شرح فقرات دعاء كميل
المحاضرة الثالثة عشر

إن الإنسان من الممكن أن يتفاعل مع فقرة من فقرات الدعاء، مثلا في دعاء كميل يلهج بهذه العبارة: (اِلـهي وَرَبّي مَنْ لي غَيْرُكَ)!.. لو أن الإنسان وصل إلى هذه الفقرة، وتفاعل معها تفاعلا بليغا، بحيث لو أكمل الدعاء من الممكن أن يذهب عنه ذلك التفاعل؛ ما المانع أن يبقى في هذه الفقرة، إلى أن يستنفذ تفاعله وجهده في هذا المجال؟!.. فالمؤمن له هذه القاعدة: أنه إذا رب العالمين منحه الإقبال، لا يتحول عن الحالة التي هو عليها، مادام ذلك الإقبال موجودا!..

 

إن الإمام -عليه السلام- في هذه الفقرة يذكر عبارات بليغة حيث يقول: (هَيْهاتَ!.. أنْتَ أكْرَمُ مِنْ أنْ تُضَيِّعَ مَنْ رَبَّيْتَهُ، أوْ تُبَعِّدَ مَنْ أدْنَيْتَهُ، أَوْ تُشَرِّدَ مَنْ آوَيْتَهُ، أَوْ تُسَلِّمَ اِلَى الْبَلاءِ مَنْ كَفَيْتَهُ وَرَحِمْتَهُ)؛ أي يا رب!.. أنت أحسنت إلي فيما مضى، ولو باعتبار زمان الطفولة.. فالإنسان عندما كان طفلا في بطن أمه، كان في رعاية الله -عز وجل- حيث لا راعي سواه في ظلمات الأرحام، هو الذي نقش هذا الوجود البديع.. فيا رب، أنت أحسنت إلي فيما مضى من أيام حياتي، ولو باعتبار عالم الأجنة، والآن لا تقطع إحسانك عني.

 

إن أمير المؤمنين -عليه السلام- يذكرنا بهذه القاعدة الموجودة عند كرام الناس، وهي: أن الكريم لا يقطع عطاءه إلا بموجب قوي، وإلا فإن الهفوات الجانبية عادة الكرماء يتجاوزون عنها.. وهذه الفقرات تذكرنا بالدعاء الذي يوضع في يد الميت، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من كتب هذا الدعاء وألقي في كفن الميت، أو وضع في يده لا يعذب في قبره، والله والله والله!.. وهذا هو الدعاء: (بسم الله الرحمن الرحيم اللهم!.. هذا أول قدومي إليك فأكرمني، فإن الضيف إذا نزل بقوم يكرم، وأنت أولى بالكرامة.. اللهم مادمت حيا عصيتك وأنت أحسنت إلي، والآن انقطع عصياني، فلا تقطع إحسانك عني.. يا رب أعتقني من النار، بمحمد وآله الأطهار الأخيار الأبرار، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين).. إن هذه العبارة حتى لو لم يقلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مثلا: إنسان في أيام حياته، كان في حال توجه خلف المقام، أو تحت الميزاب؛ لا مانع من أن يأخذ معه ورقة وقلم، ويكتب هذه العبارات، ثم يدفع الورقة لورثته من أجل وضعها في كفنه.. عندما يكتب هو هذه العبارات بيده في الدنيا، نعتقد أن لها أثرا مميزا.. فأمير المؤمنين -عليه السلام- يعلمنا هذا المنطق في الحياة الدنيا، قبل أن تموت قل: يا رب ما رأيت منك إلا جميلا (أنْتَ أكْرَمُ مِنْ أنْ تُضَيِّعَ مَنْ رَبَّيْتَهُ، أوْ تُبَعِّدَ مَنْ أدْنَيْتَهُ).

 

إن الإنسان إذا أكرمه الله -عز وجل- بكرامة من الكرامات، وسلبت منه هذه الكرامة؛ فليعلم أنه من الأشقياء.. هنالك عمل قام به العبد، جعل رب العالمين يسلب منه هذا العطاء، وهذا خلاف طبع الكريم، فرب العالمين يمهل ولا يهمل.. وهنا نحب أن نشير إلى نقطة مهمة: إن البعض قد يقول: أن هذا الكلام مبشر، معنى ذلك أنه ما أعطينا من النعم، سوف لن تسلب بالهفوات، ونحن في كل يوم نرتكب هفوة أو هفوتين!.. نعم، صحيح الهفوات الصغيرة لا تسلب النعم، ولكن حذار حذار من تراكم الهفوات!.. لأنه من الممكن أن هذه الهفوات الصغيرة المتراكمة، يكون مفعولها كمفعول الذنوب الكبيرة، لذلك قال الصادق (عليه السلام): (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار).

 

إن الإمام -عليه السلام- بعد ذلك، يشير إلى بعض الأعضاء التي أطاعت ربها، ولو في ساعات من اليوم أو الأسبوع، فيقول: (وَلَيْتَ شِعْري يا سَيِّدي وَاِلـهي وَمَوْلايَ، أتُسَلِّطُ النّارَ عَلى وُجُوه خَرَّتْ لِعَظَمَتِكَ ساجِدَةً)؟!.. وهنا إشارة بسيطة: إن البعض عندما يصل إلى هذه الفقرة، يخر ساجدا.. لا مانع من ذلك، الإمام لم يقل: الآن اسجد!.. بخلاف دعاء الصباح، حيث في آخر الدعاء قال: قم واسجد وقل: (إلهي!.. قلبي مَحجُوب، ونفسي مَعْيُوب، وعقلي مَغْلُوب، وهوائي غالب).. أما في دعاء كميل، ليس هنالك أمر بالسجود؛ ولكن ما المانع أن نسجد لله -عز وجل- من باب العمل بالعمومات، أي حركة عبادية إذا انطبقت عليها العمومات فلا ضير.

 

إن بعض الناس قيدوا أنفسهم، إذ اعتبروا كل حركة عبادية ليس فيها إذن بدعة.. في حال أن هذه الحركة العبادية لها أمر عام، ونحن لا نأتي بها بداعي الخصوصية، مثلا: في النهار، في الساعة العاشرة نهارا، أصلي لله عز وجل، والصلاة خير الموضوع، من شاء استقل ومن شاء استكثر.. هل إذا صلى المؤمن في الساعة العاشرة صباحا؛ قربة إلى الله -عز وجل- من باب العمل بعمومات إقامة الصلاة في كل حال، هل هذا يعتبر بدعة في الدين؟.. نعم، لو قلت: في هذا الوقت تستحب هذه الصلاة، نعم هذه بدعة!.. لكن أنا ما ادعيت ذلك، وليس بعنوان التشريع أنه يستحب في دعاء كميل أن يسجد الإنسان في هذه الفقرة، ولكن هي حركة جميلة، وكأن العبد يقول لربه: يا رب أنا أقرأ هذا الدعاء، وأدعي هذه الدعوة، وأنا في حال السجود.

 

(وَعَلى اَلْسُن نَطَقَتْ بِتَوْحيدِكَ صادِقَةً، وَبِشُكْرِكَ مادِحَةً).. في هذه الفقرة -والله العالم- كأن الإمام -عليه السلام- يريد أن يفهمنا أن الجارحة إذا اتصفت بصفة إلهية، هذه الجارحة كأنها أصبحت من شؤون الله -عز وجل- ولو في مرحلة من المراحل.. مثلا: هذا القلم كان في يوم من الأيام يكتب، والآن جف حبره، من الممكن أن تقول: إن هذا القلم قلم كاتب، باعتبار الأيام التي كان القلم يكتب فيها.. أي يا رب أنا جوارحي في يوم من الأيام اتصفت بعبادتك، وأصبحت منسوبة إليك، ولساني في يوم من الأيام ذكرك، وأصبح لسانا إلهيا ولو في تلك الفترة القصيرة.. أي يا رب أنا صحيح بعد تلك الفترة أدمنت المعاصي، أنا من الصباح إلى الليل مشغول باللهو والحرام والغيبة.. ولكن يا رب لساني في اليوم يذكرك خمس مرات، يا رب لاحظ هذه اللحظات المقدسة من ذكرك، هذه الساعات، هذه الدقائق.. لا تنظر إلى ساعات الظلمة في حياتي، وانشغال جوارحي بما لا يرضيك.. وبعبارة أخرى نقول: لو أن هذا المكان دخله الملك لدقائق، ثم دخله غير الملك ساعات، ألا يقال بأن هذا المكان مكان محترم؛ لأن الملك قصده فدخل فيه ولو دقائق!.. أي يا رب وجودك وجود شريف في حياتي، وعنايتك عناية كبيرة، وقلبي ولساني وجوارحي امتثلت أوامرك، فلا تعاقبها يوم القيامة بذلك.

 

(وَعَلى قُلُوبٍ اعْتَرَفَتْ بِإلهِيَّتِكَ مُحَقِّقَةً).. يوم القيامة من الممكن أن يقول العبد لربه هذا الكلام، لعله في عرصات القيامة يتذكره، فيكون له حجة يوم لقائه، ألا نقول في الدعاء: (اللهم!.. لقني حجتك يوم ألقاك).. وإن كنا نعتقد إن الإنسان يوم القيامة، يذهل عن كثير من الأمور.. ولكن نحن نقول: يا رب ما نقوله هذه الليلة لا تنسينا إياه في عرصات القيامة.. فما هي إذن هذه المقولة؟.. قل: يا رب أنا وجودي على قسمين: لي جوارح، ولي جوانح.. لي بدن، ولي روح.. يا رب الذي تلوث في الحياة الدنيا هو الجوارح: أنا عيني عصت، ولساني عصى، والأذن سمعت الحرام، واليد امتدت إلى ظلم العباد.. ولكن يا رب أنا لي جوانح، لي قلب، وهذا القلب ما عصاك.

 

أتعلم أن قلب المؤمن من الممكن أن يقال بأنه قلب عادل؟!.. متى أعرض القلب عن الله -عز وجل- بمعناه الكامل!.. إن الغفلة من شؤون عالم الذهن، ولكن هل خرج الحب الإلهي من قلبك ولو بمعناه الساذج!.. طبعا الحب الإلهي في قلوبنا نحن لا يقاس بالأنبياء والأولياء، ولكن هذا الحب القليل، هذا الحب الطفولي، هذا الحب البسيط الذي أعتقد به يا رب ما خرج من قلبي، اعتقادي بربوبيتك ما خرج من قلبي وفؤادي، فيا رب لا تنظر إلى جوارحي فحسب!.. بل انظر إلى هذا القلب الذي اعترف بربوبيتك، ومن منا لا يعترف بهذه الألوهية!..

 

(وَعَلى ضَمائِرَ حَوَتْ مِنَ الْعِلْمِ بِكَ حَتّى صارَتْ خاشِعَةً).. نحن أيضا جوارحنا الباطنية حاملة لهذا العلم.. فإذن، إن لسان حال المؤمن في الدنيا والآخرة، هو: يا رب إن شفيعي إليك في مقابل عصيان الجوارح، هو طاعة الجوانح.. قد يقول قائل: إن من مكبرات الجوانح، سوء الظن، والحسد الباطني، والخيالات الفاسدة!.. هذا أيضا إن شاء الله معفو عنه بكرمه تعالى، لأن هذه الصفات الباطنية، ليست دائما تنعكس على هذه الجوارح، ورب العالمين لا يؤاخذنا بالملكات الباطلة إذا لم تسجل في مقام العمل.

 

(ما هكَذَا الظَّنُّ بِكَ، وَلا اُخْبِرْنا بِفَضْلِكَ عَنْكَ).. الأمل بالله -عز وجل- والظن الحسن بالله -عز وجل- من موجبات الفلاح والنجاح، يقال في حديث معروف عن أبي عبد الله (عليه السلام): (إن آخر عبد يؤمر به إلى النار، فيلتفت فيقول الله جل جلاله: اعجلوه!.. فإذا أُتيَ به قال له: عبدي لم التفت؟.. فيقول: يا رب ما كان ظني بك هذا، فيقول الله جل جلاله: عبدي ما كان ظنك بي؟.. فيقول: يا رب كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي، وتدخلني جنتك.. قال: فيقول الله جل جلاله: ملائكتي!.. وعزتي وجلالي وآلائي وارتفاع مكاني، ما ظن بي هذا ساعة من حياته خيرا قط، ولو ظن بي ساعة من حياته خيراً ما روعته بالنار، أجيزوا له كذبه وادخلوه الجنة.. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما ظن عبد بالله خيراً إلا كان له عند ظنه، وما ظن به سوء إلا كان الله عند ظنه به، وذلك قول الله عز وجل: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُم بِرَبِّكُمْ أَردَاكُمْ فَاَصْبَحْتُم مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

 

إن هذا الحديث المعروف حديث غريب، ولولا الاعتقاد بالكرم الإلهي، لما صدقنا هذا الحديث ابتداءً.. هذا العبد حكم به إلى النار، معنى ذلك أنه حتى الشفاعة لم تشمله، لأنها لو شملته الشفاعة لساقوا به إلى الجنة.. وفي عرصات القيامة العالم عالم مكاشفة، والذي نبحث عنه في الدنيا، سنجده يوم القيامة؛ حيث يكشف الغطاء {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}.. يتكلم الإنسان مع ربه، يلتفت إلى الله -عز وجل- في عالم رفع الحجب يوم القيامة، ويقول كلمة عاطفية.. كم يتمنى الإنسان أن يكون بإمكانه قول هذا الكلام عندما يؤمر به إلى النار: (يا رب ما كان ظني بك هذا)؛ أي أنا ما توقعت أن ختام مسيرتي الدخول في نار جهنم، وأنت رب الكرماء.. وبحسب هذه الدعوة: أنه يا رب أنا ليس لي طاقة على عذابك.

 

إن بعض المؤمنين العارفين بالله -عز وجل- عندما تصيبه حرارة الشمس، أو يبتلى بحريق بسيط في رأس إصبعه مثلا، يقول: يا رب، أنا لا طاقة لي بحرارة الشمس، أو بهذه اللسعة البسيطة من النار؛ فكيف احتمالي لعذاب النار؟.. أتعلم أن هذه الكلمة في الحياة الدنيا، من الممكن أن ترفع عنه أهوال القيامة!.. وهكذا المؤمن في أدعيته، ينوع تارة بين الدعاء الرسمي المأثور، وبين كلمات عاطفية.. وأهل البيت -عليهم السلام- أبدعوا في حديثهم مع الرب المتعال، هؤلاء قمة في التوحيد.. فالإمام -صلوات الله عليه- في مناجاته لا يقول: يا رب ارفع عني العذاب، لا يقول: يا أهل جهنم انظروا إلى ما أنا فيه، بل يقول: (إن أدخلتني النار أعلمت أهلها أني أحبك).. انظروا إلى قمة الصلة العاطفية بين العبد وربه، ففي دعاء أمير المؤمنين -عليه السلام- يقول: (فَهَبْني يا إلـهي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ، فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ، وَهَبْني صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ، فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إلى كَرامَتِكَ)؟.. يا رب، جسمي قد يتحمل عذاب جهنم فرضا، ولكن قلبي لا يتحمل مرارة الهجران والبعد عنك.

 

هنيئا لمن كان أنسه بهذه المضامين في الحياة الدنيا، حتى لو نسي هذه المضامين، ولم يتلفظ بها في عرصات القيامة؛ نعتقد بأن رب العزة والجلال سوف يعامله على ما كان عليه في الحياة الدنيا!.. فكم قرأنا دعاء أبي حمزة، وكم لهجنا بدعاء كميل!.. لابد أننا في موقف من المواقف، عشنا عمق هذه الصلة العاطفية برب العزة والجلال.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج