خطب الجمع
عنوان الخطبة :

أسرار السجود

السجود:

وهو أهم الحركات الصلاتية، فكل هذهِ الأركان والواجبات من: التكبير، والحمد، والسورة، والركوع، والقيام؛ كأنها مقدمات ليصل الإنسان إلى رتبة القرب، فكما قال الإمام الصادق -عليه السلام-: (في الركوع أدب، وفي السجود قرب).. وما نقومُ بهِ نحنُ في الصلاة عينة بسيطة، وإلا فإن الأمر أعظم!.. فأهل البيت -عليهم السلام- كانَ لهم أنس غريب في السجود، مثلاً: الإمام الكاظم -عليه السلام-  كان في كل يوم يسجد لله -عز وجل- سجدة طويلة بعد ارتفاع الشمس إلى الزوال.

 

أنواع السجود:

أولاً: السجود الظاهري.. وهو وضع الجبهة، والكفين، والركبتين، والإبهامين على الأرض.. والإمام علي -عليه السلام- يعبر عنه بالسجود الجسماني، يقول (ع): (السجود الجسماني: هو وضع عتائق الوجوه على التراب، واستقبال الأَرض: بالراحتين، والركبتين، وأطراف القدمين.. مع خشوع القلب، وإخلاص النية).
 

ثانياً: السجود الباطني.. وهو حركة ملكوتية، وهو ما يعبر عنه أمير المؤمنين بالسجود النفساني، حيث يقول (ع): (والسجود النفساني: فراغ القلب من الفانيات، والإقبال بكنه الهمّة على الباقيات، وخلع الكبر والحمية، وقطع العلائق الدنيوية، والتحلّي بالأخلاق النبوية).. فالذي لا يصل إلى ملكوت السجود والركوع، من الطبيعي أن تصبح هذهِ الحركة متعبة بالنسبة له.. ولكن البعض أبدانهم تتأقلم مع السجود: فلا يشعرون بتعب، ولا بدوار، ولا بآلام.. وعلى كُلّ الأمور كُلها بيده، فما المانع أن يعطي القوةَ للإنسان في هذهِ الحالة؟.. بعضُ كبار السن من العباد والعلماء، في حركتهِ العادية يتعب من جلوسه، ولكن إذا سجدَ لله -عزَ وجل- يعيش أعلى درجات النشاط.. فالمؤمن لهُ أنسٌ خاص بهذهِ الحركة.

 

بركات السجود:

إن أصحاب الحوائج: الكبيرة والصغيرة، الماديةِ والمعنوية؛ عليهم بهذا العمل الذي هو تُحفة من تحف أهل البيت -عليهم السلام-.. العمل بسيط، ولكن يرجى لمن أرادَ أن يقوم بهذا العمل، أن يؤديه بشرطه وشروطه.. البعضُ منا عندما يقوم بعمل، يقومُ بهيكل العمل، والهيكل -القالب- بلا قلب لا أثرَ له.. ينقل الحر العاملي في كتابهِ "الوسائل" عن الإمام الصادق -عليه السلام- اقتراحاً لذوي الحوائج، ويدعوهم إلى هذهِ الصلاة النادرة، ومن منا ليست لهُ حوائج: إما للدنيا، أو للآخرة؟!.. يقول (ع): (إذا قام العبد نصف الليل بين يدي ربـه، فصلى له أربع ركعات في جوف الليل المظلم، ثم سجد سجدة الشكر بعد فراغه، فقـال: ما شاء الله، ما شاء الله (مائة مرة)؛ ناداه الله -جل جلاله- من فوق عرشه: عبدي، إلى كم تقـول: ما شاء الله؟!.. أنا ربك، وإليّ المشيئة، وقد شئتُ قضاء حاجتك؛ فسلني ما شئت)!..

 

أولاً: لابد من العمل بحذافير الرواية: فالصلاة لا تؤدى نهاراً ولا في أول الليل، إنما في منتصف الليل.. ولم يقيد الإمام (ع) الصلاة بسورة معينة؛ فيا لها من صلاة خفيفة على النفس!.. ولكن النتيجة هي قضاء الحاجة مهما كانت كبيرة.

 

ثانياً: إن نداء رب العالمين لا يصل إلى الإنسان؛ لأن طبلة الأذن خُلقت لتسمع أصوات الطيور والبشر.. أما الأصوات العرشية؛ فإنها تحتاجُ إلى قلبٍ عرشي، وإلى أذن عرشية، أو كما يقال: إلى حواس برزخية.. فالعالم مليء بالأعاجيب، مثلاً: الكون يمتلئ ملائكةً ليلة القدر بنص القرآن الكريم، ولكن لا أحد يراها؛ لأننا محجوبون، ويومَ القيامة تُكشف الحُجب.

 

ثالثاً: إن الدعاء والمناجاة في السجود، حيث يناجي العبد ربهُ بكلمة "ما شاء الله": أي يا ربِ، ما شاء الله كان، ما شاء الله تَنَجّز، ما شاء اللهُ لم يتخلف.. العبد يقدّر ما شاء من المعاني لهذهِ الجملة المباركة.

 

فإذن، إن الإنسان لا ينسى هذه الصلاة في الشدائد، وفي الأهوال، وفي العقبات، وفي النكبات؛ ومنها قسوة القلب.. فالبعض يكتئب عندما تكون صلاته غير خاشعة، وكأن هناك كارثة نزلت عليه.. المؤمن يصل إلى درجة تصبح عينهُ على هذهِ الأمور، فلا يكتئب من أجل فوات درهمٍ أو دينار، أو هبوطِ أسهمٍ أو سِلعةٍ، أو ما شابه ذلك.

 

رابعاً: لماذا قال: تسجد سجدة الشكر، والعبارة ليس فيها شُكر؟..
إن هناك احتمالين:

1- الاحتمال الأول: أي كأنها سجدة الشكر.. في السجدة الواجبة هنالكَ مراعاة لكيفية خاصة، أما في سجدة الشكر، وفي السجدات المستحبة، بإمكان الإنسان أن يأخذ حريتهُ في سجوده.. إذن في هكذا حالة مائة مرة نقول: (ما شاء الله) على أمل الاستجابة.

 

2- الاحتمال الثاني: للرقي بالمؤمن.. فكل هذهِ مرغبات ومشجعات، إلى درجة لو خُيرَ الإنسان بينَ سجدةٍ يتحدث فيها مع ربهِ، وبينَ ألذ لذائذ الوجود، يقول: ما لي وهذهِ اللذائذ؟.. كلنا نطلب المتع، ومن منا لا يحب أن يستمتع؟.. وهذا التكالب على الدنيا والمال، ليس إلا ليتحول المال إلى متعة: المؤمنون يستمتعون بمتع محللة، والكفار بمتع مُحرمة {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ}؛ ربُّ العالمين ما حرمَ الطيباتِ من الرزق، إذن كما يقول الشاعر:
كل من في الوجود يطلب صيدا *** إنما الاختلاف في الشبكات

 

كلنا طلاب متع، ولكن علينا أن نرقّي من مستوى هذهِ المتع.. فالمتع المحللة تحتاج إلى أموال، وإلى مقدمات، وبعض الأوقات تكون مُكلفة.. مثلاً: إنسان يُريد أن يستمتع بالنساء استمتاعاً مُحللاً، فيؤدي إلى إثارة غيرة زوجتهِ وأولادهِ، ويقع في مشاكل عديدة، ليمضي ساعة أو ساعتين من اللذائذ المحللة.. نعم ربُّ العالمين ما حرمها، ولكن هنالكَ لذائذ في هذهِ الدنيا: محللة، ومستحبة، ومندوبة، وهيَ ذخيرة للآخرة، ولا تكلف: مالاً، ولا متاعاً، ولا جُهداً؛ ومنها السجود بينَ يدي الله عزَ وجل.. فالإنسان في السجود يذهب إلى عالم غريب!.. والرب الذي جعل خاصية الإدمان في نبتة؛ كيفَ لا يجعلها في سجدةٍ بينَ يديه؟.. ذاكَ إدمانٌ مخدر، وهذا إدمانٌ مُحيي لقلب الإنسانِ ولوجوده؟!.. الذي جعلَ الإدمانَ هناك، جعل الإدمان هنا لأهلهِ ولأوليائه.. إن البعض يقول: إن جبهتي ورأسي ووجودي، تطلب السجود.. فهذه الجبهة كأنها لا تستقر إلا أن تكون على التراب.

 

سجود الشكر:

إن هنالكَ رواية جميلة جداً، تتحدث عن شكر الله -عز وجل- لعبده الذي يسجد شكراً له، تقول الرواية: (إن العبد إذا صلى ثم سجد سجدة الشكر، فتح الله -تعالى- الحجاب بين العبد والملائكة.. فيقول: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي أدى فريضتي، وأتم عهدي، ثم سجد لي شاكرا على ما أنعمت به عليه.. يا ملائكتي، ماذا له؟.. فتقول الملائكة: يا ربنا، رحمتك.. ثم يقول الله تعالى: ثم، ماذا له؟.. فتقول الملائكة: يا ربنا، جنتك.. فيقول الرب تعالى: ثم ماذا؟.. فتقول الملائكة: يا ربنا، كفاه ما همه.. فيقول الرب تعالى: ثم ماذا؟.. فلا يبقى شيء من الخير إلا قالته الملائكة.. فيقول الله تعالى: يا ملائكتي، ثم ماذا؟.. يا ربنا لا علم لنا.. فيقول الله تعالى: لأشكرنه كما شكرني، وأقبل إليه بفضلي وأريه رحمتي)..

 

أولاً: إن المتعارف في سجدة الشكر، هو قول: شُكراً شُكرا!.. مائة مرة، أو أي عبارةٍ من عبارات الشكر والثناء على رب العالمين.

 

ثانياً: إن حديث الربِ مع البشر فيهِ موانع، فالعبدُ لا يسمع كلام الله -عز وجل-؛ ولكنَ الملائكة تسمع.. وحوار الرب مع الملائكة متعارف، كتلك الحوارية التي تمت بينَ الله -عز وجل- وبين الملائكة عندما خلق آدم (ع): {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

 

ثالثاً: إن رب العالمين يقول: (لأشكرنهُ كما شكرني)، فرب العالمين يشكر العبد!.. هناك آية في القرآن الكريم تقول: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.. ولكن هذا معنى آخر (لأشكرنهُ): عادةً المُنعَم عليه هو الذي يشكر، لا الذي أنعم.. ولكن هنا انقلبت الآية: فرب العالمين وهو المُعطي، يشكر العبد على سجوده!.. وهناك نظير لهذا المعنى في القُرآن الكريم: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}.. كأن اللهَ -عَزَ وجل- يطلبُ شيئاً من الإنسان وهو صاحبُ المال.

 

رابعاً: إن الإنسان عندما يطولُ سجودهُ، وخاصة في جوف الليل، وبعدَ ساعة من قيام الليل؛ فإنه ينامُ في سجوده.. وهذا شيء متعارف في عُرف الصالحين.. هنا رب العالمين أيضاً لهُ خطاب لهؤلاء، قال الرضا (ع): (إذا نام العبد وهو ساجدٌ، قال الله تبارك وتعالى: عبدي، قبضت روحه وهو في طاعتي).. النائم تُقبض روحه كأنهُ يموت الموت الأصغر {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

 

خامساً: نحن عادةً نضع جباهنا على الأرض أو على التُراب أثناء السجود، ولكن هُنالكَ حركة في عُرف الأنبياء والمرسلين، وهو تعفيرُ الخد: أي يضع خدهُ على التراب، مثلما يعفر خد الميت في التراب عندما يُدفن.. فالإنسان لو قامَ بهذهِ الحركة؛ تنتابهُ حالة من حالات الخشوع.. عن الباقر (ع): (قال أوحى الله -تعالى- إلى موسى (ع): أتدري لم اصطفيتك بكلامي من دون خلقي؟.. قال: لا يا رب، قال: يا موسى، إني قلبت عبادي ظهرا لبطن، فلم أر أذل لي نفسا منك، إنك إذا صليت وضعت خديك على التراب).. فرب العالمين يراقب حركات موسى -عليه السلام- وهذهِ حركة من الحركات المشكورة بينَ يدي الله عزَ وجل.

 

سادساً: هذا الوجه الذي سَجدَ لله -عزَ وجل- في الليل أو في النهار؛ هذا الوجه وجه مبارك.. ولهذا قال الإمام الصادق -عليه السلام- لرجل: (إذا أصابك همّ فامسح يدك على موضع سجودك، ثم أمرَّ يدك على وجهك من جانب خدّك الأيسر، وعلى جبهتك إلى جانب خدّك الأيمن، ثم قل: بسم الله الذي لا إله إلاّ هو، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.. اللهم!.. اذهب عنّي الهمَّ و الحزن.. ثلاثاً).. هذا المكان مكان مُقدس، ومكان طاهر، عن الإمام الحسن (عليه السلام): (إذا لقي أحدكم أخاه، فليقبل موضع النور من جبهته).

 

سابعاً: إن رب العالمين خزائنه مفتوحة، يُريد أن يُعطي بحساب وبغيرِ حساب، فقط يُريد منَ الإنسان مبرراً أو كلمةً.. فمن يدعو بكلمة واحدة؛ رب العالمين يعطيه من خزائن رحمته الواسعة!.. يقول تعالى في سورة المنافقين: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} لا خزينة، بل خزائن.. على كل حال خزائنهُ بينَ الكافِ والنون!..

 

ثامناً: إن من سُنن النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- سجود الشكر على كل نعمة أنعم بها الله -تعالى- عليه، قال الصادق (ع): (إنَّ رسول الله (ص) كان في سفرٍ يسير على ناقةٍ، إذا نزل فسجد خمس سجدات، فلمّا ركب قالوا: يا رسول الله!.. رأيناك صنعت شيئاً لم تصنعه؟.. فقال: نعم، استقبلني جبرئيل (ع) فبشّرني ببشارات من الله عزَّ وجلَّ، فسجدت لله شكراً لكلّ بشرى سجدة).. انظروا إلى طبع النبي، وقلب النبي الأكرم (ص)!..


الخلاصة:-
1- أن السجود هو أهم الحركات الصلاتية.

2- للسجود نوعان: سجودٌ ظاهري جسماني، وسجود باطني ملكوتي.

3- أن نداء رب العالمين لا يحتاج أذنا حسية تسمعه، بل يحتاج قلباً عرشياً ليعيه.

4- هنالكَ لذائذ في هذهِ الدنيا: محللة، ومستحبة، ومندوبة، وهيَ ذخيرة للآخرة، ولا تكلف: مالاً، ولا متاعاً، ولا جُهداً؛ ومنها السجود بينَ يدي الله عزَ وجل.

5- أن الله جل وعلا وهو المنعم يشكر عبده الذي يسجد له شكرا.

6- أن الذي يعفر خده أثناء السجود، تنتابه حالة من حالات الخشوع.

7- إن رب العالمين خزائنه مفتوحة، يُريد أن يُعطي بحساب وبغيرِ حساب، فقط يُريد منَ الإنسان مبرراً أو كلمةً.

8- أن من سنن النبي ( صلى الله عليه وآله) سجود الشكر على كل نعمة أنعم بها الله جل ذكره عليه.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج