.

  النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

الإنسان والسنن الاجتماعية

القاعدة الأساسية لبناء المجتمعات

المثل الأعلى المنخفض

المثل الأعلى المحدود

المثل الأعلى المطلق

 

الإنسان والسنن الاجتماعية

يعتقد علماء الاجتماع الوضعي (بشقيه الرأسمالي والماركسي) أن السنن الاجتماعية لها صفة الإلزام على نحو الإطلاق على الإنسان بحيث يتحول الإنسان أمامها إلى مجرد آلة لا حول لها ولا قوة.

ومرد هذا التوهم هو عدم التمييز بين الأشكال الثلاث التي تقدم شرحها للسنن الاجتماعية، إضافة إلى عدم ادراك الصفة الثالثة من صفات السنن الاجتماعية، وهي الإنسانية.

وقد نتج من عدم التمييز هذا أن المشتغلين بعلم الاجتماع الوضعي تصوروا أن السنن الاجتماعية كلها من النوع الثاني، أي السنن الصارمة المتحققة الوجود، ولم يلتفتوا إلى الشكل الأول (السنن الشرطية) ولا إلى الشكل الثالث (الاتجاه الموضوعية). وهذا ما أوقعهم في تناقض مر: فإما أن يسلبوا من الإنسان حريته وإرادته واختياره إزاء السنن الاجتماعية، وإما أن ينفوا وجود هذه السنن فيرجعوا علم الاجتماع عندهم إلى نقطة الصفر. فاختاروا الخيار الأول، فاصبح الإنسان بلا دور فاعل في مجتمعه بسبب تصورهم الخاطئ للسنن الاجتماعية.

أما المذهب الاجتماعي القرآني فقد استطاع أن يحل هذا الإشكال ببساطة، حينما ميز بين أشكال السنن الاجتماعية، وبالتالي ميز بين الصيغ الممكنة للعلاقة بين إرادة الإنسان والسنن الاجتماعية.

فعلى صعيد السنن الصارمة، نجد أن إرادة الإنسان لا أثر لها هنا. فهو لا يستطيع أن يوقف تحققها أو يغير من اتجاهاتها، أو أن يتحداها. فهي (قدر مكتوب) على المجتمعات الإنسانية التي لا تملك خيار رفض أو قبول هذا النمط من السنن الاجتماعية. فالحرية هنا معدومة.

ولكن الأمر هنا يختلف على صعيد السنن الاجتماعية الشرطية. فإن هذه السنن مشروطة دائماً باختيار الإنسان وإرادته وفعله، حيث أن أجزاءها لا يتحقق ما لم يحقق الإنسان شرطها. فقد مر معنا ـ على سبيل المثال ـ أن التغيير البني العلوية للمجتمع لا يمكن أن يتم ما لم تتغير البنى التحتية له. وهذه البنى التحتية هي المحتوى الداخلي والفكري والنفسي للمجتمع. فإذا قام الناس بتغيير محتواهم الداخلي (وهذا اختيار إنساني ومحض وحر) أمكن تغيير البنى العلوية للمجتمع. ومن هنا يتضح أن السنن الاجتماعية الشرطية لم توضع على حساب الإنسان ولا تصادر إرادته وفعله، بل إن إبداع الإنسان واختياره يتجلى من خلال هذه السنن، إنها إحدى قنوات التأثير الإنساني في حركة التاريخ والمجتمع. إن السنن الاجتماعية الشرطية تؤكد اختيار الإنسان وتضع القرار بيده وتعرفه بنتائج عمله مسبقاً، لكي يكون اختياره قائماً على أساس معرفة العواقب والنتائج. وبذا يكون اختياره مسؤولاً، ومدركاً وواعياً وهذا هو المعنى الحقيقي لقولنا أن السنن الاجتماعية ذات طابع إنساني، إضافة إلى طابعها الموضوعي الرباني, حيث أن هذه السنن (في صيغتها الشرطية) تتعلق بالإنسان وبإرادته.

أما على صعيد السنن الاجتماعية التي تشكل إتجاهات عامة، فإن الإنسان يمتلك هامشاً أضيق للحركة والفعل والتأثير، ويتجلى هذا الهامش في إمكانية تحدي السنن ولكن لفترة محددة وهذا التحدي يعتبر نوعاً من المرونة أو الحرية بإزاء السنن الاجتماعية. ولكن هذا الهامش ليس في صالح الإنسان كما تقدم لأن تحدي الإتجاهات الموضوعية العامة كالسباحة عكس التيار: يستهلك طاقات الإنسان ولا يحقق له أي إنجاز.

وهكذا يتضح المفهوم القرآني لعلاقة الإنسان بالسنن الاجتماعية فالإنسان يتمتع بحرية إزاء هذه السنن، ولكنها ليست حرية مطلقة، وإنما حرية نسبية، وذلك بلحاظ شكل السنة الاجتماعية التي يتم قياس الحرية بها.

 

الفصل الخامس

القاعدة الأساسية لبناء المجتمعات

لا يقوم البناء الاجتماعي على فراغ، بل لا بد له من قاعدة تحتية يرتكز عليها, وهذه القاعدة الأساسية شيء جوهري وضروري لكل مجتمع يريد لكيانه التماسك والبقاء ويهدف الى الرفاه والسعادة والعزة, ذلك لأن القاعدة الأساسية هي المحرك الصميمي الذي يمد المجتمع بالحيوية والنشاط، وهي التي تحفظ للمجتمع وحدته وتماسكه، وتكون نقطة البداية لكل الأعمال فيه, وهي بعد كل هذا ـ العنصر الذي يحتل مركز الحارس للمجتمع عن الانحراف والتردي والخروج عن الأهداف والخطوط التي يرسمها ويعمل لاجلها[1].

فما هي القاعدة الأساسية للبناء الاجتماعي ؟

حاول علم الاجتماع الوضعي، وبخاصة علم الاجتماع الماركسي, المنبثق عن المادية التاريخية، الإجابة على هذا السؤال، بأن افترض أن الوضع الاقتصادي لكل مجتمع هو الذي يحدد أوضاعه الاجتماعية والسياسية والدينية والفكرية وما اليها من ظواهر الوجود الاجتماعي.

وهذا الوضع الاقتصادي يتألف من عنصرين هما: قوى الإنتاج ووسائل الإنتاج. وهذه هي القوة الكبرى التي تصنع تاريخ الناس وحياتهم وتطورهم[2] وبهذا الصدد نقرا النصوص التالية لأئمة الماركسية:

يقول كارل ماركس (ومجموع علاقات الإنتاج هذه تشكل البناء الاقتصادي للمجتمع،أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء علوي حقوقي وسياسي، وتطابقه كذلك أشكال معينة من الوعي الاجتماعي والسياسي والفكري بصورة عامة، فليس وعي الناس هو الذي يحدد معيشتهم، بل على العكس من ذلك،معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدد وعيهم).

ويقول أنجلز: (أن التطور السياسي والحقوقي والفلسفي والديني والأدبي والفني... إلخ يستند إلى التطور الاقتصادي).

ويقول ستالين: (فالناس... يتغير ويتطورون بتغير أدوات الإنتاج).

ويقول بليخانوف: (أن الوضع الاقتصادي لشعب ما هو الذي يحدد وضعه الاجتماعي، والوضع الاجتماعي لهذا الشعب يحدد بدوره وضعه السياسي والديني) ويقول: (أن علاقات الإنتاج تحدد جميع العلاقات الأخرى التي توحد بين الناس في حياتهم الاجتماعية، وأما علاقات الإنتاج فيحددها وضع القوى المنتجة).

ومن الطبيعي أن نقول أن المذهب الاجتماعي القرآني يرفض هذه النظرية لسبب جوهري وهو أنها تتجاهل الدور الفاعل للإنسان الذي نعتبره القوة الأساسية لحركة التاريخ والمجتمع، ضمن تركيبة وصيغة متكاملة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن حقائق الحياة المشاهدة والملموسة تكشف عن عوامل أخرى لا تقل أهمية عن عامل الاقتصاد, كان لها الأثر البالغ في بناء المجتمعات وأحداث التاريخ. إضافة إلى أن هناك كما هائلا من هذه الاحداث والظواهر حدثت دون أن يكون للعامل الاقتصادي فيها دور يذكر. ولقد تصدى المفكرون الإسلاميون لنقد هذه النظرية وإثبات عدم واقعيتها، مما لا نرى معه حاجة لإعادة ما قالوه، إنما نحيل القارئ إلى مراجعة المصادر المتعلقة بهذه المسألة[3].

إن المذهب الاجتماعي القرآني إذ يرفض هذا الربط المقلوب بين الوضع الاقتصادي للمجتمع وبين نظامه العلوي, فإنه يرى أن المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس في بناء الحياة الاجتماعية.

ويتضح هذا المفهوم بملاحظة الآيات القرآنية التالية:

 يقول الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)(الرعد:11).

ويقول: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإن الله سميع عليم)(الأنفال:54).

ويقول: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) (الأعراف:95).

ففي الآية الثالثة نلاحظ أن القران الكريم ربط بين (بركات السماء والأرض)، وهي تعبير عن ازدهار الوضع الاقتصادي للمجتمع، من جهة، وبين (إيمان القوم وتقواهم) من جهة ثانية، جاعلا من هذا الإيمان بمثابة البناء التحتي أو القاعدة الأساسية للمجتمع، في حين يعتبر الازدهار الاقتصادي نتيجة لتلك القاعدة وثمرة لها.

آما في الآية الثانية فنجد أن القرآن الكريم يربط بين تغيير النعمة الإلهية وهو تعبير عن تدهور الوضع الاقتصادي للمجتمع ـ من جهة، وبين تغيير القوم ما بأنفسهم من جهة ثانية، جاعلا ذلك التدهور الاقتصادي نتيجة لانحراف المحتوى الداخلي لأنفس القوم (أو المجتمع).

ونصل إلى الآية الأولى، لنجد النظرية القرآنية في أحكم تعبير لها حيث تنص على أن (تغيير ما بالقوم) وهو تعبير عن تغيير النظام الاجتماعي بكل فروعه العلوية هو نتيجة حتمية لتغيير (ما بأنفس القوم) وهو المحتوى الداخلي الفكري والنفسي للمجتمع.

وإذن، فإن المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس في البناء العلوي للمجتمع بكل ما يضم من علاقات وأنظمة وأفكار وتفاصيل. ويتمثل المحتوى الداخلي بالفكر والإدارة. حيث يقوم الفكر بإعطاء الإنسان تصوراته العامة عن الكون والحياة والإنسان والمجتمع والنظام الاجتماعي الصالح بنظره. في حين تمنح الإرادة الإنسان الطاقة الروحية التي تدفعه إلى إقامة البناء الاجتماعي على أساس تلك الفكرة والتصورات.

آن المجتمع ليس ظاهرة مادية فحسب، وإنما هو ظاهرة معنوية، لأنه الصيغة المنظورة لعقيدة ما توجه حياة طائفة من الناس وتطبعها بطابعها، فلعل من المدركات البديهية أن الإنسان كائن ذو عقيدة يسير عليها في حياته الدنيا، ولم يحدث في الماضي ولن يحدث في المستقبل أن يوجد مجتمع يمارس حياته بغير عقيدة تنظم هذه الحياة. فحيث لا عقيدة ولا نظام فلا مجتمع على الإطلاق.

وعقيدة الإنسان هي النافذة التي يطل منها على العالم, وهي التي تحدد له أسلوب تعامله مع المحيط المادي والاجتماعي اللذين يكتنفانه، وإذن، فالحركة لا بد أن تكون التعبير الحي المتجدد عن العقيدة الحافزة والمنظمة للنشاط الإنساني وعلى هذا, فإن تاريخ أي مجتمع إنساني هو في الحقيقة تاريخ حركته في نطاق العقيدة الموجهة له وهو في الوقت ذاته تاريخ العقيدة التي أملت على المجتمع صياغة حياته بهذا الأسلوب المعين وبمقدار تجاوب المجتمع مع عقيدته وتفاعله معها[4] .

ومعنى ذلك أن المذهب الاجتماعي القرآني يقلب كلمات كارل ماركس رأسا على عقب، حيث يصبح الآمر على النحو التالي: (أن وعي الناس هو الذي يحدد معيشتهم) . وهذا الوعي هو ما أطلقنا عليه اسم المحتوى الداخلي.

والآن نسأل: ما هو الأساس في بناء المحتوى الداخلي ؟ ما هو المحور الذي يستقطب المحتوى الداخلي للإنسانية ؟ كيف يتشكل وعي الإنسانية ؟

يجيب مذهب الاجتماع القرآني بالقول إن المحور هو: (المثل الأعلى للإنسان).

إن الأساس في بناء المحتوى الداخلي هو المثل الأعلى الذي يجسد نقطة البدء في بناء الجماعة البشرية، ولكل مجتمع مثل أعلى يحدد الغايات التفصيلية له، ويرتبط بوجهة نظر عامة إلى الكون والحياة والمجتمع، ويتحدد من قبل كل جماعة بشرية على أساس وجهة نظرها العامة تلك، ومن خلال الطاقة الروحية التي تتناسب مع ذلك المثل الأعلى ومع وجهة نظرها تتحقق إرادة الجماعة للسير نحو هذا المثل. فالمثل الأعلى يتجسد إذن، من خلال رؤية فكرية محددة، وطاقة روحية تدفع المجتمع باتجاه ذلك المثل الأعلى.

وتعتمد درجة تطور التنظيم الاجتماعي وشموليته وعدالته ودرجة استيعابه لحاجات الإنسان ومساحة استيعابه لملابسات الحياة الاجتماعية ومتطلبات المجتمع المعنى.. كل ذلك يعتمد على مقدار ما يستطيع المثل الأعلى تقديمه من تصورات وحلول ووسائل ومناهج لتنظيم الحياة الاجتماعية وبناء المجتمع.

ونلاحظ من استقرائنا للمجتمعات البشرية القائمة والسابقة أن هذه المجتمعات تختلف اختلافا كبيرا في اختيار مثلها الأعلى. فالمجتمع النازي جعل العنصر الآري هو مثله الأعلى ووضع كل أهدافه السياسية وخططه العسكرية وتنظيماته الاجتماعية على أساس خدمة هذا العنصر المثلى الأعلى وضمان رقيه وتطوره ومصالحه.

ونلاحظ في المجتمعات الرأسمالية بصورة عامة أنها تجعل (الفرد) وحريته الخاصة مثلا أعلى لها، بينما تجعل المجتمعات الشيوعية الطبقة العاملة مثلا أعلى لها.

وتعتبر الأمم المستعمرة تحقيق الاستقلال السياسي هدفها الأعلى، في حين تعتبر الأمم المجزاة تحقيق وحدتها هي هدفها ومثلها الأعلى. ونلاحظ أيضا أن الشعوب المطرودة من أوطانها تعتبر استعادة الوطن والعودة إليه هي المثل الأعلى.

وفي المجتمعات الفرعونية يكون الزعيم الفرد هو المثل الأعلى، كما قال فرعون لقومه، برواية القرآن: (أنا ربكم الأعلى) (النازعات:24).

بل إن بعض الناس في حالة النكوص الشديد ـ يتخذون من هوى أنفسهم مثلا أعلى،كما يشير القران الكريم بقوله: (أرأيت من اتخذ الهه هواه)؟(الفرقان 43). وهذه حالة يتصاعد فيها هوى النفس تصاعدا مصطنعا حتى يصبح هو المثل الأعلى والغاية القصوى لهذا الإنسان أو ذاك.

ونلاحظ أن القران الكريم يطلق على المثل الأعلى لفظ (الإله) باعتبار أن المثل الأعلى هو القائد الآمر الموجه المطاع. وهذا هو معنى كلمة (آله). فالمثل العليا على اختلاف أسمائها وأشكالها آله لأنها مطاعة ومعبودة.

وباستقراء المثل العليا نجد أنها على ثلاثة أنواع رئيسية، هي: المثل الأعلى المنخفض (أو التكراري) والمثل الأعلى المحدود, وأخيرا المثل الأعلى المطلق[5].

 

المثل الأعلى المنخفض

المثل الأعلى المنخفض هو ذلك المثل المنتزع من الواقع الراهن آو من الماضي المنقول إلى الحاضر، للمجتمع. وفي هذه الحالة يعتبر المجتمع (ماضيه) أو (حاضره) هو المثل الأعلى الذي يجب المحافظة عليه والتحرك نحوه وبموجبه. وهذا يعني أن المثل الأعلى المنخفض عبارة عن حالة تكرارية لما عليه المجتمع، بل هو عبارة عن تمجيد للواقع ونقله إلى المستقبل. وهذا هو حال المجتمعات (المحافظة) أو (الساكنة) بوجه عام.

وتتخذ المجتمعات مثلا أعلى منخفضا (أو تكراريا) لأحد سببين:

السبب الأول، الألفة والعادة والخمول والضياع. وهذا ما صرحت به العديد من الآيات القرآنية في معرض حديثها عن المجتمعات المحافظة التي تصدت لدعوات الأنبياء، مثل قوله تعالى: (قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون؟) (البقرة:170).

(قالوا: أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آبائنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن بمسبوقين)(يونس:78).

 (أتنهانا أن نعبد ما كان يعبد آبائنا، وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب)(هود:62).

(قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض، يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى، قالوا: إن انتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا، فأتونا بسلطان مبين) (إبراهيم:10).

(بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على آمة وإنا على آثارهم مهتدون)(الزخرف:22).

ففي كل هذه الآيات يستعرض القرآن الكريم السبب الأول لتبني المجتمع للمثل الأعلى المنخفض، فهؤلاء بحكم الألفة والعادة وجدوا سنة قائمة ووضعا سائدا فلم يسمحوا لأنفسهم بتجاوزه فجسدوه مثلا أعلى وعارضوا به دعوات الأنبياء.

أما السبب الثاني لتبني المثل الأعلى المنخفض فهو التسلط الفرعوني، إن الفراعنة على مر التاريخ حينما يحتلون مراكزهم في أعلى الهرم السياسي للمجتمع يجدون في أي تطلع نحو المستقبل وفي أي تجاوز للواقع الذي سيطروا عليه، زعزعة لوجودهم وهذا لمراكزهم. ومن هنا نجد أن من مصلحة فرعون أن يغمض عيون الناس على هذا الواقع، ويحوله إلى مثل أعلى مطلق لا يمكن تجاوزه، أنه يحاول أن يحبس المجتمع في إطار نظرته هو، لكي لا يمكن لهذا المجتمع أن يفتش عن مثل أعلى آخر ينقله من الحاضر إلى المستقبل، من واقعه المتجمد إلى طموح آخر أكبر منه.

وقد عرض القرآن الكريم هذا السبب في أكثر من آية:

(وقال فرعون: يا ايها الملأ ما علمت لكم من آله غيري) (القصص:38).

(قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)(غافر:29).

هنا نجد أن فرعون يريد أن يضع الناس الذين هم تحت سيطرته في إطار رؤيته هو، محولا هذه الرؤية إلى (مطلق) لا يمكن تجاوزه، جاعلا المجتمع يتبنى مثلا أعلى مستمدا من التسلط الفرعوني.

(ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين * فقالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) (المؤمنون/42 ـ 47).

فهذا التجميد للمجتمع ضمن إطار الواقع الفرعوني الذي يعيشه ينشا من حرص أولئك المتسلطين على ضمان وجودهم ومصالحهم التي يحققها لهم هذا الواقع.

ويسمي القرآن الكريم هذه القوى التي تحول الواقع المحدود إلى مطلق وتحصر المجتمع في واقعه باسم (الطاغوت).

(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا الى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب)(الزمر:17 ـ 18).

وثمة ملاحظة جديرة بالملاحظة، إن المثل الأعلى المنتزع من الواقع (التكراري والمنخفض) يحاول في كثير من الأحيان أن يتستر بستار الدين وغالبا ما تعمد الأنظمة الفرعونية الى إسباغ الطابع الديني على نفسها من اجل إعطاء مثلها الأعلى قدسية زائفة تضمن بقاءها واستمرارها وخضوع الناس لها، بل إن كل مثل أعلى من هذا النوع لا ينفك عن الثوب الديني، سواء برز بشكل صريح أم لا، ذلك لأن المثل الأعلى يحتل دائما مركز الإله، بحسب التعبير القرآني ودائما تستبطن علاقة المجتمع بمثله الأعلى نوعا من العبادة لهذا المثل.

وما الدين بشكله العام إلا علاقة عابد بمعبود، والمثل العليا في جوهرها عبارة عن أديان وعبادات، مهما حاولت أن ترفع من شعارات تمويهية لتتستر بها عن حقيقتها. إلا أن هذه الأديان التي تفرزها المثل العليا المنخفضة (أو التكرارية) أديان محدودة تبعاً لمحدودية هذه المثل، وبسبب محدودية هذه الأديان فهي لا تستطيع توحيد المجتمع، فهي إذن أديان تجزئة، في مقابل دين التوحيد): (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) (النجم:23).

 

المثل الأعلى المحدود

النوع الثاني من المثل التي قد تظهر في المجتمعات البشرية هو المثل الأعلى المحدود, وهذا النوع افضل نسبيا من المثل الأعلى المنخفض، كونه مشتقا من رؤية للمستقبل، وليس من الماضي، لكن هذه الرؤية ليست كاملة وشاملة ومستوعبة لكل المسار المستقبلي للإنسان، بحكم محدودية المقدرة الإنسانية على استشراف المستقبل بمعزل عن خالقها، ولهذا تكون رؤية المستقبل في ضوء المثل الأعلى المحدود رؤية نسبية محدودة، لا تغطي إلا مساحة صغيرة من المستقبل.

فمثلا نجد أن الأمة التي تعاني من التمزق السياسي تضع (الوحدة القومية) هدفا أعلى لها، ولكن هذا الهدف محدود, لأنه يغطي جزءا من مسيرة الإنسانية المتجهة نحو تحقيق وحدة أكبر من الوحدة القومية أو الوحدة الوطنية، وهي الوحدة الإنسانية العالمية الشاملة في إطار المجتمع المعصوم، والتي لا تكتفي بالوحدات القومية المنفصلة عن بعضها البعض.

كذلك نجد أن الفئات الاجتماعية المسحوقة اقتصاديا تجعل مطالبها المهنية المادية هدفا أعلى لها، ولكن هذا الهدف محدود، لأن الهدف العام للمسيرة الإنسانية هو تحقيق العدالة الاجتماعية التي تشمل بخيراتها ومنافعها كل الشرائح الاجتماعية لا في مجتمع إقليمي، أو قومي، فحسب، وإنما في مجتمع عالمي موحد. وهكذا نجد أن غاية ما توصلت إليه الماركسية مثلا، هو القول بدكتاتورية البروليتاريا، واعتبارها مثلا أعلى للمسيرة الماركسية.

وتنطوي المثل العليا المحدودة على تعميمين خاطئين في نفس الوقت، احدهما تعميم أفقي، والآخر تعميم زمني.

فأما التعميم الافقي فيحصل حين يعتبر المثل الأعلى المحدود تصوراته المحدودة عن الكون والحياة والإنسان تصورات مطلقة.

وأما التعميم الزمني فيحصل حين يعتبر المثل الأعلى المحدود نظرته المحدودة إلى المستقبل نظرة مطلقة، ويظن أنها تستوعب كل الإمداد الزمني لحركة التاريخ في المستقبل.

 وقد صور القران الكريم حال المجتمعات التي تتخذ مثلا عالياً محدودة أبلغ تصوير بقوله: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) (النور/ 39).

ويشبه القران المجتمعات التي تبني على أساس هذه المثل ببيت العنكبوت: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت إتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) (العنكبوت/41).

 

المثل الأعلى المطلق

إن الله سبحانه وتعالى هو المثل الأعلى المطلق الحق: (ولله المثل الأعلى) (النحل/90).

(ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل) (لقمان30).

وقد عرفنا أثناء الحديث أن الله هو الطرف الرابع في الصيغة الرباعية للعلاقات المعنوية الاجتماعية. 

وبهذا يختلف الله سبحانه وتعالى عن المثل المنخفضة والمحدودة في كونها طرفاً موضوعياً أصيلاً قائماً في البناء الاجتماعي، وليس طرفاً مفروضاًَ عليه بسبب التقاليد والأعراف أو بسبب التسلط الفرعوني، الفردي أو العائلي أو الحزبي أو الطبقي على أزمة المجتمع، وبالتالي، فإن اتخاذ مجتمع ما الله مثلا أعلى له يمثل قمة الاتساق بين الواقع الموضوعي التكويني للمجتمع وبين إرادة الاختيار له.

ويختلف الله سبحانه وتعالى عن المثل العليا الأخرى في كونه ليس منتزعاً انتزاعا تكرارياً من واقع اجتماعي قائم، أو إنتزاعاً محدوداً من نظرة مستقبلية نسبية. وبالتالي فإن الله سبحانه وتعالى بمعزل عن الملابسات الاجتماعية الراهنة أو المستقبلية التي تكتنف عادة المثل العليا المنخفضة أو المحدودة، وبهذا لا يكون للمثل الأعلى المطلق (مصلحة خاصة) في البناء الاجتماعي المطلوب إقامته. فالله ليس إمتداداً للتقاليد أو الماضي، وهو ليس ممثلا لمصالح فرد أو فئة أو عائلة، أو طبقة أو حزب، وكل هذا يعني أن الله المثل الأعلى المطلق هو أكبر ضمانة للبناء العادل للمجتمع الإنساني، وبالتالي فإن أفراد هذا المجتمع سيكونون متساوين في الحقوق والواجبات أمام المثل الأعلى المطلق وما يصدر عنه من شريعة، ولا يختلفون أو يتميزون إلا بالقدر الذي يحققه كل فرد من قرب واقتراب من الله بالإيمان، والتقوى، والعمل الصالح.

والمثل الأعلى يغطي بعلمه وقدرته واحاطته كل مساحة الوجود الإنساني أفقياً وزمنياً تغطيه مطلقة.

فمن ناحية التغطية الأفقية للوجود الإنساني فإن الله، وحده، هو المحيط إحاطة تفصيلية مستوعبة لكل حاجات ومتطلبات الإنسان، وإمكانياته وطاقاته، وعوامل ضعفه وعوامل صعوده، وما يصلح شأنه في الدنيا وفي الآخرة ولذلك فهو وحده القادر على تقديم النظام الاجتماعي الكامل والعادل والصالح للإنسانية في كل زمان ومكان.

(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)(المائدة:3).

وهذا هو السر في شمولية الشريعة الإسلامية في جانبها الثابت والمتغير[6]


[1] رسالتنا، جماعة العلماء، ص126

[2] اقتصادنا ص 21

[3] أقرا أيضا: اقتصادنا، واليوم الموعود.

[4] رسالتنا, ص 103،104

[5] التفسير الموضوعي/المحاضرات 11,10,9

[6] إقرأ كراس: صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي.

 

 

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست