خطب الجمع
عنوان الخطبة :
دور الفقهاء في الأمة

موت العالم..

قد يتساءل البعض: لماذا الاهتمام بذكرى العلماء؟.. وإن كان هذا الأمر بديهياً، ولكن الحديث المعروف عن النبي (ص) مُبرر لنا جميعاً، كي نُحيي ذكرى العلماء، والفقهاء، والمراجع.. والمرجع هو الذي يُرجع إليه في الفُتيا؛ لأنه وكيل إمام الزمان (عج).. فالوكلاء الأربعة منصوص عليهم، أما المجتهدون والعلماء الذينَ نقلدهم، فيكفيهم فخراً أنهم وكلاء الإمام (عج)!.. مثلاً: عندما يأتي وكيل من قبل مرجع من مراجع التقليد، كم نُبجله وكم نحترمه!.. فكيف إذا كان هذا الشخص هو وكيل الإمام؟.. فالوكالة العامة لها وزن!..

 

يقول النبي الأكرم (ص): (ما قبض الله عالماً، إلا كان ثغرة في الإسلام لا تسد)، وفي رواية عن الإمام الصادق (ع): (إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة، لا يسدها شيء إلى يوم القيامة)؛ أي هناك شق وفراغ، يتركهُ هذا العالم؛ لأن العالم الذي يأتي بعده، وإن كان أعلم أو أفضل منه، ولكنَ هذا غَيرُ ذاك، هذا عالمٌ آخر!.. وهذهِ الرواية منطبقة على فقيدنا الشيخ المبرور، هذا المرجع الكبير، العارف، الشيخ "محمد تقي بهجت"، الذي جمعَ بينَ الفقاهةِ والعرفان.. كُلُ علماؤنا عُرفاء بلا شك، ولكن كانت لهُ لمستهُ المُميزة، وهذا باعتراف الحوزات: الحوزتان العلميتان الكبيرتان في النجف وفي قم، أينما تذهب إذا سألت عن أبرز الشخصيات الأخلاقية في عصرنا هذا، يشارُ إليهِ بالبنان.

 

التقليد..

إن "التقليد" في عُرف الناس، قد لا يعتبر أمراً ممدوحاً، فالناس يحبون: الابتكار، والإبداع، والإتيان بالجديد.. ولكن بالنسبة إلى الفقهاء والعلماء، فهذا أمر متعين.. وهناكَ أدلة بالنسبة لمسألة التقليد:

 

الدليل الأول: القرآن.. وليس وراء القرآن دليل، يقول تعالى: {...فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.. فـ{طَائِفَةٌ}؛ تعني جماعة من المؤمنين، هنيئاً لطلاب العلم في الحوزات، هؤلاء عملوا بهذا الحديث، فقد نفروا وكأنهُ الزحف إلى الجهاد.. فالنفير إلى الحوزات العلمية في مستوى الجهاد؛ بل أعلى!.. حيث أن مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء: فالشهيد بعملهِ يزيل الأعداء، ولكنَ العالم يُكثر الأصدقاء.. وفرقٌ بينَ إزالة المانع، وبينَ إيجاد المقتضي.. العالم أمثال "الشيخ بهجت" ربى جيلاً من الصالحين، والشهيد على عظمتهِ يقتل كافراً أو مشركاً أو عدواً.. والنبي -صلى الله عليه وآله- حين فرغ من الحرب، قال لأصحابه: (انتهيتم من الجهاد الأصغر، وبقي الجهاد الأكبر).. وقد طبق الجهاد الأكبر على جهاد النفس.

 

الدليل الثاني: السنة.. بالنسبة إلى السُنة النبوية وروايات أهل البيت (ع): فنحنُ عندما نقول: السُنة النبوية، وننقل رواية عن أحد المعصومين، لا غرابة في البين، فحديث الأئمة هو حديث النبي (ص)؛ لأنهم العترة.. وما قالهُ الإمام (ع) هو ما قالهُ النبي (ص)، فهم بابٌ لمدينة علم النبي (ص)، ولا فرق بينَ البابِ والبيت، وعليٌ (ع) على رأسِ قائمة الأئمة.. والروايات الواردة في هذا المجال على قسمين:

 

1: بشكل خاص.. وهي الروايات التي تنص على خصوص بعض الفقهاء في زمان المعصومين -عليهم السلام-؛ فهذه سنتهم.. عن علي بن المسيب قال : قلت للرضا -عليه السلام-: شقتي بعيدة، ولست أصل إليك في كل وقت، فعمن آخذ معالم ديني؟.. فقال: (عن زكريا بن آدم القمي، المأمون على الدين والدنيا).. وزكريا بن آدم له مقام في قم المقدسة، في "مقبرة شيخان".. فإذن، الإمام (ع) وهو حي، عَلقَ هذا الوسام الشريف على صدرِ زكريا بن آدم!.. وأرجع المقلدين -إن صح التعبير- إلى هذا الفقيه من فقهاءِ مدرسة أهل البيت -عليهم السلام-.

 

2: بشكل عام.. هناك روايتان مشهورتان في باب التقليد، عليهم المعول: أحداهما عن الإمام العسكري -عليه السلام-.. والثانية عن ولدهِ المهدي (عج)..

أولاً: رواية الإمام العسكري (ع): (فأما من كان من الفقهاء: حافظاً لدينه، صائناً لنفسه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه؛ فللعوام أن يقلدوه)؛ لابدَ أن يكون فقهياً؛ أي مستنبطاً للأحكام الشرعية من مصادرها الأولية.. فإذن، هذهِ الدعوة العامة لمراجعة الفقيه، ولكن البعض من العلماء يرى ثلاثة شروط في المجتهد:

 

أ- العدالة: أي لهُ ملكة ترك المعاصي والذنوب.. فالملكة صفة راسخة.
ب- الورع:
أي ترك الحلال المشتبه، فالإنسان إذا أكلَ الحرام خرجَ عن العدالة، وإذا أكلَ الحلال المشتبه خرجَ عن الورع.. فالورِع هو الذي لا يحومُ حولَ الحمى.
ج- الزهد:
البعض لهُ شرط ثالث في المجتهد، قد لا يكون بنحو الشرطية الدقيقة، ولكن المطلوب على الأقل في المجتهد المرجع: أن يكونَ فقيهاً عادلاً، ورعاً، زاهداً في الدنيا.. فالعالم الفقيه الذي لهُ رغبة في السُمعة والشُهرة، هذا الإنسان في مظان الخطورة، فكيف يُقلد؟!..
 

إن العلماء يشترطون مراجعة الأعلم الحي، لأن هناك أموالاً ستدفع؛ ألا وهي الخمس، وهناك فتاوى مستحدثة.. وكذلك فإن العلم اليوم يتقدم: فهناكَ الترقيع، والاستنساخ، والتلقيح الصناعي، وهناكَ التأمين، والبنوك، وهناك الصلاة في أماكن: كالقمر، والقطب الشمالي.. وعشرات المسائل المستحدثة، لذا لابد من مراجعة الأعلم الحي!.. وهذهِ الأيام ببركات الشبكة العالمية للتواصل، الإنسان يستفتي مرجعهُ صباحاً، وإذا به يتلقى الجواب ليلاً من خلال بريدهِ الإلكتروني.. فإذن، لابد من تقليد الأعلم الحي!.. وهذه هي العلاقة الطبيعية بينَ المرجعِ وبينَ المقلد.

 

ثانياً: أما رواية إمام الزمان -صلوات الله وسلامهُ عليه-: (أما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجّتي عليكم، وأنا حجة الله).. يومَ القيامة يؤتى بالفقهاء ليحاسبهم الإمام؛ لأنه عندما يُسأل الإنسان: من أين لك بهذهِ الفتوى، ولماذا ارتكبتَ هذا الحرام الواقعي؟.. فإنه يقول: يا رب، أنا قلدت المجتهد، سل الذي قلدته!.. لذا هناكَ موقفٌ صعب لخصوص الفقهاء والمجتهدين يوم القيامة.. فعامة الناس عليهم بالصلاة والصيام، ولكنَ الفقيه وضَعَ رقبتهُ جِسراً للناس؛ فلابدَ أن يكون على مستوى هذهِ المسؤولية.. والفقهاء المراجع ليس لهم هفوات وانحرافات، قد يكون ذلك لفقيه، أو عالم.. أما المرجع إذا وصل للمرجعية، فإنه فوق مستوى طلب الشهرة والمريدين.. عادةً المراجع لا يبحثون عن المُقلدين، هكذا ديدنهم!.. فالسيد القُمي (رحمه الله) كانَ في النجف الأشرف، بعدَ أن انتقلت إليهِ المرجعية الكبيرة، ذهب إلى الحرم، وأخذَ معهُ بعض العلماء الكبار، وقال: أنا أدعو وأنتم أمّنوا على دعائي!.. قالَ: يا رب، إن كانت مرجعيتي لصالح الدين أبقها -بهذهِ المضامين- وإلا خُذني إليك!.. بعدَ أشهر انتقلَ إلى رحمة ربه!.. هكذا نظرتهم إلى الزعامة والرئاسة والمرجعية!..

 

الكتمان سمة الأولياء..

إن ذكرهم ذِكر الأئمة (ع)، وذكر الأئمة ذكر الرسول (ص)، وذكر الرسول هو ذِكرُ الله عزَ وجل.. مع الأسف لا نعرف قدرَ العُلماء إلا بعدَّ موتهم، ولهذا الإنسان إذا وجدَ عالماً يُطمئن إليه، فليستغل وجودهُ قبلَ أن يأخذهُ رب العالمين.. مزايا هذا العالم الجليل، المدرسة الأخلاقية المتزنة.. طوال التأريخ هناك ضحايا للأخلاق، وضحايا للسير إلى اللهِ عزَ وجل، دخلوا في متاهات الرياضات الشاقة، فترى الإنسان يُعاند نفسه: فلا يأكل أكلاً طبيعياً، ولا ينام نوماً طبيعياً.. البعض من هؤلاء أصابهم الخبل والإنحراف في عقولهم، لقلة النوم والطعام والشراب.. والبعضُ منهم ذهب إلى عالم الغيبيات: تسخير الكواكب، والجن، والملائكة -على حد زعمهم-؛ وهؤلاء المشعوذون كثيرون هذهِ الأيام!.. لذا إياكم وإياكم ممن يدّعي دعاوى كبيرة!.. فأولياء الله -عزَ وجل- سيماهم الكتمان.. وهذا الفقيد المبرور له قضايا عجيبة، قد لا يستوعبها البعض!.. ولكن بعض الأمور كانت تظهر دون قصد منه، مثلاً: كان (رحمهُ الله) إذا أرادَ أن يلفت نظرَ إنسان إلى أمرٍ فيه، يذكره في ضمن مقدمات، أو ضمن رواية؛ لئلا يلتفت إلى كلامه.. نعم، هؤلاء أولياء الله عز وجل، لذا (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله)!.. ورواية قُرب النوافل ذُكرَت في كتاب البخاري، وفي كتبنا أيضاً.. قَالَ رَسُولُ اللَهِ -صَلّى‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- (قَالَ اللَهُ -تعالى-: مَا تَحَبَّبَ إلَی عَبْدِي‌ بِشَي‌ءٍ، أَحَبَّ إلَی مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ.. وَإنَّهُ لَيَتَحَبَّبُ إلَی بِالنَّافِلَةِ حَتَّي‌ أُحِبَّهُ.. فَإذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي‌ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي‌ يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي‌ يَنْطِقُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي‌ يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي‌ يَمْشِي‌ بِهَا.. إذَا دَعَانِي‌ أَجَبْتُهُ، وَإذَا سَأَلَنِي‌ أَعْطَيْتُهُ.. وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي‌ شَي‌ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ، كَتَرَدُّدِي‌ فِي‌ مَوْتِ مُوْمِنٍ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ).. هذه من الروايات الأساسية في الطريق إلى الله عز وجل، فالمؤمن يُصبح وجودهُ ربانياً!..

 

المدرسة الأخلاقية الجامعة..

أولاً: كانَ منهجهُ في أمرين: في ظاهر الدين الرسالة العملية، وفي باطن الدين كُتب الدعاء.. وكانَ (رحمهُ الله) يصرُ كثيراً على باب "جهاد النفس" من كتاب "الوسائل" وهو عبارة عن روايات أهل البيت (ع).. كان (رحمه الله) دائماً يؤكد على أمرين، كان يقول: "عليك بالكتاب والسُنة"، لا تذهب يميناً ولا شمالاً؛ فهذا هو الطريق إلى المدارج العالية!.. في العبادات كانَ يصرُ على الصلاة في أول الوقت، وكانَ لهُ تأكيد عجيب على هذهِ المسألة، تبعاً لأستاذهِ القاضي (رحمهُ الله).. كانَ ينقل عن أستاذهِ، أنهُ في أواخر عمرهِ عندما أرادَ أن يختصر المسافة، ويلخص فلسفتهُ الأخلاقية، قالَ: (عليكم بصلاة أول الوقت)!.. فالذي لا يستجيب لنداء الله -عزَ وجل- وإن كان له في جوف الليل ختمات وأوراد وأذكار، فهو لا يبالي بنداء رب العالمين؛ فكيف يُريد أن يتكامل!..

 

ثانياً: ترك المعاصي والذنوب، في باب الربا هناك آية في القرآن الكريم تقول للمُرابين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}.. وفي آيةٍ أخرى يقول تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}.. وأيضاً بالنسبة إلى الزنا، والكذب، و..الخ؛ كُل هذهِ المُخالفات بمثابة حرب.. فالإنسان عندما يسمع الغناء؛ ينتهك مملكة المولى.. هذهِ الأيام هناك عقوبات مُغلظة للمتسلل، فعندما يُلقى القبض عليه: يُسفّر، أو يُعاقب؛ لأنهُ مشى خطوة في مملكةٍ من دون إذن.. والإنسان العاصي متسلل بكل معنى الكلمة، ولو كانَ شبراً.. فكلمة "المتسلل" تطلق على من دخلَ حدود البلد، سواء دخلَ متراً أو دخلَ كيلومتراً.. والعاصي متسلل، تعدى حدود الله -عز وجل-؛ لذا فإن رب العالمين يعاقبهُ على ذلك.

 

بعض كلماته الحكمية (رحمه الله)..

إن كلمات العلماء حكمية، يقال: "اطلب العلم ولو في الصين" فكيف لو كان في الحوزات العلمية؟!.. هذهِ الكلمات كلمات مأخوذة من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وما يميز "الشيخ بهجت"، أنهُ كانَ مرجعاً من كبار مراجع الطائفة في الفقاهةِ، وفي القضايا الأخلاقية والتربوية.. ومن كلماته (رحمه الله) في مجالات مختلفة:

 

1- علاج العشق المجازي:

يسألهُ أحدهم: منذ مدة وأنا أسير في حب شخص، وقد أفلت الزمام من يدي، فما العمل؟.. -هذا الحُب المتعارف هذهِ الأيام، والحُب معنى واسع: فالبعضُ يحبُ الوجوه، والبعضُ يحبُ الدواب، والبعضُ يحبُ المنازل.. لكُل إنسانٍ -كما يُقال- ليلاه، هذهِ ليلى تارةً بشر، وتارةً جماد-.. فأجابَ على هذا السؤال، قائلاً: "إن العاقل إنما يحب الأكمل والأجمل والأنفع والأدوم، ويرجح محبته على محبة غيره.. هذا بالإضافة إلى أن محبة الأكمل، تدفع الشرور والبليات؛ بخلاف محبة غيره".. أي ألستَ عاقلاً؛ فإن رأيتَ جمالاً في طبيعة أو امرأة، قل: هذهِ جميلة، وهناك من هو أجمل، وهو الذي خَلقَ هذا الجمال!.. كذلك: هل هذهِ الفتاة باقية؟.. زهرة شبابها عشرون أو ثلاثون سنة، ولكن هناك ما هو أدوم من هذا الجمال!.. لذا عليكَ بذلكَ الأدوم!.. وإن كانت هذهِ المرأة ثرية ذات جمالٍ وكمالٍ وحسبٍ ونسبٍ ومال، فهناكَ أغنى منها!..

 

فإذن هذا المتربي في مدرسة أهل البيت (ع)، يضع يدهُ على اللُب وعلى العلة!.. هذا المرجع الفقيد يعالج القضية من جذورها يقول: إن أحببتَ شيئاً لجماله؛ هناكَ أجمل!.. وإن أحببته لكماله؛ هناكَ أكمل!.. وكذلك فإن محبة الفانيات توجب القلق والخوف، لأنه هذا الشيء قد يذهب من يدك أو يموت.. ولكن محبة الله -عزَ وجل- تدفع الشرور، وتُعطيكَ البهجة.. وهذا المرجع شاء الله -عزَ وجل- أن يكون اسماً على مُسمى إلى آخر أيام حياتهِ، وهو يمازح من يكون في مجلسه.. ست وتسعون سنة، وهو في كامل وعيه؛ انظروا إلى البركات!..

 

2- السير الأنفسي:
بالنسبةِ إلى الإلتفات إلى الله -عزَ وجل- والسير الأنفسي: هناك سير آفاقي، بالذهاب إلى إحدى الجزر الجميلة.. وهناك سير أنفسي، بالإمكان أن يكون الإنسان في كوخ، أو في سجن، كنبي الله يوسف (ع)، ووصي رسول الله -صلى الله عليه وآله- الإمام الكاظم (ع)؛ كلاهما دخلا السجن، ولكن هل كانا يعيشان العذاب؟!.. يوسف الصديق (ع) كان لهُ معراجهُ إلى الله عزَ وجل.. والإمام موسى بن جعفر (ع) كان يشكر الله -عز وجل- على هذهِ النعمة؛ نعمة الخلوةِ مع الله عزَ وجل؛ لماذا؟.. لأنَ لهُ سير أنفسي {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}.

 

سأله أحدهم: ما الذي يجب أن نفعله لتحصيل حضور القلب، وتركيز الذهن في الصلاة؟.. أجاب: "في اللحظة التي تلتفت فيها لا تنصرف -وتشرد بذهنك- باختيارك".. أي رب العالمين الآن اختاركَ لنفحةٍ: في صلاة، أو خارج الصلاة؛ فلا تعرض بوجهك عنه عز وجل.. وهذهِ المعاني تَقعُ كثيراً في ليالي القدر، أو في المشاهد.. فإذا جاءت الرقة، وهناك توجه قلبي، حاول أن تبقى في ذلك الجو، لا تنصرف، دع الحالة تذوب تلقائياً.. فأنتَ في لقاء الملك، لا تستعجل الخروج، إذا جاءَ الحاجب وقال: أخرج الآن!.. اخرج!.. ولكن أنتَ باختيارك لا تترك الجلوس مع الملك، لتجلسَ مع الخدمِ والحشم، وإلا ماذا يقول عنك الملك؟.. ألا يقول: أنتَ إنسان غير مؤدب، وقد يمنعك من الدخول عليه مرة أخرى!..

 

ما سبب الابتلاء بقسوة القلب؟.. حتى أن البعض من كبار المؤمنين، الصلاة الواجبة لا يستطيع أن يؤديها؛ ما ذلك إلا بسبب خطيئةٍ!.. فالقضية خطيرة جداً: إنسان بعد عشرين سنة، يُعطى هبة ربانية، وفي ليلة من ليالي الغفلة، يفقدُ هذهِ المزية إلى الأبد، ولو بقيَ على ما هو عليه، لمشى على الماء كما في الرواية المعروفة: (أن أصحاب النبي (ص) قدموا شكوى للنبي (ص) قائلين: إذا كنا عندك، فذكرتنا ورغبتنا؛ وجلنا ونسينا وزهدنا، حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار -ونحن عندك-.. فإذا خرجنا من عندك، ودخلنا في هذه البيوت وشممنا الأولاد، ورأينا العيال والأهل، نكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها، وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟!.. فقال لهم رسول الله (ص): "كلا!.. إن هذه خطرات من الشيطان، فيرغبكم في الدنيا.. والله لو تدومون على الحال التي وصفتم بها أنفسكم، لصافحتكم الملائكة، ولمشيتم على الماء").. نعم، تأتي الحالات وتذهب، كُل العمر يفنى في ذهابٍ وإياب، في إقبال وإدبار، إلى متى نعيش هذهِ الحالة؟!..

 

3- طريـق التقـوى:

 بعض الطلبة سأله عن علاج: الرياء، والعجب، والكبر، والسمعة، والشهوة، وغير ذلك؟.. فكان جوابه (رحمه الله): "كل هذه الرذائل ناشئة في ضعف معرفة الله، يرفعها ويدفعها الإستيناس بأنِيس الآنسين تعالى في العبادة.. ولو عرف إنه -تعالى- أحسن من كل حسن في جميع الأحوال والأزمنة، لما انصرف عن الإستيناس به سبحانه".. الإنسان جاهل تماماً بمقام الربوبية!.. في الدنيا حاول أن تصل إلى مقام الأنس برب العالمين.. هنيئاً لمن كانَ أنسهُ برب العالمين!.. هذا الشخص قد لا يعرف قدره في الدنيا، فهذا الفقيد الغالي عندما كانَ يذهب لزيارة الحرم، كانَ يذهب لوحدهِ، وصلاةُ جماعتهِ لم تكن بتلكَ الصلاة الجماهيرية.. ولكن هذهِ الدُنيا تفنى وتذهب، وقيمة الاستيناس هي بالله -عزَ وجل- {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.. حيث أن الإنسان يبقى آلاف السنين في القبر، وآلاف السنين في عرصات القيامة {كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}.. لذا المؤمن يحتاج إلى أنيس، والذي يأنس بالله -عزَ وجل- قد لا يكون لهُ هذهِ المواقف، فهناك قومٌ يدخلون الجنة، بلا حساب.. عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (ع) قال: (إذا جمع الله -عز وجل- الأولين والآخرين، قام مناد فنادى يسمع الناس، فيقول: أين المتحابون في الله)؟.. قال: (فيقوم عنق من الناس، فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنة بغير حساب).. قال: (فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟.. فيقولون: إلى الجنة بغير حساب).. قال: (فيقولون: فأي ضرب أنتم من الناس؟.. فيقولون: نحن المتحابون في الله).. قال: (فيقولون: وأي شيء كانت أعمالكم؟.. قالوا: كنا نحب في الله، ونبغض في الله).. قال: (فيقولون: نعم أجر العاملين)!.. أحباب الله -عز وجل- أجلّ من أن يوقفهم رب العالمين في هذهِ المواقف العصيبة!..

 

4- الزيارة:

(رحمه الله) كانت لهُ علاقة متميزة بالأئمة -عليهم السلام-: في مصائب سيد الشهداء (ع)، كانَ يأن كأنين الأم التي فقدت ولدها، هذا الأنين كانَ يوجبُ بُكاء الآخرين.. وأما في زيارتهِ للرضا -عليه السلام- كانت لهُ كلمة جميلة (رحمهُ الله) معنى كلامه: "ليس المهم أن تذهب إلى الحرم، المهم أن يأتيك الحرم".. البعض منا يذهب لمشاهد الأئمة (ع): يوم في كربلاء، ويوم في النجف، ويوم في مشهد، ويوم في العُمرة، وهو ليسَّ على الطريق: إنسان غير مراقب، غير خاشع؛ لأنَ الحرم لم يأته.. والمراد بالحرم؛ صاحب الحرم.. جسمهُ يذهب من مشهدٍ إلى مشهد، ولكن روحهُ في الدُنيا في مستنقعات الهوى.. يقول: حاول أن يأتيك الحرم، لا أنتَ تذهبُ للحرم.. نعم، الزيارة بينَ وقتٍ وآخر أمر جيد، ولكن الذي يُغير مجرى الحياة أن يأتيكَ الحرم.. ثُمَّ المُراقبة المتصلة في كُلِ صغيرةٍ وكبيرة.

 

الخلاصة:

1- أن موت العالم يحدث شقا وفراغا في الدين لا يسده أي عالم آخر؛ لأن العالم الذي يأتي بعده، وإن كان أعلم أو أفضل منه، ولكنَ هذا غَيرُ ذاك.

2- أن الشيخ "محمد تقي بهجت" جمعَ بينَ الفقاهةِ والعرفان، وكانت لهُ لمستهُ المُميزة، باعتراف الحوزتان العلميتان الكبيرتان في النجف وفي قم، فهو من أبرز الشخصيات الأخلاقية في عصرنا هذا.

3- أن مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء: فالشهيد بعملهِ يزيل الأعداء، ولكنَ العالم يُكثر الأصدقاء.. وفرقٌ بينَ إزالة المانع، وبينَ إيجاد المقتضي.

4- هناك ثلاثة شروط يضعها العلماء للمجتهد المرجع: العدالة أي ملكة ترك المعاصي والذنوب، والورع أي ترك الحلال المشتبه، والزهد في الدنيا.

5- أن هناكَ موقفٌ صعب لخصوص الفقهاء والمجتهدين يوم القيامة، فالفقيه وضَعَ رقبتهُ جِسراً للناس؛ فلابدَ أن يكون على مستوى هذهِ المسؤولية...

6- أن الشيخ "محمد تقي بهجت" عرف بمدرسته الأخلاقية المتزنة، فمنهجه جامع بين ظاهر الدين بتطبيق الأحكام الواردة في الرسالة العملية، وبين باطن الدين كما في كتب الدعاء، والتشديد على ترك المعاصي والذنوب.

7- أن للشيخ" بهجت" قدس الله نفسه العديد من الوصايا الأخلاقية الحكيمة عن السير الأنفسي والتقوى والزيارة ومن المناسب مراجعتها منها قوله "إن العاقل إنما يحب الأكمل والأجمل والأنفع والأدوم، ويرجح محبته على محبة غيره.. هذا بالإضافة إلى أن محبة الأكمل، تدفع الشرور والبليات؛ بخلاف محبة غيره.

 


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج