نفس!.. هذه الليلة سأصلي ركعتين، وبعدها ركعتين، وكل فترة تزيد عدد الركعات إلى أن تصبح الصلاة كاملة.. اخدعوا النفس بهذه الكيفية، وهذه خدعة جيدة!.. فالنبي صلوات الله وسلامه عليه يقول: (الحرب خدعة) ونحن نعرف أن الحرب مع النفس، والجهاد مع النفس، هو الجهاد الأكبر.. فالإنسان بهذه المناسبة يخادع نفسه، ويخادع شيطانه بهذه الكيفية.

 

خامسا: قراءة الدعاء برجاء المطلوبية: بعض الناس: إما من باب البحث العلمي، أو من باب التظاهر بالجو العلمي أو الثقافة؛ عندما يتحدث، أو عندما يناقش، أو عندما يسأل.. ليس من منطلق الجهل، أو البحث عن الحقيقة، بل من منطلق التظاهر يقول: هذا الدعاء ما سنده؟.. سنده ضعيف، من قال: هذا الدعاء صحيح؟.. من قال بأن دعاء الصباح دعاء وارد؟.. من قال: كذا، ومن قال: كذا؟..

طبعا الجواب: نحن لا نُطالب بالسند القطعي في قراءة الدعاء، نحن لسنا في مقام الإفتاء، ولسنا في مقام بيان الحلال والحرام، ولسنا في مقام الإلزام: لا تحريما، ولا إيجابا.. فمن يقول بأنه في الأدعية المستحبة لا نقرأ إلا الدعاء الذي ثبت سنده أو ثبت بسند صحيح؟.. هذا أيضا من الأمور الذاتية، أن تعتبر أن الدعاء الذي روي وإن كان مرسلا، وإن كان من غير سند، أو كان فيه رواة ضعاف، يُقرأ برجاء المطلوبية، وخاصة إذا كانت المضامين راقية.. هنالك دعاءان علماؤنا يرتاحون لقوة المضمون فيهما، مما يجعل الإنسان لا يوسوس كثيرا في السند.. وهما دعاءان مرويان عن أمير المؤمنين -صلوات الله وسلامه عليه-: دعاء الصباح (يا من دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملاءمة كيفياته!.. يا من قَرُبَ من خطرات الظُنون)!.. هذه المضامين هي مضامين في أعلى درجات التوحيد، وليس كل إنسان يمكنه شرح مقدمة دعاء الصباح، إلا وقد اجتاز دورات عقائدية وفلسفية وكلامية.. فإذن، إن هذا الدعاء، ودعاء كميل؛ دعاءان بليغان.. انظروا إلى هذه المضامين!.. ما الذي يجعل الإنسان ويقول: هذا المضمون فيه ضعف، وفيه إشكال؟!..

 

إن هنالك بعض الأدعية فيها عبارات بليدة، لا نعرف معناها، ولكن عندما نقرأها، نقرأها تعبداً لأن فيها ألفاظا غير عربية، ولا نعرف ما معنى هذا الدعاء!.. ولكن دعاء كميل، ودعاء الصباح، وغيره من الأدعية؛ المضامين واضحة جدا، وراقية جدا.. إذ إن الإنسان يكاد يرتاح لهذه المضامين، فهذا الدعاء لو لم يصدر من أمير المؤمنين، هل كتب الله له هذه الشهرة في طوال هذه السنوات والأعوام والقرون؟..

 

وأيضا بعض أولاد الأئمة -عليهم السلام- هذا الذي يزار أو الذي يتبرك بزيارته، وتقضى منه الحوائج.. فإن رب العالمين لا يعطي هذه الكرامات والبركات من دون سبب وجيه!.. هذه السيدة الجليلة المسكونة في عش آل محمد، فاطمة بنت موسى بن جعفر صلوات الله عليهم، صحيح لا توجد روايات كثير عنها، ولا سيرة واضحة مدونة ولا كتاب ضخم عنها.. ولكن ما رأيناه في هذه السنوات الطويلة من البركات والكرامات، يجعل الإنسان يطمئن إلى أن هنالك شيئا إلهيا في هذا المرقد الشريف.. ودعاء كميل أيضا كذلك، يبدو أن هنالك ارتضاء إلهيا لهذه المضامين التي كتبت لها الأبدية والخلود.

 

إن العلامة المجلسي- رحمه الله- صاحب كتاب بحار الأنوار، -طبعا البعض قد ينتابه شيء من الحالة السلبية عند ذكر هذا الكتاب، قد يقول: أنا رأيت رواية غير معقولة لم أقبلها.. نقول: أولا الشيخ- رحمه الله- ما كان في مقام جبر الصحاح.. فليس عندنا -نحن الإمامية- كتاب واحد ندعي أنه كالقرآن الكريم صحيح من أوله إلى آخره، هذا الكلام غير وارد في منطق الإمامية.. فكيف بمائة وعشر مجلدات؟.. إن هذا العالم الجليل كان في مقام جمع روايات أهل البيت، ثم يقول: هذا الذي جمعته، فأيها العلماء ابحثوا في هذه المضامين، هذا جهدي في زماني.. هو جمع هذا التراث الضخم، وعلى العلماء والمدققين التنقيب حول هذه المضامين.. إن هذا العالم الكبير له حق على المسلمين، وكتابه البحار فيه روايات النبي وآل النبي، فليس حقه على مدرسة أهل البيت فحسب، وإنما حقه على المسلمين كافة.. وأيضا هناك روايات في كنز العمال، وهو من خارج مدرسة أهل البيت، روايات أخلاقية جميلة ينقلها صاحب كنز العمال، ونحن ننقلها في كتبنا ونستأنس بها وننقلها على المنابر.. فما المانع أن ينظر أيضا باقي المسلمين إلى التراث الحديثي في البحار وغيره، وينقلون المضامين الأخلاقية التي يجمع على أنها مضامين أخلاقية لا ريب فيها-؟.. يقول المجلسي رحمه الله: (إنه أفضل الأدعية) ولم يقل: (إنه من أفضل الأدعية) هذا الرجل يعطي شهادة، هذه الشهادة شهادة أكاديمية محترمة، لم ينقلها إنسان عادي أو إنسان له مستوى علمي محدود، بل إنسان يعتبر في تاريخ الإمامية من أعظم المحدثين وأستاذ المحدثين: رجل عالم، نقل روايات، وجمع روايات.. ولكن أثناء الجمع أيضا له تعليقاته على بعض الروايات، هذا الرجل يقول عن دعاء كميل: (إنه أفضل الأدعية، وهو دعاء الخضر عليه السلام).

 

هنا نتمسك بهذه القاعدة: أن أمير المؤمنين -صلوات الله عليه- لعله أراد بهذا الدعاء أن يبين لنا فضل الخضر هذا العبد الصالح، وهذا الولي الذي هو في زمان الغيبة، والحديث عن الخضر كثير، ولكن نقف عند هذه النقطة ونقول: إن الدعاء الذي يعتبره المجلسي أفضل دعاء، هذه شهادة تدعونا للتدبر والتأمل في مضامين هذا الدعاء.

 

ملاحظة: إن البعض منا قد يرى رواية غريبة لا يستسيغها، أو لا تنسجم مع عقله هو، لا مع عقل البشر، ولا مع عقل كل عقلاء العالم، هو لا يستسيغ.. ولكن احتراما لأهل البيت ورواياتهم لا تسارع إلى الإنكار، ولكن رده إلى أهله.. والذي ينفي أحاديث أهل البيت لمجرد الاستغراب، هذا إنسان لديه نقص في البعد العلمي، فأن يسارع الإنسان إلى النفي بمجرد الاستغراب، هذا لا يقبله البحث الأكاديمي.. ولو كان الأمر منوطا باستغرابنا لحكمنا -والعياذ بالله- على آيات من القرآن بأنها آيات غير معقولة، مثل آية: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي يد هذه؟.. و{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، كيف يأتي الرب مع الملائكة؟.. فرب العالمين (لا يكيف بكيف، ولا يؤين بأين)، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}، {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}.. فإذن، هذه الآيات كما أن فيها محكمات ومتشابهات، كذلك في تراث أهل البيت عليهم السلام، هنالك محكمات وهنالك متشابهات، على الإنسان إما أن يكون أكاديميا، أو متأدبا في مناقشة هذا التراث العظيم.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج