العقد المفصل ج2

وكان يقول : قاتله الله ما كفاه أن يجعله مقيّداً حتّى جعله مقيّداً في وحل .
وحكي أنّ بعض الشعراء قال لأبي بكر بن مجير : إنّي نظمت قصيدة وأعجزني روي بيت واحد فما أدري كيف أتمّمه ؟ قال له أبوبكر : أنشدنيه ، فأنشده : (قوله سليل الإمام وصنو الإمام وعمّ الإمام) فقال له من غير تفكّر ولا رويّة : قل : (ولا منتهى) فوضعه في قصيدته على ما تمّمه وكان أمكن قوافيه وأقواها .
ويشبه هذه القضيّة وإن لم يكن ممّا نحن فيه إذ ليس هو من الإيغال بشيء ما حكي أنّ زهير بن أبي سلمى قال بيتاً ونصف البيت الثاني ثمّ أكدى ، فمرّ به النابغة الذبياني فقال له : يا أبا أمامة أجز ، قال : ماذا ؟ قال :

تراك الأرض أمّا متَّ خفاً***وتحيى ما حييت بها ثقيلا

نزلت بمستقرّ العزّ منها ، ثمّ قال : فماذا ؟ قال : فأكدى والله النابغة . وأقبل كعب بن زهير وهو غلام فقال أبوه : أجز يا بني ، فقال : ماذا ؟ فأنشده البيت الأوّل ومن البيت الثاني قوله : نزلت بمستقرّ العزّ منها ، فقال كعب : فتمنع جانبيها أن يزولا ، فقال زهير : أنت والله ابني .
ويعجبني قول عمّنا المهدي في الهاشميين ، فلقد أوغل أحسن الإيغال وأبدع فيما قال :

وحين قامت على ساق جئت غضباً***لها بنوا مضر الحمراء على الرّكب

من تحتهم لو تزول الأرض لانتصبوا***على الهوى هضباً أرسى من الهضب

فقوله : أرسى من الهضب إيغال وأظنّه لم يُسْبَق إلى هذا المعنى وهو من معانيه الفريدة .



الفصل الثاني : في الرثاء

قلت في رثاء الورع التقي ، والنّاسك النقي شيخنا الشيخ محسن ابن الشيخ حسين الملقّب بمصبح الحلّي وقد رثيت أباه قبله بقصيدة حائيّة لم يحضرني منها سوى بيت أرّخت فيه عام وفاته وقد اشتمل على التورية فأحببت ذكره هنا ،وهو قولي :

ومذ راح للجنّات قلت مؤرّخاً***لا طيب ظلّيها حسين مصبح

اللاحق   السابق   فهرست الكتاب   كتب متفرقة