خطب الجمع
عنوان الخطبة :

أسرار التشهد

إن الصلاة بمثابة أبراج متعددة الطوابق، فإن نجح الإنسان في بناءِ طابق واحد، يكون باستطاعته بناء جميع الطوابق.. وإن كان هناك تقاعس، فالنقصُ يكون في همته لا في قابليته.. فالإنسان إذا خشع في عُمرهِ مرة واحدة، ولو في ركعةٍ واحدة؛ فقد تمت عليهِ الحُجة.. ويوم القيامة إذا عوتب، وقيلَ له: يا فُلان، لمَّ صليت صلاة لاهية؟.. فإذا قال: لم أكن قادراً على أن أصلي صلاةً خاشعة، فيقال له: لماذا في يومِ كذا، في بلدة كذا، في الصلاة الفُلانية، في الركعة الثانية -مثلاً- خشعتَ في صلاتك؟.. إذن، هنالك تقصيرٌ في البين، والذي لا يخشع في صلاته، لخطأ أو لزلةٍ أو لذنبٍ؛ كأنه لا يؤذن لهُ في الدخول على ساحة المليك الأعلى، وكأنهُ يُطرد طردا!ً.. نعم، الإنسان يصلي صلاته باختياره؛ فهذه الصلاة قد تكون مُجزية، ولكنها غير مقبولة.. وفرقٌ بين الإجزاء وبينَ القبول!.. فرقٌ بين من يأتي يوم القيامة ولا يُجعل في خانة تاركي الصلاة، وبينَ من تكون صلاتهُ معراجاً إلى الله عزَ وجل.

 

التشهد:

إن التشهد مأخوذ من الشهادة، فالشاهد في المحكمة هو الإنسان الذي عندما يشهد يقول: أنا أشهد وأقرّ بكذا.. والشهادة بالنسبة للإنسان على ثلاث حالات:

الحالة الأولى: شهادة لصالحه.. يشهدُ ليعود لهُ نفع، يقول: أيها القاضي، أنا أشهد وأقر: بأني أطلب من فُلان مالاً.. فهذه الشهادة مقدمة لجلب منفعة له.
الحالة الثانية: شهادة عليه..
أي يشهد على ضرر نفسه، كأن يأتي إنسان أمام الحاكم الشرعي، ويقول: أنا أعترف وأقر بأني ارتكبت العمل الكذائي.
الحالة الثالثة: شهادة لا له ولا عليه..
أي تكون شهادته لا لنفعٍ لهُ، ولا لضرر، ولكن مجرد إدلاء بحق.. فيقول: أيها القاضي، أنا رأيتُ فُلاناً يسرق مال فُلان.. والقرآن الكريم يقول: {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}.. إذن، لابدَ وأن يقول ما رآه من الحق.

 

إن الإنسان المؤمن عندما يستمع القول يتبع أحسنهُ!.. لذا على المؤمن التفكير، وخاصة في موضوع التشهد الذي نعيشه في اليوم عدة مرات: الشهادة في الأذان، والشهادة في الإقامة، والشهادة في الركعة الثانية، والشهادة في الركعة الأخيرة.. ففي كل هذه المواقف نقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمداً رسول الله).. ولكن هل هناك من فكر في هذهِ الشهادة، من أي قسم هي: هل هي من القسم الأول، أو من القسم الثاني، أو من القسم الثالث؟.. هل هي شهادةٌ له، أو شهادةٌ عليه، أو شهادةٌ لا له ولا عليه؟..

 

إن هذهِ شهادة من القسم الثاني، أي هي على الإنسان لا له، لأنه عندما يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له"؛ معنى ذلك أنه يقول: يا رب، أنا سوفَ ألتزم بما أقول، سأعبدكَ ولا أشرك بكَ شيئاً.. وهذهِ الشهادة لها تبعات، وأول تبعات هذهِ الشهادة {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}؛ رب العالمين ذكرَ {أَطِيعُوا اللَّهَ} وذكرَ {أَطِيعُوا الرَّسُولَ} في سياقٍ واحد؛ معنى ذلك أن هذا تحمل لشيء.. فإذن، إن الشهادة معنى مُخيف، فيها التزام.. وبالتالي، فإن من يشهد الشهادتين، عليهِ أن يكون على مستوى ذلك.

 

أشهد أن لا إله إلا الله:

يقول الإمام الصادق -عليه السلام- في كتاب مُصباح الشريعة: (التشهد ثناء على الله.. فكن عبداً له في السر، خاضعا له في الفعل، كما أنك عبد له في القول والدعوى.. وصلٍّ صدق لسانك بصفاء صدق سرك، فإنه خلقك عبداً، وأمرك أن تعبده بقلبك ولسانك وجوارحك، وأن تحقق عبوديتك له وربوبيته لك.. وتعلم أن نواصي الخلق بيده، فليس لهم نفس، ولا لحظة إلا بقدرته ومشيته، وهم عاجزون عن إتيان أقل شيء في مملكته، إلا بإذنه وإرادته.. قال الله عز وجل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}).. أي أنتَ تدّعي العبودية، فكُن على مستوى تحقيق هذهِ العبودية!.. ولا تكن كاذباً في الدعوى، أنتَ عندما تقول: يا ربي، أنتَ واحدٌ أحد؛ هُناكَ توحيدٌ للذات، وهنالكَ توحيدٌ في العبودية، وهنالكَ توحيدٌ في الفعل: أن لا ترى في الوجودِ مؤثراً إلا هو.. فالبعض منذُ أن كُلف إلى أن يموت، لا يستشعر حقيقة العبودية.. بينما عندما يرزق الإنسان بولده الأول؛ يشعر أنه أصبح أبا.. والشاب بعدَ العقد الزوجي، يشعر أنه أصبح زوجاً.. وعندَ الولادة أيضاً عندما ترى الأم وليدها، تحتضنه وتنسى كُل آلام الطلقِ والولادة؛ لأنها أصبحت أماً.. والموظف كذلك عندما يأخذ كتاب التوظيف؛ يعيش شعور الوظيفية.. والإنسان الذي يشتري منزلاً فاخراً؛ يعيش حالات المالكية.. وهكذا!..

 

فإذن، المالكية، والزوجية، والأبوة، والأمومة؛ هذهِ مشاعر يعيشها الإنسان في حياته، ولو لمرات.. ولكن هل جلس الإنسان في يوم من الأيام معَ نفسه وأحس أنه عبد؟.. لو أحسَ الإنسان بهذا الشعور، لوصلَ إلى درجات لا توصف، فـ(العبودية جوهرةٌ كُنهها الربوبية).. الإنسان الذي يعيش عبوديته، يعيش ربوبية الله -عزَ وجل- بشكلٍّ متلازم، ومن عاش ربوبية الله -عز وجل- أي شعورٍ يعيش؟.. الإنسان الذي يرى ربوبية الله -عزَ وجل- فإن أول ما يُعطى مقام الأمنِ والسلام، ويرى أن خيوط الوجود كلها بيد الله عزَ وجل.. هناك كلمة جميلة لأحدهم مضمونها: "المفتقر للوجود أنى لهُ الإيجاد"، أي هو مفتقرٌ في وجوده، فيرى كل ما في الوجودِ بمشيئة الله عزَ وجل، ولا مؤثرَ في الوجودِ إلا هو.. فهل الإنسان الذي يعتقد بذلك يضطرب، أو يخاف؟..

 

إن هناك مقدمتين لو طبقناهما في حياتنا، لتحولت الحياة إلى جنة الخُلد: أحداهما من القرآن الكريم، والأخرى قضية وجدانية.. قال تعالى في كتابه الكريم: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} هذهِ آية من القرآن.. ومقدمة ثانية وجدانية تقول: وما كتب الله لنا فيهِ صلاحنا؛ لأنهُ ربٌ حكيم ودود، لا يجري إلا ما فيه المصلحة.. فإذن، إن النتيجة تصبح: "لن يصيبنا إلا ما فيهِ صلاحنا".. فالإنسان الذي تكون هذهِ فلسفتهُ في الحياة، لو وضعَ في أعماق السجون، يقول: لن يصيبنا إلا ما فيهِ صلاحنا.. هل هذا يضطرب في الحياة، وهو يعلم أن كل ما يجري عليه هو لمصلحته؟.. {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.. بل يصل الإنسان إلى درجةٍ، يرى السلب أحب إليهِ من العطاء؛ لأنَ كليهما من الله -عزَ وجل-: ولكن العطاء فيهِ مُحاسبة، والسلب فيهِ إثابة.. مثلاً: الذين تنزل عليهم مُصيبة؛ تنزل عليهم الرحمة {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، هذا الإنسان المغمور بالرحمة كيفَ يعيش في هذهِ الدُنيا؟..

 

أشهد أن محمداً رسول الله:

انظروا إلى الشهادة على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، المصلي يقول: "وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسوله"؛ فهو يشهد بأن للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مقامين: المقام الأول مقام العبودية، والثاني مقام الرسالة.. ويقدم ذكر مقام العبودية، على ذكر مقام الرسالة.. فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يمارس العبودية لله -عز وجل- لمدة أربعين سنة، ثم في الثلث الأخير من عمره، كانَ مبعوثاً إلى الناس.. والمؤمن كذلك عليه أن يتأسى بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في سلوك هذا الطريق.

 

الدرس العملي:

1- إن كان الإنسان يريد المقامات العليا الراقية، والكمال، والأمن والأمان؛ فعليه بالعبودية.. هذهِ الأيام البعض يُعقد السير إلى الله -عزَ وجل- وكأنهُ أسرار، وحلقات مقفلة، وأذكار خاصة.. لماذا حولنا العلاقة مع رب العالمين إلى حلقات مغلقة هنا وهناك؟.. أحد العلماء الكبار، الذي ربى جيلاً من الصالحين، الذينَ أخذوا بأيدي الآخرين، قال في أواخر أيامِ حياته: الطريق إلى الله -عزَ وجل- أسهل مما كُنا نظن!.. لا تعقدوا الأمور على العباد، لا تجعلوا الدينَ ثقيلاً!.. من أرادَ أن يحتاط فليحتاط، وإلا إذا أراد فإنه يستطيع أن يأخذ بحافة الشريعة: يريد أن يأكل من سوق المسلمين، فيبني على طهارة كُلِّ شيء، ويأتي بالعبادات بالأقل الواجب.. ولكن يعيش جو العبوديةِ لله عزَ وجل، أي يكون خاضعاً في قلبه، مراقباً لقوله ولفعله؛ فهكذا إنسان قطعاً يصل إلى الله عزَ وجل.

 

2- إن الدين دين يُسر {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.. بعض المؤمنين وهو في حال الاستمتاع بشتى صور المتاع الدنيوي، يعيش القُرب إلى الله عزَ وجل، مثلاً: عندما يكون في الحدائق والبساتين، وأمام المناظر الجميلة؛ فإنه يعيش الذكر الإلهي أكثر مما لو كان على فراش المستشفى، لأن هنالكَ آلاماً وأوجاعاً ودماء وقروحاً، فيشغله عن الله عزَ وجل.. والبعض في ليلة الزفاف، يعيش أعلى صور القُرب من الله -عزَ وجل- لأنهُ يعيش الممنونية.. لأن النعمة كبيرة عليه، هذهِ المُتعة هي نعمة من الله -عزَ وجل- فتجعله يعيش المناجاة الصادقة معَ رب العالمين.

 

3- إن العبوديةِ لله -عزَ وجل- لا تحتاج إلى رتوش وإلى كلمات معقدة، وإلى مراجعة الكتب المليئة بالاصطلاحات.. عليكم بكتاب جهاد النفس، من كتاب "الوسائل" للحر العاملي، فيه أحاديث هي لبُ الحكمة، ومن أرادَ التفصيل فعليه بكتب الأخلاق الأخرى.. ولكن يكفي أن يأخذ هذا الجزء "جهاد النفس" من كتاب الوسائل، ويجعله دستور الحياة، من دون أن يعيش اضطراباً أو قلقاً أو تشويشاً فكرياً.

 

الصلاة على النبي (ص):

إن الصلاة فيها دعاءٌ، نبتدئها بدعاء، ونختمها بدعاء: الدعاء الأول في الصلاة هو {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، يطلب المصلي من الله -عزَ وجل- أن يجعلهُ على الطريق المستقيم في كُل شيء: في خواطره، وفي أقواله، وفي أفعاله، وفي مواقفهِ الحياتية.. وآخر دعاءٍ في الصلاةِ، قبلَ أن يُسلم يقول: "اللهم!.. صل على محمد وآل محمد".. بدأ بطلب الصراط المستقيم، وختم بالصلاة على النبي وآله.. يقول الإمام الصادق (ع): (وقد أمرك بالصلاة على نبيّه محمد -صلى الله عليه وآله- فأوصل صلاته بصلاته، وطاعته بطاعته، وشهادته بشهادته.. وانظر ألا يفوتك بركات معرفة حرمته، فتحرم عن فائدة صلاته.. وأمره بالاستغفار لك، والشفاعة فيك.. إن أتيت بالواجب في الأمر والنهي، والسنن، والآداب، وتعلّم جليل مرتبته عند الله عز وجل).. من أرادَ أن يصلَ إلى الله -عزَ وجل- لابد له من هذا الطريق، وهذا الطريق على رأسهِ النبي (ص)، ألم يقل (ص): (إني تاركٌ فيكم الثقلين)؟!.. هذا هو الطريق الذي من سلكهُ نجا.

 

الخلاصة:
1- إن الإنسان إذا خشع في عُمرهِ مرة واحدة، ولو في ركعةٍ واحدة؛ فقد تمت عليهِ الحجة ، فإن كان هناك تقاعس، فالنقصُ يكون في همته لا في قابليته.

2- أن الصلاة قد تكون مُجزية، ولكنها غير مقبولة.

3- أن من يشهد الشهادتين، عليهِ أن يكون على مستوى ذلك ، فهذهِ الشهادة لها تبعات، وأول تبعات هذهِ الشهادة {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}.

4- أن (العبودية جوهرةٌ كُنهها الربوبية) فالإنسان الذي يعيش عبوديته، يعيش ربوبية الله -عزَ وجل- بشكلٍّ متلازم.

5- أن ما كتب الله لنا فيهِ صلاحنا؛ لأنهُ ربٌ حكيم ودود، لا يجري إلا ما فيه المصلحة، وعليه فالنتيجة هي: "لن يصيبنا إلا ما فيهِ صلاحنا".

6- إن الإنسان أن كان يريد المقامات العليا الراقية، والكمال، والأمن والأمان؛ فعليه بالعبودية.

7- أن المؤمن وهو في حال الاستمتاع بشتى صور المتاع الدنيوي، يعيش القُرب إلى الله عزَ وجل لأنه يعيش الممنونية لله جل وعلا على نعمته عنده.

8- أن النبي ( صلى الله عليه وآله) على رأس الطريق الموصل إلى الله جل وعلا.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج