أسرار الصلاة الخاشعة  

المحاضرة 5 :

ضبط الخواطر

- إننا لاحظنا - بحمده تعالى- هذه الرغبة الجادة في التقرب إلى الله عزوجل ، وأن هنالك حالة من العزم الشديد على الإنابة إليه تعالى ، والإقلاع عما لا يرضيه..وهذه الحالة جيدة وجميلة ، ولكنها غير كافية ، وهي من بركات الموسم ، ولا ينبغي التعويل عليها.. ولابد أن نلتفت إلى هذا الأمر المخيف: بأنه الذي يعطى هذه الحالة من الرغبة في الإنابة والتوبة ، ثم يتكاسل ويتراجع في مقام العمل ، مستسلماً لأهواء النفس ورغباتها ، فإنه عرضة أكثر من غيره لانتقام الشيطان المروع ، لأنه بلسان حاله أعلن عداءه للشيطان بل قد تظاهر بها، وحاول الخروج -ولو قلبياً- من سلطانه.. ولك أن تتصور موقف الدول من شعوبها لو أنها تخرج عليها بمظاهرات!. ولا شك في أن للشيطان اللعين أساليبه القوية والخفية والأكثر ترويعاً في الكيد لبني آدم..
كنا في إحدى السنوات في إحدى حملات الحج لأول مرة ، وكانت حملة متميزة ، وكلهم شباب.. أحد الأخوة  رأى الشيطان في المنام يتوعد ويهدد ، ويقول: بأنه أنتم رميتموني بالجمرات ، ولكني سأنتقم منكم!..
فإذن، الحج وشهر رمضان ومجالس الحسين (ع) كلها مواسم عبادية مسلية للروح ، ولكنها في نفس الوقت مخيفة!.. فلنحذر انتقام الشياطين المتربصة!.. ولا تكن هذه المجالس فقط لمجرد الترويح والاستئناس ، وإنما لنحاول أن نجعلها بمثابة مشفى لأرواحنا المريضة!..

-إن في كل علم -دنيوياً أو أخروياً- دخلاء لا يمتون له بصلة ، ومن أكثر العلوم الذي ابتلي بالدخلاء والمزيفون طوال التاريخ هو علم العرفان .
فالحذر من الجري وراء كل إنسان يدعي العرفان ، أو قراءة كل كتاب عرفاني ، فإن الأمر خطير جداً ، وهذا من الوديان التي هلك فيها الكثيرون.. والمشكلة أنه ليست هنالك ضابطة معينة تحد من الأباطيل ، وخاصة ان بعض الأمور قائمة على الدعوى والتذوق المعرفي وصاحبها يعفى من الدليل ، فكل إنسان يتبجح ببعض الأمور والأطروحات ، ويسوق الناس هنا وهناك!..وقد وقف أئمة أهل البيت (ع) أمام مثل هؤلاء -الذين حاولوا جهدهم سرقة جمهور الأئمة (ع) -بمنهج عرفاني أخلاقي..
ومن هنا كان من الضروري تخلصا من الانحرافات فى هذا المجال : الإلمام بما جاء في الشريعة ، واستقاء هذا العلم من أهله ، وعدم الانسياق وراء الشعارات والكرامات والمنامات وغيره..
ومن أهم العلامات التي تكشف أباطيل هؤلاء هو النظر إلى صلاتهم.. فلو أن إنساناً كان يحي الموتى ، ولكنه لا يخشع في صلاته ، فإنه ليس على خير ، وذلك من آكد الأدلة على أنه بعيد عن الله تعالى ، وعن معرفته بطريق أولى!..أضف إلى النظر إلى السلوكيات ، فإن من تجليات المعرفة بالله عزوجل ، هو استشعار حالة الخوف الدائم ، وتحري التقوى في كل شؤون الحياة ، حتى في أدق الأمور.. فكيف بمن يدعي العرفان ، وهو متورط بتبعات الإساءة إلى الآخرين من الغيبة وغيره.. فمثل هذا ما الفرق بينه وبين الآخرين؟!..

- من أهم الأبحاث في العرفان ، وفي الأخلاق ، وفي الحركة الروحية إلى الله تعالى ، هو بحث ضبط الخواطر..
فالمشكلة التي تكمن في عدم تحقيق الخشوع في الصلاة: هي هذه الحالة من هجوم الخواطر والخيالات والأوهام في الصلاة.. فالصلاة من الأمور الهامة التي تغيظ الشيطان ، لأنها تمثل لقاء العبد بربه ، و من المعلوم ان من ثمرات اللقاء بسلطان الوجود والشكى عنده على الاعداء هو دفع بلاء الاعداء وابطال كيدهم ، ومن هنا فإنه متربص بالإنسان المصلي ، فما أن يبدأ بالتكبير إلا وشغله بهذا وذاك ، حتى ينهي الصلاة وهو لا يدري كم صلى ، ولا يفقه ما قال في صلاته!.. ومن القبيح المخجل حقا أن يأتيه في الصلاة بالصور الشهوية ، وهو بين يدي الله عزوجل!..
أحدهم كان يؤم الناس في دولة بعيدة يقل فيها تواجد العلماء يقول : أنه كلما وقف للصلاة بين يدي الله عزوجل جاءته الصور القبيحة رغم أنفه ، وذلك انه فيما مضى من حياته رآى فتاة فاتنة ومرت عليه مرور الكرام ولكن صورتها عالقة فى ذهنه فكلما هم بالصلاة بين يدى الله تعالى جاءته الصورة وكأن ذلك عقاب الهي لما قام به .. فالمشكلة: أن الإنسان الصالح فكره في الطعام والشراب والأمور الأخرى ، وغير الصالح فكره في أباطيله!..
وعليه فانه ما من شك أن القدرة على ضبط الأفكار من أكبر النعم ، وخاصة بأن ثمرتها تنعكس في حياة الفرد عموماً ، وليس فقط في الجانب العبادي ، كما في مجال الدراسة وطلب العلم ، إذ أن الكثير من الأخوة لهم قابليات ممتازة ولا ينقصهم الذكاء ، ومع ذلك فإنهم يشتكون من عدم التركيز ، فهؤلاء أيضاً ينفعهم هذا البحث ، أي البحث الذي يسوقهم على التركيز في العبادة..
فماذا نعمل لأجل السيطرة على الخيالات والأوهام؟!..

- هنالك نوعان من الحلول المؤدية لضبط الخواطر والسيطرة عليها: النوع الأول: حلول فورية عاجلة ، والنوع الثاني: حلول جذرية أساسية.. ومن الحلول الأساسية أي من النوع الثاني :
* أولاً: التقليل من الواردات والصور الذهنية..
الذهن البشري: عبارة عن مجموعة صور تتناوب بشكل عشوائي ، بلا أي ضابطة أو تناسب.. فترى الإنسان ينتقل بذهنه من عالم إلى عالم ، ومن صورة إلى صورة ، فمن المشاكل الخاصة وما يهمه من الأمور ، إلى ذلك المكان الجميل الذي رآه في سفراته السياحية، إلى تلك الذكرى المبكية المؤلمة ، أو إلى نظيرتها المفرحة ، إلى الرغبة والأمنية الفلانية ، إلى عالم الطفولة والمدرسة والعمل والشباب وغيره.. أشبه شيء بحوض مائي فيه أجسام مختلفة ، وهذه الأجسام ترتفع إلى فوق وإلى تحت بدون ضابط يحكمها.. وكأن هنالك كاميرا مفتوحة على هذا الحوض المخلوط ، وما يمر على فتحة الكاميرا عشوائياً ، هو الذي يغلب على ذهن الإنسان..
فإذن، الذهن البشري عبارة عن مجموعة من الصور المخزنة ، وقد تصل إلى الملايين ، وهي حصيلة لما يعيشه الإنسان من التجارب والخبرات والمعارف في الحياة..
ومن الواضح أن السعة الذهنية سعة محدودة وخاصة الذاكرة الفعالة منها، وعندما تملأ بالأباطيل والصور التي لا داعي لها ، فإن الذهن سيزدحم بالصور ، والتي قد تطفو على السطح يوماً من الأيام ، وتكون مادة دسمة للتخيلات والأوهام ، ومن هنا فإن من اللازم على الإنسان مراقبة حواسه الخمس ، والاهتمام بما يرد على ذهنه من خواطر وصور..
ومن موجبات امتلاء الذهن بالصور: هو مداومة الجلوس على التلفاز ، والحرص على مشاهدة البرامج التي لا يرجى منها نفع لدنيا أو آخرة ، هذا فضلاً عن كونه من مصاديق فضول القول والنظر الموجبة لقساوة القلب..لنتأمل في هذا الحديث فإنه مخيف حقاً :
(إذا رأيت قساوةً في قلبك، ووهناً في بدنك، وحرماناً في رزقك؛ فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك)..
ولك أن تتصور مثل هذا البلاء العظيم الذي يجنيه الإنسان على نفسه من جراء خوضه فيما لا يعنيه!..أي تصور إنسانا  يأتيه خبر سرقة لماله أ، و إفلاس في تجارته ، ويصاب بمرض خطير ، ثم يدعو فيجد قساوة في قلبه ، بل لا يجد في نفسه حتى إقبالاً ، في حين أنه أحوج ما يكون إلى الدعاء!..
فالضربات الإلهية لا تأتي دائماً من الحرام ، فقد تجتمع هذه الهفوات الجزئية ، لتودي بالإنسان وتوقعه في بلاءات مترادفة ليست بالحسبان..
وقد ورد في مضمون رواية: أن الإمام الصادق (ع) جاءه خبر عن مرض ولده إسماعيل ، فقال: اذهبوا واسألوا إسماعيل ماذا عمل حتى أصيب بهذا المرض!.. فذهبوا وإذا به كان منه شيئ على إحدى الجواري..ومضمون قول الإمام (ع): إنا أهل البيت تعجل لنا العقوبة! في الدنيا قبل الآخرة..
وهنا الكلام للذين يسيئون معاملة الخدم : فليحذروا من مغبة هذه الإساءة!.. فإنها عظيمة عند الله عزوجل ، فما أسرع انتصاره لعباده المستضعفين الذين لا ناصر لهم إلا هو تعالى!.. فالبعض ينظر إلى الخادم كأنه عبد أو أسير!.. والحال بأنه ما هو إلا موظف ، وهنالك عقد عمل ، وساعات عمل محددة ، ولا معنى لفرض التحكم والاستعباد بخلق الله تعالى!..فالذي لا يأمن من نفسه هذا الظلم أو الوقوع في الحرام ، فليجنب نفسه ويلات ظلم الخدم ، فإن التبعات التي يجرها على نفسه لا تقاس بالنفع الحاصل منهم!..
ومن مصاديق فضول القول والنظر أيضاً : هو الحرص على متابعة كل ما يجد من الأخبار إلى حد الإفراط.. فإن معرفة أحوال المسلمين والاهتمام بشؤونهم أمر مندوب شرعاً ، ولكن ينبغي الاعتدال فلا إفراط ولا تفريط ، وما الداعي إلى تضييع الوقت وشغل البال حتى فيما لا يعني من أخبار غير المسلمين؟!.. فكم من العمر الذي يهدر وهو يتنقل من صحيفة إلى أخرى أو من قناة إلى قناة؟!.. والبعض قد يرهق نفسه في اللهث على تعلم العلوم التي لا طائل منها ، والتي ينطبق عليها : ذاك علم لا يضر من جهله ، ولا ينفع من علمه!..
أو هل يتوقع هذا الإنسان بعد ذلك كله أن يحقق التركيز الذهني في حياته والذي هو مقدمة بدوره للخشوع في صلاته؟!..
* ثانياً: تغيير وجهة الحياة.. وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم بالشاكلة: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ }..
لكل إنسان توجهه في الحياة ، ومن المعلوم أن هذا التوجه لم يولد مع الإنسان ، فكل مولود يولد على الفطرة ، ولكن هو من خلال حياته يحقق لنفسه توجها معينا في الحياة يميل إليه ويأخذ كل همه.. فالبعض يغلب عليه هم السياسة ، فيتابع أخبار السياسيين..والبعض شاكلته الرياضة ، فتراه يتابع المسابقات ، ويحفظ أسماء الفرق والرياضيين ونتائج المسابقات بتفاصيلها!..والبعض توجهه نسائي ، فكل همه كيف أن يوقع الفريسة في شباكه!..
والإنسان المؤمن إذا أراد أن يصلي تغلب عليه شاكلته ، فالرياضي فكره في الفرق الرياضية ، وخاصة إذا كان ذلك اليوم يوم المباراة النهائية!..والإنسان الذي همه النساء فكره في أساليبه وألاعيبه!..
ومن الملاحظ عند البعض أنه يريد أن يغير من سلوكياته بالاعتماد على الأوراد والأذكار ، فهو يظن أن بالورد الكذائي بإمكانه أن يتخلص من سلوك سلبي معين!.. والحال بأن تغيير السلوك منهج وبرنامج تكاملي ، والورد عنصر من العناصر هذا اذا كان قلبيا ، ولكن أين بقية العناصر؟!.. فمثله كمن يأتي بعناصر غذائية بسيطة ، ويريد أن يصنع بها وجبة ملكية فاخرة!..
والبعض يحصر رغبته في التكامل على مجرد حضور مجالس أهل البيت (ع) والبكاء على مصائبهم!.. نعم هذا عنصر مهم ايضا، ولكن أين الثقل الثاني الذي أوصى به الرسول الأكرم (ص) ، (إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي)؟..أين كتاب الله في حياة المؤمن : قراءة ، وتفسيراً ، وتدبراً ، وعملاً ؟!..فلا ينبغي أن نعطي العترة ما لا نعطيه لكتاب الله تعالى ، بل ينبغي التوازن بينهما ، وكما هو مأثور أن سيد الشهداء (ع) ، وهو على رأس رمح طويل لم يقرأ حديثاً أو خطبة من نهج البلاغة ، وإنما قرأ آية من القرآن الكريم : {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا }..أئمتنا (ع) كلهم عجنوا بالقرآن الكريم ، ومن المعلوم ما كابدته مولاتنا فاطمة (ع) من المصائب في حياتها ، إلا أنها عندما تأتي يوم القيامة وتسأل عن أمنيتها ، تقول: يا رب أنت المنى وفوق المنى!..
وعليه فمن اجل تغيير الإنسان لابد له من تغيير وجهة الميل لديه ، اي أن يغير من شاكلته في الحياة ، وبتعبير أحد العلماء أن يغير مبدأ الميل..فمن المعلوم أن الكرة الأرضية تدور حول محور وهمي له ميل ثابت ، ولو أن هذا الميل تغير درجة واحدة فإن الحياة على وجه الارض كلها ترتبك وتنقلب!..والأمر كذلك بالنسبة للإنسان ، فإن لكل محوره الذي يتحرك حوله ، وهذا المحور ينبغي له أن يدقق فيه ، فهو في أي زاوية؟.. وهل هو في الزاوية الصحيحة أم لا؟..  فكيف نغير من مبدأ الميل ، أو كما في تعبير القرآن الكريم كيف نغيرالشاكلة ؟..
من قنوات الانقلاب وتغيير وجهة الحياة : التفكر..ولهذا فإن تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة ، كما ورد في الحديث..فالذي يجلس مع نفسه وينظر هل هو في الطريق الصحيح؟.. وما هو الذي قدمه لآخرته؟..وخاصة إذا بدأ الشيب يغزو رأسه ، فالشيب رسول الموت ، وهو لا زالت نفسه متعلقة بحطام الدنيا وما لا نفع فيه!..والبعض يرى أن الإنسان وهو في سن الأربعين يعتبر شاباً ، أي لا زال له ميل في المتاع والزواج وغيره ، والحال بأن ثلثي العمر قد مضى ، والثلث الذي بقي كله أمراض وأعراض ، فما الذي يبقى منه للتزود لآخرته؟!..
ذهبت إلى بيت أحد المؤمنين ، ووجدت عنده غيتارا ذا قيمة ، فاستنكرت عليه الاحتفاظ بهذه الآلة المحرمة ، وهو شاب مؤمن ، وقد كان في الحج معنا!..وقلت له: بأني أحب تقطيع أوتاره بيدي..ثم جاء بالأشرطة الباطلة وحطمها فرحا بعمله ، ويقول: بأنه الآن مرتاح جداً ، لأنه تخلص من هذه الأباطيل..
فإذن، الخطوة الأولى للتغيير: هي أن يفكر الإنسان في هذه الشاكلة ، ومن أفضل الشواكل شاكلة العبودية..
والعبودية حالة وجدانية تنعكس آثارها في حياة الفرد السلوكية..فلو أن إنساناً تزوج حديثاُ تراه يعيش في نفسه حالة الزوجية..والذي يرزق بمولود لأول مرة فإنه يعيش معنى الأبوة.. وكذلك الموظف يعيش الوظيفية وغيره..
فهل نحن عشنا معنى العبودية؟..هل فكرنا بأننا نحن عبيد لله عزوجل؟..العبد إنسان مملوك لصاحبه ومفترض عليه طاعته..لو أن عبداً قصر في أداء واجبه ، فما جزاؤه؟!.. ولو أنه تجاسر على مولاه وارتكب ما يغضبه ، فهل يفلت من العقاب؟!.
فنحن عبيد لله عزوجل ، وما عندنا فهو ملك له سبحانه وتعالى ، فهو إذا قال لنا: هذه العين هي ملكي ، وأنا أعطيتك نعمة البصر ، وأريد منك إذا مرت امرأة سافرة أن لا تنظر إليها!..فإن علينا الطاعة ، والأمر لا يحتاج إلى مجاهدة عظمى، أو منة على رب العالمين ، فهو المالك وهو المتصرف في ملكه كيفما شاء..وكذلك في اللسان والسمع ، فالإنسان مأمور بالسكوت في بعض الحالات عن الغيبة والنميمة ، وممنوع عن سماع الحرام..
فالذي يعيش جو العبودية فإن أول بركة من البركات: أن تتحول عنده الطاعة إلى أمر مستساغ عنده ، وحينها يسلب منه العجب والغرور ، ويصبح إنساناً متوجها إلى الله عزوجل بكل أريحية وفطرية وبلا منة..
فإذن، هذا هو الحل الأساسي: أن نعيش جو العبودية والطاعة لرب العالمين ، ويقال بأن من موجبات الانضباط تصور العقوبات الإلهية للعبد.. ومثل هذا الإنسان لا يحتاج إلى دروس في التركيز ، بل يصير عكس أهل الدنيا فهو إذا أراد أن يصرف ذهنه إلى الدنيا يحتاج إلى مجاهدة ، وإلا فهو بطبيعته يتوجه إلى الله تعالى في حركة انسيابية لا تكلف فيها!..

- من الحلول الفورية لضبط الخواطر :
* أولاً: التهيؤ المسبق للصلاة..
لابد من وضع فراغ بين النشاط اليومي والصلاة بين يدي الله عزوجل ، والاستعداد للصلاة ولو قبل الموعد بخمس دقائق ، والعمل على تصفية الذهن من الشواغل التي تسبق الصلاة ، ومن هنا من المناسب التأني والتأمل قبل الدخول في الصلاة ، وقبل التكبير يكبر التكبيرات الست ، ويناجي رب العالمين ببعض المناجيات الخفيفة التي تأخذه إلى جو الصلاة : (إلهي!.. ضيفك ببابك.. يا محسن قد أتاك المسيء ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك، ياكريم!..)..(أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين ، وأعوذ بالله أن يحضرون ، إن الله هو السميع العليم)..
ومن المعلوم أن الشيطان متربص لبني آدم ، ليصده عن القيام بأي عمل عبادي ، فحبله موجود ولكنه مرخي ، وكلما ذهب إلى باب من أبواب الطاعة سحبه إلى عالمه..فتراه عند الصدقة يعده بالفقر ، وفي قراءة القرآن يشغله حتى لا يفقه ما يقرأ ، وكذلك الصلاة فإنها من مضان هجوم الشياطين ، ومن هنا ينبغي الاستعاذة بالله تعالى من شره..
* ثانياً: محاولة دفع الخواطر..
بعض الأخوان يقول بأنه طول عمره لم يصلِ صلاة خاشعة ولكنه يحاول..أقول: رب العالمين يحب أن يرى عبده محاولاًمجاهدا.فلو أن إنساناً يحب أن يتكلم مع عالم ، وإذا بشخص يريد أن يؤذي ذلك العالم ، فيقوم ذلك الذى يريد ان يتكلم مع العالم بدفع ذلك العدو ، وبذلك ينشغل عن الحديث مع ذلك العالم وهو فى حال الدفاع عنه .. فهذا العالم ألا يقدر له هذه الموقف ، ويعطيه وسام الشرف؟!.. لانه وان حرم الانس والحديث معه الا انه كان مشغولا بالذب عنه محاولا ان يكون فى خدمته بهذه الطريقة .
إن رب العالمين يريد من عبده ان يكون مدافعا للخواطر وان لم يصل الى مرحلة التلذذ الانسي معه ، ولو انتهت صلاته وهو فى حال المصارعة مع الشيطان فانه يعد في عداد الخاشعين في صلاتهم ، اذ ليس من اللازم أن يعيش حتماً حالات شعورية تحليقية ، فهذه مرحلة ثانية ، وهي هبة إلهية ، فرب العالمين إذا أراد أن يعطي عبده يعطيه متى شاء ، فلا ينبغي أن يبحث الإنسان عن الخشوع بحثا ، فالخشوع يعطى ولا يؤخذ ، وهذه منحة بيد الملك الجبار ، وجائزة لا يُعلم متى تُعطى!..
أحد الإخوان يقول: بأنه لما يكون في الحمام ويحس بحرارة الماء فإنه يتذكر حميم جهنم ويخشع ويبكي وهو في الحمام ، ومع أنه وهو في المسجد لم يخشع!..نعم فالقضية ليس لها ضابطة ، فلا يعلم متى يأتي الخشوع..ومن الطريف أن بعض الشباب يعيشون عمداً في ليلة الزفاف حالات شعورية متميزة ، وكأنه يقول لربه بأنه حتى في ليلة الغفلة والسهو وغلبة الشهوة لم أغفل عنك يا رب!..
فإذن، يكفي أن يجاهد الإنسان إلى آخر الصلاة ، ولو لم يخشع لحظة واحدة ، فليس تكليفه الخشوع ، وإنما تكليفه -بتعبير علمي- دفع الموانع ، وأما إيجاد المقتضي فهذا أمر بيد الجليل!..
* ثالثاً: مخادعة النفس والشيطان وتحقيق الخشوع ولو بالتدريج..
هناك نظريتان في الخشوع: فالبعض يقول بأن الإنسان عليه أن يضبط الصلاة من التكبير ، فعندما يكبر يحاول أن لا يتورط بالأوهام ، وإذا تورط فإن على قراءته للفاتحة الفاتحة!..
ولكن هذه النظرية اي أن يخشع الإنسان من الأول ويسيطر على زمام الأمور، من الصعب تطبيقها على المبتدئين ، مثل طالب في ابتدائي ويعطى دروس الجامعة!..
ليحاول الإنسان أن يخادع الشيطان ويلقن نفسه محاولة أن يخشع في آخر سجدتين في الصلاة ، ويقول فيها ما يحفظ من الأدعية التي تناسب السجود ، ثم هو إذا أتقن ذلك وتغلب على الشيطان وعلى نفسه ، ليحاول أن يزحف على ما قبل السجدتين ليصل الى مرحلة الصلاة الكاملة ، وبعد ذلك فالذي يصلي ركعة كاملة بخشوع فليقس عليها بقية الركعات ، كما نلاحظ عند المهندسين فإنه يخطط تخطيطاً لطابق واحد لعمارة ذات مئة طابق فإذا نجح فى تصميم طابق واحد نجح فى باقي الطوابق..
ملخص القول: أنه لابد من تغيير شاكلة التوجه الحياتي ، وإذا نجحنا في ذلك فإنه هو الحل الأساسي ، ثم في صلواتنا اليومية -كما قلنا- نبدأ بمحاربة الهواجس الاختيارية ولا ضير فى الهواجس الإجبارية، ثم إن الخشوع هبة إلهية يعطى في وقته..
ولا بأس للمصلي إذا رأى قلبه قاسياً ، ان يرقق قلبه بذكر اهل البيت (ع) ، فإن ذكر أهل البيت (ع) من موجبات ترقيق القلب ، فاذا رق القلب رقة توسلية حوله صاحبه الى رقة توحيدية.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج