أسرار الصلاة الخاشعة  

المحاضرة 1 :

ضرورة البحث عن آليات العمل

- كان حديثنا فيما مضى حول السفر إلى الله تعالى ، وقلنا بأننا في سفر قهري ، فمنذ سقطنا من بطون أمهاتنا ونحن في حركة دائبة -شئنا أم أبينا- إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي نقف فيه أمام الله عزوجل ، ليحاسب الجميع على ما اقترفت يداه ، وهل أنه أحسن الاستفادة والتزود من هذه الفترة العمرية في حياته الدنيا أم لا..قال تعالى مقرراً لذلك اللقاء الحتمي: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا }..
وقلنا بأنه ما دام هنالك حركة قهرية فلماذا لا نجعلها حركة اختيارية ، وضربنا مثال : لو أن إنساناً لديه محاكمة مصيرية عند سلطان ، وهو بين أن يعفى عنه أو يعدم.. فمن العقل أن يحاول -قبل أن يلتقي بهذا السلطان-أن يتزلف ويتودد إليه ويصبح من حاشيته ، حتى إذا ما جاء وقت المحاكمة فإنه يستفيد من مزايا ذلك القرب.. فهذه حركة عقلائية..
نحن في حركة إلى الله تعالى ، وسيأتي يوم القيامة الذي ينادي فيه رب العالمين {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}؟.. فلا مجيب إلا هو جل جلاله: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}.. والموقف رهيب ومخيف ، وكلنا بين يدي رب الأرباب..
ولو تدبرنا في القرآن الكريم فإنه مليء بالآيات التي تدعونا إلى السير إليه تعالى وترك الانحدار والتثاقل ، فهو - سبحانه وتعالى- لا يرضى لعباده إلا بالحياة الأبدية في نعيمه المقيم..
فمثلاً في قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ }..وكأنه الرب تعالى في حركة استعطافية يستقرض من عباده -وهو الغني- بل ويمنيهم أيضاً بالأجر المضاعف ، مع أن المال ماله ، بل كل وجود الإنسان وعوارضه ملك له سبحانه ، وهذا منتهى الحنان واللطف!..
ونلاحظ في آية أخرى أنه يعرض علينا المتاجرة معه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }..ليربحنا بتفضله ، وينعمنا بنعيمه ، ويدخلنا جناته ، وينجينا من النار الحريق ، وكأنه أيضاً نحن المتفضلون عليه: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}..
فالرب تعالى يحبنا ، ويدعونا إلى طريق النجاة ، إلى ما فيه صلاحنا ، وهو الغني المطلق ، وليس بحاجة إلى عبادتنا أصلاً وما قيمة أعمالنا قبالة تفضله وتحننه علينا؟!..ألا نقرأ في دعاء الافتتاح: (فَلَمْ أََرى مَوْلاً كَريماً أصْبَرَ عَلى عَبْد لَئيم مِنْكَ عَلَيَّ يا رَبِّ ، إنَّكَ تَدْعُوني فَأوَلّي عَنْكَ ، وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ إِلَيْكَ ، وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقْبَلُ مِنْكَ ، كَأَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ ، فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لي ، وَالإحْسانِ إلَيَّ ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ..)..

- لابد أن يصل الإنسان إلى مستوى الأنس من رب العالمين ، وعلامة ذلك الأنس هو تمني الموت ، ومن هنا فإن رب العالمين يتحدى اليهود في ادعائهم قائلاً : {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }..فعلامة القرب من الله عزوجل والأنس به لا عدم الخوف من الموت وإنما التمني..
فلو أن عريساً في دولة وعروسته في دولة أخرى ، تراه وهو في المطار يتحرق شوقاً لذلك اللقاء ، ولو سمح له أن يطير في الفضاء لطار فرحاً ، لأنه سيواجه من يحب بعد رحلة ساعة أو ساعتين..ولو رأيته على العكس بأن كان شكله كئيباً وخائفاً قلقا ، فإنك تحدس قطعاً أنه في مقام طلاق لا زواج ، لأنه لو كان مشتاقاً إلى لقائها ، فلم هذا الاضطراب والقلق والخوف؟!..
إن بعض الناس يخاف الموت ويضطرب من ذكره ، فلا يذهب للمقابر لئلا يذكره ذلك بالموت ، وعندما يرى كفنا يعرض بوجهه لأن الكفن يذكره بالموت ، رائحة الكافور تذكره بالموت ، لا بل لا يزور أعز أصدقائه في غرفة الإنعاش ، لأن غرفة الإنعاش محط زيارة عزرائيل أكثر من باقي أقسام المستشفى!..
فالإنسان الذي يعيش هذا الجو عليه أن يراجع نفسه ، لئلا يتضمنه هذا العتاب الإلهي:{وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }..وهذا الكلام ليس خاصاً باليهود ، وإنما المقياس مقياس عام ، والذي يخاف الموت فإن هذا الإنسان لا يعد ولياً..
أحد عمالقة الأخلاق الكبار الميرزا جواد الملكي التبريزي -صاحب كتاب: (المراقبات) ، و(أسرار الصلاة) ، و(لقاء الله)- زاره أحد العلماء ، فسأله عن قبر الشيخ محمد البهاري في همدان هل صار مزاراً ، فقال: العالم نعم.. وإذا به يشير إشارة بأنه على موعد معه فى الخميس.. العالم لم يفهم هذه الإشارة ، فكيف ذاك العالم متوفي منذ سنوات وهذا حي يرزق..ما معنى هذا الكلام؟.. ولعله كان يمزح ، أو أن معه موعد معه في المنام مثلاً!..وفي يوم الخميس ذهب إلى دار الشيخ فتفاجأ بخبر وفاته.. وكأنه على ميعاد ، وخبر وفاته خبر عابر ، وليس خبرا ملفتا ، لا بل إن يوم الخميس كان بالنسبة له هو يوم اللقاء!..وقد يقول قائل الموت لا يعلمه إلا الله ؟..نعم العلم عند الله تعالى ، ولكن إذا شاء أن يخبر وليه وعبده أخبره ، العلم الذاتي لله تعالى كما في علوم الغيب ، والعَرَض لعبده..

- قلنا بأنه الذي يريد أن يكون موفقاً في سفره فليبدأ بإتقان صلاته.. فالذي يتقن صلاته اليومية بالمعنى الأعم الكامل قلباً وقالباً -ظاهراً وباطناً ، فقهاً وعرفاناً- فليعلم أنه في أول الطريق ، وسوف يصل هذا يوماً من الأيام إلى اللقاء الإلهي ، لأن الصلاة في الواقع عنوان اللقاء ، وهذا العنوان إذا جعلنا فيه المعنون تمت الخواص.. وبودنا في هذه الليالي أن نبدأ بمقدمات الصلاة وننتهي بالتسليم حتى نأخذ دورة في الصلاة الخاشعة.. وقد ربطنا عنوان الحديث بعاشوراء سيد الشهداء (ع) ، الذي كان يريد أن يستمهل القوم ليلة واحدة من أجل أن يتفرغ للدعاء والاستغفار والصلاة بين يدي الله عزوجل ، وكأن فلسفة حركة الحسين (ع) هي إقامة الصلاة..
كما قال تعالى :{ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ }.. أي الذين أعطيناهم حكومة الإسلام ، وأصبحوا حكاماً على الأرض ، فإن أول وظائف الحاكم الشرعي -عندما يجلس على منصة الحكم- أن يقيم الصلاة في الأمة.. وهذه من الآيات الغريبة العجيبة ، حيث جعل أول وظيفة هي إقامة الصلاة ، ولم يقل إقامة العدالة ، ونشر الحرية ، وغيره من واجبات الحاكم.

- من المعلوم أن النبي الأكرم (ص) شبه الصلاة بالنهر الجاري ، حيث قال: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟.. قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا)..
فالنبي (ص) عندما قال: (يغتسل) أي أنه يدخل النهر ، أما الذي يستلقي على شاطئ النهر ويتشمس ، أو ينظر إلى النهر ، أو يجعل رجليه إلى الساق في النهر ، فإن هذا الإنسان لا يرجع بالطهارة أبداً ، والدرن هو الدرن.. كالطفل الكسول ، فهو عندما تأمره أمه بالاستحمام ، تراه يدخل الحمام ويخرج مدعياً الاستحمام ، إلا أن الأم من السهل عليها أن تكشف خداع ولدها ، تأتي وتشم رائحة العرق النتن على جسده وثيابه ، فتعلم أنه لم يتحمم ، ولو أنه يقسم لها بأنه دخل الحمام ، إلا أن رائحة النتن دليل قاطع على عدم تحممه..إذن، هذا الولد تشبه بالمتحممين.
فالإنسان الذي يدخل المساجد ، ويدخل المشاهد ، ويذهب الحج والعمرة ، تقريباً حالته كحال هذا الصبي ، فهو يتشبه بالطائفين ، يتشبه بالمصلين ، يتشبه بالزائرين..وعلامة ذلك هو عدم صدقه ، حيث يرجع من المشهد ، ولا شيء له من نور ذلك المقام..
قلت كلمة أثرت في الإخوة : وهي أن البعض صلاته وهو في سن الستين والسبعين لا تكاد تختلف منذ أول يوم صلى فيه يوم بلوغه ، فصلاته لا تختلف قيد أنملة ، حتى الخطأ في القراءة الظاهرية والتجويد هو نفسه في سن السبعين لم يتغير فضلاً عن عمق الصلاة!.. لا بل صلاته في السبعين أسوأ من سن الخامسة عشر ، فهو كان في سن الخامسة عشر شاب في المتوسطة وذهنه صافي ، وعندما يصلي كان يخشع بعض الأوقات خشوع الطفولة والبراءة ، ولكن في سن السبعين حتى هذا المقدار من الخشوع ليس في ديوان أعماله!..

- إن الغرض من هذه المجالس المباركة أن نخرج بقرار نغير به مجرى الحياة ، وإلا أن نتكلم عن بطولة أمير المؤمنين (ع) في غزوة خيبر ، وسيفه ذو الفقار ، وكيف أنه ضرب العدو وشقه نصفين..نعم أمير المؤمنين (ع) أشجع الشجعان ، أنعم وأكرم به من أمير!.. لكن أنا الليلة ماذا أعمل؟.. آخذ سيف وأقاتل كأمير المؤمنين!.. نحن نحتاج إلى برنامج عمل في الحياة ، والحديث لابد أن يترجم إلى آليات ، ومن هنا قلنا بأن هذه الأحاديث عبارة عن ورشة عمل ، ونريد أن نخرج بقرارت تغيير في الحياة..كما هو معلوم في الاجتماع الوزاري أن رئيس الوزراء يجتمع مع وزرائه ، وعندما ينتهي الاجتماع يقف أمام الصحفيين من مختلف القنوات ، ويقول ما هي الآليات ، وما هي القرارات التي توصلوا إليها..
روي أن صاحباً لأمير المؤمنين (ع) يقال له همّام كان رجلاً عابداً ، فقال له : يا أمير المؤمنين !.. صف لي المتّقين ، حتى كأني أنظر إليهم ، فتثاقل عن جوابه ، ثم قال (ع): (..فالمتقون فيها هم أهل الفضائل؛ منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع.. غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء.. ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب.. عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم..).. فصعق همّام صعقة كانت نفسه فيها ، فقال أمير المؤمنين (ع) : أما والله لقد كنت أخافها عليه ثم قال : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها..
وهنالك خلاف نفسه فيها أي مات ، أو صعق كما صعق موسى (ع) في طور سيناء.. ولعله هو الأول أي أنه مات من الموعظة ، لأن همام يبدو أنه رأى نفسه في طريق آخر فلم يحتمل..
كنت في سفر إلى بلاد بعيدة ، وأحد الأخوة كان طبيب أخصائي كبير وله عيادتين ، وحياته موزعة في هذه العيادة وهذه العيادة ، فطبيب وذو عيادتين ما الذي يبقى من وقته؟!.. وكنت في سفر من مدينة إلى مدينة ، قال بأنه يحب أن يوصلني ، فجاهد نفسه وترك عيادته.. وفي الطريق أخذنا نتكلم معه ، فأجرة الطريق أن نذكره بطريقه الأخروي ، فرأيت أنه أصابه الذهول وصار واجماً ، حتى أني خشيت أن لا يتمالك نفسه وهو يسوق في طريق سريع..وبعد أيام قال: يا فلان أنا كنت في مسيرة خاطئة فعزمت أن أغير مجرى حياتي ، وأن أخط لحياتي حركة جديدة.. يبدو هو رأى حياته كله خطأ في خطأ.. هذا لا يعني أن الإنسان عاكف على عبادة هبل واللات ، فهذا خطأ قريش، ولكل إنسان خطؤه وانحرافه ، كأن يعيش الإنسان ستين سبعين سنة في هذه الحياة ، وهو لا يتقن صلاته الخاشعة.. وعندما أقول الصلاة الخاشعة ، لا أعني صلاة أمير المؤمنين (ع)، الذي كان ينزع السهام من رجله وهو لا يشعر بذلك ، فهذه قمة الخشوع..
أحد العلماء نقل لي قضية طريفة:
كان أحد الأشخاص إنساناً فاسقاً ولكن في قلبه شعلة ولاية.. سبحان الله بعض الناس يبلغ من الفسق ما يبلغ ولكن تبقى شعلة الولاية في قلبه مشتعلة ، وهذا قد يرجى منه الخير يوماً من الأيام ، ويؤيد ذلك قول الرسول الأكرم (ص): (إنّ الله يحبّ العبد ويبغض عمله ، ويحبّ العمل ويبغض بدنه)..وما روي عن الإمام الصادق (ع) قوله في شأن فاسق يشرب المسكر .. والرواية هى : قلت للصادق (ع) : إنّ لي قرابةً يحبكم ، إلا أنه يشرب هذا النبيذ - قال حنان ، وأبو نجران : هو الذي يشرب النبيذ ، غير أنه كنّى عن نفسه - فقال الصادق (ع) : فهل كان يسكر ؟.. قلت : إي والله جعلت فداك !.. إنه ليسكر ، فقال : فيترك الصلاة ؟..
قال : ربما قال للجارية : صليت البارحة ، فربما قالت : نعم ، قد صليت ثلاث مرات ، وربما قال للجاري! ة : صليت البارحة العتمة ؟.. فتقول : لا والله ما صلّيت ، ولقد أيقظناك وجهدنا بك ، فأمسك أبو عبدالله (ع) يده على جبهته طويلاً ، ثم نحّى يده ثم قال له :
قل له : يتركه ، فإن زلّت به قدمٌ ، فإنّ له قدماً ثابتاً بمودتنا أهل البيت . :(..فإن زلّت به قدمٌ ، فإنّ له قدماً ثابتاً بمودتنا أهل البيت)..
هذا الرجل كان فاسقاً فاجراً ، ولكنه في ساعة الدفاع عن خط أهل البيت (ع) تراه كالأسد.. اجتمع مع عالم يخالفه في الرأي ، وأخذ يستهزئ بأمير المؤمنين ، وقال ما هذه المبالغة أمعقول أن يكون الإنسان في جسمه سهم وينزع منه وهو لا يشعر؟!.. فمن المعلوم أن السهم عندما يخلع هناك حركة سهمية ، ويخرج معه مقدار من اللحم والجلد ، فكيف يمكن الإمام لا يعيش هذا الوجع؟!..
يقول -سبحان الله- ألهمت الجواب ، قلت له: يا فلان أيهما أعظم جمال الخالق أعلى أم جمال المخلوق؟.. قال: طبعاً جمال الخالق أعلى من جمال المخلوق.. قلت له: كيف نسوة يوسف رأوا جمال المخلوق فقطعن أيديهن ، فكيف بعلي وهو يرى جمال الخالق!..
فإذن، الحملة الحيدرية معروفة والشجاعة الحيدرية معروفة ، ولكن لماذا لا نتأسى بالصلاة الحيدرية؟..وهدفنا في هذه الأحاديث أن نحاول أن نحول صلاتنا -هذه الصلاة الشكلية- إلى صلاة فيها أدنى درجات الإقبال.
فما معنى الخشوع في الصلاة؟

- إن الخشوع في الصلاة درجات ، والدرجة الأولى -وهي أضعف الإيمان- الخشوع البدني.. الأمر شبيه بالوقفات العسكرية.. فترى الجندي يرفع يديه تحية عسكرية أمام الضابط في وقفة خاشعة لا يرتد إليه طرفه ، ولعله في قلبه يدعو عليه ، وهو ليس مرتاحاً من الوضع الذي هو فيه في المعسكر ، وخاصة إذا كان في استعراض رسمي كبير ، فإنه يقف ساعات على رجليه وكأن على رأسه الطير ، فهذا خشوع عسكري..
الإنسان المصلي أيضاً له هذا الخشوع ، إذ يستحب أن يكون جسمه واقفاً بشكل قائم ليس مسترخياً ، وأن يجعل وزنه على الرجلين بشكل متساو ، وليس ثقل على رجل دون الأخرى ، ولا يكون منحياً إلى جانب ، ومطرقاً بنظره إلى الأرض-والبعض يقول : إذا كان تغميض العين يوجب له الخشوع فله أن يغمض عينيه بدلاً من العمل بالمستحب الشرعي والنظر إلى موضع السجود..ولعل هذه الأولوية مأخوذة من المقولة الفقهية: (وطالب الإقبال يرجي (أي يؤجل) ولا يتخذنه عادة).. فلو دار الأمر بين الصلاة في أول الوقت ولكن بغير خشوع ، وبين أن يؤخرها ويصليها بخشوع ، فالأولى أن يؤخرها بشرط أن يكون كان هنالك سبب يرجح التأخير- ويضع يديه على ركبتيه ولا يعبث بشعره ولحيته ، فهذا خلاف الوقار في الصلاة ، والإنسان الذي لا يتقن الظاهر لا يتقن الباطن من باب أولى..
إذن، هناك خشوع بدني ، وهذا لا يستلزم رأس مال ، بل رأس ماله وقفة عسكرية ، والذين عندهم تدريبات عسكرية سابقة أو أجسادهم رياضية ، فمن السهل أن يقفوا في الصلاة وقفة خاشعة..

- والأرقى من هذه الوقفة البدنية الخاشعة الوقفة الذهنية الخاشعة..أن يتأمل الإنسان في مفاهيم الصلاة ويتفكر في المعاني..الصلاة تفتتح بأرقى سورة في القرآن الكريم ، ورب العالمين يذكر نبيه أنه آتاه السبع المثاني (سورة الحمد سبع آيات وتقرأ مرتين في الصلاة فسميت بالسبع المثاني)..ومن المعلوم قصة أمير المؤمنين(ع) مع ابن عباس حول تفسير الفاتحة.. فالقرآن فيه سورة رائعة ، (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)..والنصيحة أن يلم كل إنسان بتفسير -ولو مبسط- حول هذه السورة ، وأعتقد أن ولي الأمر (عج) لا يرضى أن يبقى إنسان وهو لم يتعلم تفسير سورة الفاتحة ، وهو يمكنه في ساعة أو ساعتين أن يحيط بأسرار هذه السورة ، بمراجعة أحد علماء البلد أو مطالعة أحد التفساير -وهي كثيرة- ومن أفضل التفاسير تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي..
ولنتامل تاملا سريعا في هذه السورة:
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ}..من المعلوم في اللغة العربية أن حرف الجر لابد له من متعلق ، فالتسمية هنا ما هو متعلقها؟..
{الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ}..كلاهما من مادة الرحمة فما هو الرحمن ، وما هو الرحيم؟.. ولماذا قال الرحمن تارة ، والرحيم تارة ؟.. من المعلوم أن الرحمن رحمة عامة ، والرحيم رحمة خاصة ، هذه الرحمة الخاصة ما هي موجباتها! ، ومتى تنزل علينا؟..رب العالمين يريد أن يفتح شهية عباده ، كصاحب المطعم تراه يقول عندي الأكلة الفلانية وخلطة سرية حتى يطلب من مطعمه..
{مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}.. ما معنى يوم الدين؟..يوم القيامة لماذا سمي بالدين؟..لو قلت (ملك) أو (مالك) فالقراءتان صحيحتان ، لكن ما هو الفرق بين قراءة (ملك) وقراءة (مالك)؟..
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}..كان الأصل نعبدك ونستعينك ، فقدمت الكاف عليهما.. الفرق بين إياك نعبد وإياك نستعين ، ونعبدك ونستعينك فرق الأرض عن السماوات ، هل اكتشفت الفرق بينهما؟..
{اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }..لماذا قال الصراط ولم يقل الصرط؟..هل الصراط له جمع؟..ما الفرق بينه وبين السبيل؟..
ومن أشهر آيات المجاهدة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }..وهذه الآية فيها جواب لكل من يشتكي فقد الأستاذ ، فالبعض يقول: أن هذا الكلام يحسن القاؤه في النجف وفي قم ، هنا لا يوجد معلمين ، لا يوجد مربين..الآية تقول : (جاهدوا ).. ولم تقل جاهدوا وبجانبهم السيد علي القاضي ، أو الملا حسين قلي الهمداني ، أو الميرزا الملكي التبريزي..أنت لا تعين تكليف لرب العالمين ، وهذه الآية فيها من المؤكدات الكثيرة..
لام التأكيد ، ونون التأكيد ، ونسبة الهداية الى نفسه ، وجمع السبل .. الرب لم ينسب الهداية للملائكة ، ففي آية أخرى تشير إلى أن الملائكة تثبت الذين آمنوا ، ولكن هنا يقول تعالى: لنهدينهم سبلنا.. أو لا يكفي هذه المحفزات لنخرج من ما نحن فيه!..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج