خطب الجمع
عنوان الخطبة :

الساتر-الوقت- القبلة

إن هنالك أحكاما شرعية للباس، والوقت، والقبلة؛ لابد للمؤمن أن يراجعها في الرسالة العملية.. وهذهِ الأيام سبُل المعرفة من أيسر السُبل، من خلال الفضائيات والمواقع.. ولكن الإنسان الكسول، لا يستفيد من هذهِ البركات.

 

الساتر:

إن هنالك شروطا في لباس المصلي، نحاول أن ننتقل به من الأدب الظاهري إلى الأدب الباطني:

أولاً: الإباحة.. إن الثوب يجب أن يكون مُباحاً، أي غير مغصوب.. هذهِ الأيام قلَ من يبتلى بهذهِ المسألة: أن يسرق ثوباً، ويصلي في ذلكَ الثوب.. ولكن من الممكن على بعض الفتاوى، أن الثوب المغصوب ينطبق على الثوب المشترى من مال غير مخمس، أو الثوب الذي مرَّ عليه الحول ولم يستعمل، ثم استعمل في الصلاة.. إذن، لابد أن يكون الثوب حلالاً، خاليا من أي إشكال شرعي.

 

والأدب الباطني لهذه النقطة: النقاوة المالية عندَ الإنسان.. هنيئاً لمؤمن عندما يُراجع نفسهُ، لا يجد عليه أي تبعة مالية: لا مع الله -عزَ وجل- ولا مع المخلوقين!.. وهذهِ الأيام طبيعة الحياة تجعلنا مشغولي الذمة: تارةً بحقِ رد المظالم، وتارةً بأموال مجهولة المالك.. فالإنسان الذي تصرّفَ في أموال مجهولة المالك من دون إذنٍ شرعي؛ هذا في ذمتهِ مظالم العباد.. هل يعقل أن الإنسان من وقت بلوغه إلى يومه هذا، ليس هنالك لأحد حق عليه؟.. ربما اصطدم من حيث لا يشعر بأحد، أو لعله أتلف بعض الأموال في صغره أو في كبره.. لو أن إنسانا أخلّ بقوانين المرور، وأوجب ازدحاماً في السير، فإن أعمار هؤلاء الذين خلفه، والوقود الذي صُرف في هذهِ الفترة؛ كلهُ على كاهل هذا الإنسان، الذي أوجدَ أزمة مرورية.. وبالتالي، من الممكن أن يأتي هؤلاء يوم القيامة، ويطالبونه بالتعويض.. فالمؤمن لا يخلو من هذهِ التبعات!.. أضف إلى المسائل الواجبة من حيث الكفارة، والخمس، والزكاة.. لذا، المؤمن يُصفي حسابهُ دائماً مع ربهِ، ومعَ الناس.

 

فإذن، إن الثوب الذي نصلي فيه، لابد أن يكون ليس لأحدٍ فيهِ حق.. لأننا نواجه رب العالمين، فكيفّ نواجهه بثوبٍ فيه خيط واحد مغصوب؟!..

 

ثانياً: الحرير.. يعتبر من ثياب الترف واللين؛ لذا فهو مختص بالنساء.. أما الرجل الذي هو مظهر الجدية في الحياة؛ عليهِ أن يتحاشى الذهب والحرير.. والأدب الباطني هنا: الخشونة في العيش.. عن علي (ع) أنه قال: (ألا وإن الشجرة البرية؛ أصلب عودا!.. والروائع الخضرة؛ أرق جلوداً!.. والنباتات البدوية؛ أقوى وقوداً، وأبطأ خموداً)!.. فالإنسان المدلل الذي لابدَ أن يكون أكلهُ بكيفية معينة، ومبيته على فراشٍ وثير؛ هذا الإنسان لا يمكن أن يستقيمَ في الحياة، بل أقل أزمة توقعهُ أرضاً.. لذا على الإنسان المؤمن، أن يكون في مستوى تحمل شيء من الخشونة؛ لأن هذه الحياة لا تدوم بهذه الكيفية.. بالإضافة إلى أن بعض العبادات، تحتاج إلى قوة وشدة كالحج.. ففي موسم الحج يأكل الإنسان من كل شيء، وفي مزدلفة ينام على الحجارة، فيتأقلم مع الوضع ويتحمل ما يتحمل؛ شأنه شأن الآخرين.. إن المؤمن لهُ هذهِ الحالة من التأقلم: بعض المؤمنين بإمكانه أن ينام على فراش وثير، ويأكل أفضل أنواع الطعام؛ ولكن بينَ وقتٍ وآخر يتعمد أن ينام على الأرض؛ من باب التقشف، ومن باب تعويد النفس، وكذلك يكتفي بالطعام الذي يقيمُ صلبهُ.. لأن من تعود اللين والترف؛ قد يتقاعس عن وظيفته عند الشدائد.. فالدلال كالإعراض، كما أنَ الإعراض والتقصير في تربية الطفل مضر، كذلك الدلال الزائد.

 

فإذن، إن هنالكَ قدرة في الإنسان، ولكن القدرات الباطنية عندنا مثل آبار النفط المغلقة.. فهذه الثروة الهائلة التي في أعماق الأرض، كانت موجودة طوال التأريخ، في كل البلاد الخليجية.. إلا أن العلم الحديث، وصل إلى تقنيات وآليات استخراج هذه الكنوز المدفونة.. نحنُ أيضاً عندنا معادن باطنية، ولكننا لم نستخرج هذهِ المعادن.. في شهرِ رمضان نستخرج بضعة براميل من قدراتنا الباطنية، وإن وفقنا للحج أيضاً نستخرج قليلا منها.. ولكن معظم هذهِ الطاقات تبقى مخزنة، فيموت الإنسان ولم يستخرجها كلها.

 

ثالثاً: الطهارة.. إن هناك تأكيدا من الشارع المقدس، على طهارة الثوب عند الصلاة.. ربُ العالمين يقول: لا تدخل علي وأنتَ بثيابٍ نجسة، أوَ لا نستفيد من ذلك، اهتمام الشارع -على النحو الأهم- بطهارة الباطن.. هذا الثوب لابد أن يكون طاهراً في المصلى، وكذلك القلب لابد أن يكون طاهراً في معراج المؤمن.. الجوارح تتلوث بالمعاصي، والقلب أيضاً يتلوث بالمعاصي.. فالتلوثات الجوانحية معروفة: كالحسد، والتكبر، والغرور، والحقد، وسوء الظن... الخ.. فإذن، لابد من تنقية هذا الباطن.

 

الوقت:

يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}.. فالإسلام علمنا على الانضباط: الحج أيام معدودات معلومات، والصيام من الرؤيا إلى الرؤيا، والخمس في حول كامل، وكذلك الصلوات اليومية، لها ساعات لدخول الوقت، وهناك ساعات الفضيلة.. فمن موجبات الحسرة يوم القيامة؛ عدم البرمجة في الأوقات: لا النوم في وقتهِ، ولا اليقظة في وقتها..  فالمؤمن إنسان منضبط!.. لذا فإنه من تلقاء نفسه، يبحث عن موجبات هدر الوقت، وإضاعة الوقت.. فالإنسان يعيش تقريباً نصف اليوم حالة اللاجدية في الحياة، ما بين: انتظار، وسكوت، وملل.. وعليه، لابد من ملء هذا الفراغ؛ لأن الوقت لهُ حسابهُ.

 

إن الذي يحمل همّ الصلاة الخاشعة قبل دخول الوقت؛ هذا الإنسان سيوفق في صلاته.. لأن مسألة الدخول في بحر الصلاة، تحتاج إلى تهيؤ نفسي مسبق.. فقبل دخول الوقت، يا حبذا لو يجعل الإنسان حائلا بينه وبين الصلاة؛ وذلك لتفريغ كل ما في خاطر الإنسان من مشاكل، أو مشاريع، وما إلى ذلك.. فالذي يصلي وهو مشغول بالدنيا، كمن يلطخ نفسه بالعسل، ثم يقترب من خلية النحل؛ عندئذ من الطبيعي أن يلسع من رأسه إلى قدمه؛ لأنهُ هو الذي جعلَ على بدنهِ ما يغري النحل للدغه.. إن كان الإنسان صادقاً في فراره من النحل ومن لسعته، عليه أن لا يقترب من بيت النحل.. وإن اقتربَ، فلا يلطخ نفسه بالعسل.. الإنسان الذي يأتي إلى الصلاة وفي روحهِ ما يجلب لهُ الشياطين، طبعاً هنا الشيطان يأتي في الصلاة ليذكره بكل ما هو مزعج.. لذا فإن هذه الفترة الحائلة بين العمل اليومي وبين الصلاة مسألة مهمة.. وكذلك علينا أن نتجنب كل الاتصالات المزعجة، والمناقشات الثقيلة، والمنازعات، في فترة قريبة من وقت الصلاة.

 

إنه لمن الغريب أن أحدنا عندما يذهب للمشاهد المشرفة، تراه لمدة ساعة وساعتين أو أكثر بين زيارة وبكاء وتوسل!.. وكذلك عندما يذهب للعمرة: يطوف ساعة حولَ البيت، وهو متوجه.. ولكن إذا أرادَ أن يصلي الركعتين خلفَ المقام، رجع إلى ما كان عليه: يفكر في كل شيء ما عدا الصلاة.. هو بين يدي الله، وخلفَ المقام، وأمام الكعبة، وهو محرم؛ ولكن بعدَ الطواف، لا يتغير شيء {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}.. عن رسول الله (ص): (إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان... أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا اذكر كذا -لما لم يكن يذكر - حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى).. ولهذا نستعيذ من همزات الشياطين قبلَ أن نقرأَ الحمد، {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.. إن الصلاة الخاشعة مشروع حياتي، تحتاج إلى دورة، وإلى قراءة، وإلى تخصص من أهم تخصصات الحياة؛ لأنها رأس مال الإنسان إلى عالم الآخرة.. عن الرسول الأكرم (ص): (الصلاة عمود الدين: إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردّت ردّ ما سواها).

 

القبلة:

{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}؛ أينما يكون الإنسان وأينما يذهب، لابدَ أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام.. فهذهِ الكعبة هي الجهة التي يتوجه إليها المصلون، ولو كان في القطب الشمالي.. ولكن ما معنى التوجه إلى القبلة؟..

 

إن الإنسان المؤمن لابد أن يجعل له خطا واحدا في حياته، فلا يوزع الاهتمامات؛ أي يجب أن يكون له منهج في الحياة.. فبعض الناس -مع الأسف- يعيش حالة تذبذبية؛ يقبل تارة، ويدبر أخرى؛ ليست لهُ وتيرة ثابتة في الحياة.. هذا التذبذب حالة غير طيبة!.. البعض من الشباب -مع الأسف- ينتظر إلى أن يبلغ الأربعين، ثم يذهب للحج، ويرجع على أمل أن يستقيم.. ولكن من قال بأنه سيستقيم؟.. ثم أنه لو رجع، يكون قد خسر نصف العمر.. لذا، المؤمن منذ أن يبلغ، لابد أن تكون لهُ وجهة واحدة في الحياة {...وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، {...إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.. الإنفاق، والنظر، والسمع؛ الوجود كلهُ لله عز وجل.. الميت ينطبق عليه {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، والنطفة عندما تنعقد ينطبق عليها {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، لسان الحال: أنا خُلقت، أنا لله، وأنا لله راجع.. هذا منطق المؤمن في الحياة!.. هنيئاً لمن كانَ بينَ الحدين: بين البلوغِ والموت بلونٍ واحد!..

 

لماذا التوجه إلى القبلة؟..
إن رب العالمين جعلَ قبلة المسلمين بيت المقدس، فحرر هذا البيت (أولى القبلتين، وثالث الحرمين)، من دنس المشركين.. ولكن لماذا حولَ القبلة إلى الكعبة المشرفة؟.. إن الكعبة بانيها إبراهيم الخليل (ع)، هنيئاً لهذهِ العائلة المباركة: زوجة كهاجر، وأب كإبراهيم، وابن كإسماعيل، عبارة عن شركة مقاولات صغيرة: ثلاثة بناءين يبنون البيت {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} يبنون بيت الله -عز وجل- وهم خائفون: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} يخافون من عدم القبول.. (أخلص العمل؛ فإن الناقد بصير).. (كل الناس هلكى؛ إلا العالمون.. وكل العالمون هلكى؛ إلا العاملون.. وكل العاملون هلكى؛ إلا المخلصون.. والمخلصون على خطر عظيم)!.. أينَ نحنُ من هذهِ المراحل؟.. إذن، هذه عائلة مباركة ومُضحية، قدمت لله -عزَ وجل- قُرباناً، فربُ العالمين باركَ في هذا البيت الطاهر، وألزمنا أن نتوجه إليهِ في الصلاة مستقبلين هذهِ القبلة.

 

وعليه، فإنه كما نوجه وجوهنا شطر المسجد الحرام، {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} لابدَ أن نولي جهة القلبِ إلى الله عزَ وجل.. يقول النبي الأكرم (ص) في حديثٍ لاذع: (أما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة، أن يحول الله -تعالى- وجهه وجه حمار)؟.. نقول: يا رسول الله، نحنُ  لطالما التفتنا في صلواتنا عن الله -عز وجل-: انتقلنا من جبار السموات والأرض إلى أكلة، وربما انتقلنا من التفكير في عظمة رب الأرباب، إلى التفكر في صور محرمة، رأيناها قهراً ومن دون اختيار.. نعم هكذا صلاة البعض!..

 

الخلاصة:

1- من شروط لباس المصلي، الإباحة، وعدم لبس الحرير للرجال، والطهارة، ولكل شرط منها علاوة على الأدب الظاهري أدب باطني .

2- أن هناك تأكيدا من الشارع المقدس، على أباحة وطهارة ثوب المصلي، وفي ذلك تربية للاهتمام بما هو أهم ، وهو الحرص على النقاوة المالية عند الإنسان، وطهارة باطنه من المعاصي والآثام.

3- أن من موجبات الحسرة يوم القيامة؛ عدم البرمجة في الأوقات،فالإسلام علمنا على الانضباط.

4-  أن من أسباب التوفيق للصلاة الخاشعة، أن يحمل الإنسان همّ صلاته قبل دخول وقتها، ويجعل له فترة حائلة بين العمل اليومي وبين الصلاة.

5- إن معنى التوجه إلى القبلة، أن على المؤمن أن يجعل له خطا واحدا ووتيرة ثابتة في حياته ،فلا يولي جهة القلب إلاّ إلى الله عز وجل.

6- أن الصلاة الخاشعة مشروع حياتي، يحتاج إلى قراءة، وإلى دورات، وإلى تخصص من أهم تخصصات الحياة؛ لأنها رأس مال الإنسان إلى عالم الآخرة.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج