العقد المفصل ج1



مراعات النظير

ويُسمّى التناسب ، والتوافق ، والإيتلاف ، والمواخاة ; وهو جمع أمر وما يناسبه مع إلغاء التضاد وبهذا القيد تخرج المقابلة لأنّ المناسبة بملاحظة التضاد أن يكون كلّ منهما مقابلاً للآخر ، فهو في بيتنا هذا قصد المناسبة بذكر الصلواة والقنوت لما تقدّم ذكر القبلة . وقول البحتري :

كالقسيّ المعطفات بل الإسـ *** ـهم مبريّة بل الأوتار

ومعنى البيت أنّه يصف إبلاً أنحلها السرى بحيث صارت من الهزال كالقسيّ بل السهام بل الأوتار لأنّه لمّا ذكر القسيّ ناسب أن يذكر معها ما يناسبها من السهم والوتر وإلاّ فالألفاظ التي يشبه بها في النحول كثيرة مثل الهلال والخلال والعرجون وغير ذلك . قال مهيار الديلمي يصف إبلاً بشدّة النحول :

قسماً بالمنقبات الحنايا *** شقق الضالّ أو قسيّ النبع

كلّ جرداء لفّها السير بالسير *** فجائت في النسع مثل النسع

والمناسبة في بيت البحتري معنويّة ، وهي لفظيّة في قول مهيار الديلمي :

ومدير سيّان عيناه والإبر *** يق فتكاً وريقه والرحيق

فالمراد بالإبريق هنا السيف البرّاق ، وكان يصحّ أن يقال سيّان عيناه والصمصام أو الهندي فاختار الإبريق لمناسبته لفظاً للرحيق إذ الإبريق يطلق على إناء الخمر والرحيق هو الخمر ، وهذا ليس من مراعات المعنى في شيء وإنّما هو مراعاة مجرّد اللفظ . ومن أحسن ما ورد في مراعات النظير قول ابن خفاجة يصف فرساً :

وأشقر يضرم منه الوغى *** بشعلة من شعل البآس

من جلنار ناضر جلده *** وأُذنه من ورق الآس

يطلع للغرّة في وجهه *** حبابةً تضحك في الكاس

والمناسبة فيه بين الجلنار والآس والنضارة . وما أبدع قول بعضهم :

أنتم بنوا طه ونون والضحى *** وبنوا تبارك والكتاب المحكم

وبنوا الأباطح والمشاعر والصفا *** والركن والبيت العتيق وزمزم

اللاحق   السابق   فهرست الكتاب   كتب متفرقة