UName

 

 

التقوى في القرآن

 

دراسة في الآثار الاجتماعية والوجودية

 

السيد كمال الحيدري

 

دار الصادقين

لجنة إعداد المحاضرات

 

 

...............................................................................................................................................................................................


بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ   آل عمران : 102

إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  الاعراف : 201

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ    الحجرات : 13

إلى علي أمير المؤمنين «عليه أفضل صلوات المصلّين»

...............................................................................................................................................................................................

 

تمهيد

 

من الحقائق التي عرض لها القرآن الكريم أنّ الانسان لم يُخلق سدىً لا هدف له ولا غاية، قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)([1])، وإنّما هناك غاية وهدف خُلق الانسان من أجله، هو لقاء الله والرجوع إليه، قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([2])، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولـئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([3])، وقال أيضاً: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)([4]).

 

نشأة الابتلاء

تأسيساً على ذلك، كيف يمكن للانسان أن يحقّق هذا الهدف، وما هو الطريق الموصِل إلى لقاء الله سبحانه وتعالى؟

الجواب: أنّ الانسان خُلق في نشأة الابتلاء والامتحان، لم يستثنِ الله أحداً من ذلك، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)([5]) وقال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاَْرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)([6])، وقال أيضاً: (إِنَّا خَلَقْنَا الاِْنسَانَ مِنْ نُطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)([7]).

فكلّ شيء في هذه النشأة لاجل امتحان الانسان. من هنا وضعه الله على مفترق الطريق ليختار لنفسه الاتجاه الذي يريد، قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)([8])، وقال: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)([9]). فإذا استطاع الانسان أن يقف على الطريق الذي يوصله إلى الهدف الذي خلق من أجله فهو المهتدي، وإلاّ كان من الضالّين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)([10]). قال الراغب في المفردات: «الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، ويضادّه الهداية، قال تعالى: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) ويقال الضلال لكلّ عدول عن المنهج عمداً كان أو سهواً، يسيراً كان أو كثيراً»([11]).

إذن «فالضلال والاهتداء ـ وهما معنيان متقابلان ـ إنّما يتحقّقان في سلوك الطريق لا غير، فالملازم لمتن الطريق ينتهي إلى ما ينتهي إليه الطريق، وهو الغاية المطلوبة التي يقصدها الانسان السالك في سلوكه. أمّا إذا استهان بذلك وخرج عن مستوى الطريق، فهو الضلال الذي تفوت به الغاية المقصودة. فالآية تقدّر للانسان طريقاً يسلكه ومقصداً يقصده، غير أنّه ربّما لزم الطريق فاهتدى إليه، أو فسق عنه فضلّ»([12]).

انطلاقاً من هذه الحقيقة يدعو الانسان ربّه مرّات عديدة في صلواته اليومية (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)([13])لانّ أفضل الطرق وأحسنها وأقصرها للوصول إلى الهدف هو الصراط المستقيم، وإذا لم يوفّق الانسان لسلوك هذا الطريق فهو ضالّ لا محالة، ولا تزيده سرعة المشي في غير الصراط المستقيم إلاّ بُعداً عن الهدف. إلى هذا أشار الامام الصادق (عليه السلام) بقوله: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة المشي إلاّ بُعداً»([14]).

وإذا اهتدى الانسان هنا إلى الصراط المستقيم، فإنّه سيهتدي في الآخرة إلى جنّات النعيم، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)([15]). وإذا ضلّ عن الصراط في هذه النشأة، فإنّه سيضلّ عن الطريق الموصل إلى رحمة الله ورضوانه في تلك النشأة. قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ)([16]).

 

الصراط المستقيم

إذا كان الامر كذلك، إذن ما هو الطريق المستقيم الذي ينبغي أن يسلكه السائر للوصول إلى قرب الله ولقائه؟

أشار القرآن الكريم إلى أنّ الانبياء جميعاً، وعلى رأسهم خاتم الانبياء والمرسلين (صلوات الله عليهم أجمعين)، هم من الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: (كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)([17]).

ثمّ أمرنا باتّباع الانبياء، واتخاذهم قدوة. قال تعالى: (أُولـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ)([18]). بل نجد أنّه أكّد على اتّباع الرسول الخاتم (صلّى الله عليه وآله) بالخصوص واتخاذه أسوة وقدوة، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيم )([19]). وقال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الاْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً)([20]).

على هذا يكون الصراط المستقيم الموصِل إلى الله تعالى، هو اتباع النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله). ولا يتحقّق هذا الاتباع إلاّ بالاخذ بكلّ ما جاءنا عنه (صلّى الله عليه وآله)، قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)([21])، وذلك لما جاء عن أبي حمزة الثمالي عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: خطب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع فقال: «أيّها الناس والله ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار، إلاّ وقد أمرتكم به. وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة، إلاّ وقد نهيتكم عنه»([22]).

ولما كان النبي (صلّى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى، كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى)([23]). إذن لابدّ من اتباعه والاقتداء به (صلّى الله عليه وآله) للوصول إلى مرضاة الله تعالى.

ثمّ إنّ الرسول الاعظم(صلّى الله عليه وآله) حدّد كيفية اتباعه من أجل السير على الصراط المستقيم والنجاة من الضلالة بقوله: «إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»([24]).

حيث بيّن (صلّى الله عليه وآله) أنّ المنجي من الضلالة هو التمسّك بالقرآن والعترة الطاهرة (عليهم السلام)، لذا نقرأ في الدعاء: «اللّهم عرّفني نفسك فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك، اللّهم عرّفني رسولك فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللّهم عرّفني حجّتك فإنك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني»([25]).

ممّا تقدّم يتبيّن أنّ الذي ينجي الانسان من الضلالة ويهديه الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة هو معرفة الله ورسوله والحجّة في كلّ زمان.

 

حبل الصعود

ثمّ إنّ القرآن بيّن لنا حقيقة أخرى فيما يرتبط بالانسان حيث قال الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ )([26])، فالانسان وهو في نشأة الدنيا يعيش في أسفل السافلين. فعليه بعد أن تبيّن له الهدف والطريق أن يصعد من الاسفل إلى الاعلى، قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)([27]). هذا الصعود ليس مكانياً بل هو معنوي، ذلك أنّ الارتفاع والصعود إلى الاعلى، تارةً يكون مكانياً كما لو صعد الانسان على مرتفع من الارض مثلاً، وأُخرى يكون معنوياً كما في قوله تعالى في حقّ إدريس عليه السلام (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً)([28]) إذ ليس المراد هو الارتفاع المكاني، بل ارتفاع مكانته عند الله تعالى.

من هنا نجد أنّ القرآن الكريم والروايات الواردة عن النبيّ الاكرم (صلّى الله عليه وآله) ذكرت أنّ هذا الصعود إليه تعالى يحتاج إلى حبل; قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا). وللوقوف على هذا الحبل الذي أمرنا القرآن بالاعتصام به، نرجع مرّة أُخرى إلى حديث الثقلين المتقدِّم، لنقف على حقيقة هذا الحبل، وما هو المقصود به؟

قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في خطبته المشهورة التي خطبها في مسجد الخيف في حجّة الوداع: «إنّي مخلّف فيكم الثقلين، الثقل الاكبر القرآن، والثقل الاصغر عترتي وأهل بيتي، هما حبل الله ممدود بينكم وبين الله عزّوجلّ، ما إن تمسكتم به لم تضلّوا»([29]).

فقد عبّر الرسول الاعظم (صلّى الله عليه وآله) عن القرآن والعترة، بأنّهما حبل واحد لا حبلان، وهذا معناه أنّ التمسّك بالعترة ليس شيئاً وراء التمسّك بالقرآن الكريم، بل هما حقيقة واحدة، لكن الفرق بينهما أنّ العترة هم القرآن الناطق، وأنّ القرآن هو العترة الصامتة، لذا ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) في ظل قوله تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)([30]): «إنّه يهدي إلى الامام»([31]).

ومنه يتّضح معنى ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) : «ذلك الكتاب الصامت، وأنا الكتاب الناطق»([32])، فلا يعني بذلك أنّه هو الناطق باسم القرآن، بل عنى أنّه هو القرآن المتجسِّد ، ولذا ورد عن الفريقين عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، يدور معه حيثما دار»([33]) أي يدور الحقّ حثيما دار علي، لانّه هو القرآن الناطق، أي هو التجسيد الحيّ لكتاب الله في واقع الناس وحياتهم.

على هذا الاساس نستطيع أن نفهم ما ورد في «تفسير العيّاشي» عن الامام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السلام»، وكذلك ما ورد في كتاب « المعاني » عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: «هي الطريق إلى معرفة الله، وهما صراطان، صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأمّا الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه، مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا، زلّت قدمه في الآخرة، فتردّى في نار جهنّم»([34]).

وبهذا يتبيّن لماذا يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ما بال أقوام إذا ذكر آل إبراهيم وآل عمران، فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمّد، اشمأزت قلوبهم، والذي نفس محمّد بيده، لو أنّ عبداً جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيّاً، ما قبل ذلك منه، حتى يلقى الله بولايتي وولاية أهل بيتي»([35]).

لذا قال الامام الباقر (عليه السلام) : «إنّما يعبد الله من يعرف الله، فأمّا من لا يعرف الله، فإنّما يعبده هكذا ضلالاً. قال السائل: قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال (عليه السلام): تصديق الله عزّوجلّ، وتصديق رسوله (صلّى الله عليه وآله) وموالاة علي (عليه السلام) والائتمام به وبأئمّة الهدى (عليهم السلام) والبراءة إلى الله عزّوجلّ من عدوّهم، هكذا يعرف الله عزّوجلّ»([36]).

وقال الامام الصادق (عليه السلام) : «جاء ابن الكوّاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، (وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ) فقال: نحن على الاعراف، نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الاعراف الذين لا يعرف الله عزّوجلّ إلاّ بسبيل معرفتنا، ونحن الاعراف يعرّفنا الله عزّوجلّ يوم القيامة على الصراط، فلا يدخل الجنّة إلاّ من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرنا وأنكرناه. إنّ الله تبارك وتعالى لو شاء لعرّف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله، والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا، فإنّهم عن الصراط لناكبون، فلا سواء من اعتصم الناس به، ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض، وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية، تجري بأمر بها، لا نفاد لها ولا انقطاع»([37]).

لذا ورد في ظل هذه الآية المباركة: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الاَْمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)([38])، ما عن عمرو بن حريث، قال: سألت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) عن قول الله (كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ). قال: فقال: رسول الله (صلّى الله عليه وآله)أصلها، وأمير المؤمنين فرعها، والائمّة من ذريّتهما أغصانها، وعلم الائمّة ثمرتها، وشيعتهم المؤمنون ورقها»([39]).

 

دور التقوى وموقعها

بعد أن تبيّن أنّ الانسان مسافر إلى الله تعالى، وكادح كدحاً للوصول إليه والقرب منه واللقاء به، وأنّ ذلك لا يتحقّق إلاّ من خلال اتباع القرآن والعترة الطاهرة اللذين هما حبل الصعود إليه سبحانه، أشار القرآن إلى زاد هذا السفر الالهي حيث قال: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الاَْلْبَابِ)([40]).

قال الفخر الرازي في ظل هذه الآية: «إنّ المراد: وتزوّدوا من التقوى، والدليل عليه قوله بعد ذلك (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). وتحقيق الكلام فيه أنّ الانسان له سفران:

سفر في الدنيا.

وسفر من الدنيا.

فالسفر في الدنيا لابدّ له من زاد، وهو الطعام والشراب والمركب والمال. والسفر من الدنيا لابدّ فيه أيضاً من زاد، وهو معرفة الله ومحبّته والاعراض عمّا سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الاوّل لوجوه:

الاوّل: أنّ زاد الدنيا يخلّصك من عذاب موهوم، وزاد الآخرة من عذاب متيقّن.

الثاني: أنّ زاد الدنيا يخلّصك من عذاب منقطع، وزاد الآخرة من عذاب دائم.

الثالث: أنّ زاد الدنيا يوصلك إلى لذّة ممزوجة بالآلام والاسقام والبليات، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرّة، آمنة من الانقطاع والزوال.

الرابع: أنّ زاد الدنيا وهي كلّ ساعة في الادبار والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهي كلّ ساعة في الاقبال والقرب والوصول.

الخامس: أنّ زاد الدنيا يوصلك إلى منصّة الشهوة والنفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنّ خير الزاد التقوى.

إذا عرفت هذا، فلنرجع إلى تفسير الآية: فكأنّه تعالى قال: لمّا ثبت أنّ خير الزاد التقوى، فاشتغلوا بتقواي يا أُولي الالباب، يعني إن كنتم من أرباب الالباب الذين يعلمون حقائق الامور، وجب عليكم بحكم عقلكم ولبّكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد، لما فيه من كثرة المنافع. وقال الاعشى في تقرير هذا المعنى:

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى     ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا

ندمت على أن لا تكون كمثله     وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا»([41])

وقد أشار القرآن الكريم إلى أنّ خير مطيّة يمتطيها الانسان، لكي يصل إلى هدفه، هو قيام الليل. فقال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)([42]). وقال تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً)([43]).

قال الطباطبائي في ظل هذه الآيات: «المراد بقيام الليل، القيام فيه إلى الصلاة. وقوله: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) المراد بالقول الثقيل القرآن العظيم، والآية في مقام التعليل للحكم المدلول عليه بقوله: «قم الليل» فتفيد بمقتضى السياق، والخطاب خاصّ بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّ أمره بقيام الليل والتوجّه فيه إليه تعالى بصلاة الليل، تهيئة وإعداد لكرامة القرب وشرف الحضور وإلقاء قول ثقيل، فقيام الليل هي السبيل المؤدّية إلى هذا الموقف الكريم»([44]).

لكن عندما أراد أن يوسّع الخطاب ليشمل غير النبيّ من المؤمنين، بعدما كان صدر السورة مختصّاً به (صلّى الله عليه وآله) قال: (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)([45]). حيث إنّه من الممكن أن تكون هذه إشارة إلى ما تقدّم في أوّل السورة من الآيات الحاثّة إلى قيام الليل والتهجّد فيه، لذا ورد عن الامام العسكري (عليه السلام): «إنّ الوصول إلى الله عزّوجلّ سفر لا يدرك إلاّ بامتطاء الليل»([46]).

فتحصّل إلى هنا أنّ أفضل مركوب يمتطيه الانسان للسير إلى الله تعالى واللقاء به هو قيام الليل، وأنّ أفضل الزاد هو التقوى، وأنّ أفضل طريق هو الصراط المستقيم. وبهذا يتّضح دور التقوى في حياة الانسان، وأين موضعها في منظومة المعارف الدينية، إذ كثيراً ما يقع الحثّ على التقوى من دون أن يتّضح للسالك إلى الله تعالى موقع ذلك وموضعه.

 

ختامه مسك

في ختام هذه المقدّمة أودّ الاشارة إلى بعض كلمات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، بالاخص إمام المتّقين عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «أوصيكم عباد الله بتقوى الله، التي هي الزاد وبها المعاذ، زاد مُبلغ ومعاذ منجح، دعا إليها أسمع داع، ووعاها خير واع، فأسمع واعيها، وفاز داعيها.

عباد الله إنّ تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزَمَتْ قلوبهم مخافته، حتى أسهرتْ لياليهم، وأظمأت هواجرهم، فأخذوا الراحة بالنَصَب، والرَيّ بالظمأ، واستقربوا الاجل، فبادروا العمل وكذّبوا الامل، فلاحظوا الاجل»([47]).

«اعلموا عباد الله أنّ التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حمّة الخطايا، وباليقين تُدرك الغاية القصوى.

عباد الله، الله الله في أعزّ الانفس عليكم، وأحبّها إليكم، فإنّ الله قد أوضحَ لكم سبيل الحقّ وأنار طرقه، فشقوة لازمة، أو سعادة دائمة، فتزوّدوا في أيّام الفناء لايّام البقاء، قد دُللتم على الزاد، وأمرتم بالظعن، وحُثثتم على المسير، فإنّما أنتم كركب وقوف، لا يدرون متى يؤمرون بالسير، ألا فما يصنع بالدنيا مَنْ خُلق للآخرة، وما يصنع بالمال مَنْ عمّا قليل يُسلبُه، وتبقى عليه تبعته وحسابه»([48]).

«وأوصاكم بالتقوى، وجعلها منتهى رضاه، وحاجته من خلقه، فاتّقوا الله الذي أنتم بعينه، ونواصيكم بيده، وتقلّبكم في قبضته، إن أسررتم عَلِمَه، وإن أعلنتم كتَبَه، قد وكّل بذلك حَفَظة كراماً لا يسقطون حقّاً، ولا يثبتون باطلاً.

واعلموا أنّه من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظلم، ويخلّده فيما اشتهت نفسه وينزله منزل الكرامة عنده، في دار اصطنعها لنفسه، ظلّها عرشه، ونورها بهجته، وزوّارها ملائكته، ورفقاؤها رسله، فبادروا المعاد وسابقوا الآجال. فإنّ الناس يوشك أن ينقطع بهم الامل، ويرهقهم الاجل، ويُسدّ عنهم باب التوبة.

فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم، وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم. وقد أوذنتم منها بالارتحال، وأمرتم فيها بالزاد.

واعلموا أن ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار، فارحموا نفوسكم، فإنّكم جرّبتموها في مصائب الدنيا. أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تُدميه، والرمضاء تحرقه؟ فكيف إذا كانبين طابقين من نار، ضجيع حجر وقرين شيطان؟

أعلمتم أنّ مالكاً إذا غضب على النّار، حطّم بعضها بعضاً لغضبه، وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعاً من زجرته»([49]).

«معاشر الناس، اتّقوا الله، فكم من مؤمل ما لا يبلغه، وبان ما لا يسكنه، وجامع ما سوف يتركه، ولعلّه من باطل جمعه، ومن حقٍّ منعه، أصابه حراماً، واحتمل به آثاماً، فباء بوزره، وقدِم على ربّه آسفاً لاهفاً، قد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين»([50]).

«تجهّزوا رحمكم الله! فقد نودي فيكم بالرحيل، وأقِلّوا العُرجة على الدنيا، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد، فإنّ أمامكم عقبةً كؤوداً، ومنازل مخوفة مهولة، لابدّ من الورود عليها، والوقوف عندها، واعلموا أنّ ملاحظ المنيّة نحوكم دانية، وكأنّكم بمخالبها وقد نشبت فيكم، وقد دهمتكم فيها مفظعات الامور، ومعضلات المحذور، فقطِّعوا علائق الدنيا، واستظهِروا بزاد التقوى»([51]).

عن مفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) فذكرنا الاعمال، فقلت أنا: ما أضعف عملي، فقال: مه، استغفر الله، ثمّ قال لي: إنّ قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى. قلت: كيف يكون كثير بلا تقوى؟ قال: نعم مثل الرجل يطعم طعامه ويرفق جيرانه ويوطئ رحله ]  كناية عن كثرة الضيافة وقضاء حوائج المؤمنين، بكثرة الواردين إلى منزله  [فإذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه، فهذا العمل بلا تقوى. ويكون الآخر ليس عنده، فإذا ارتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه»([52]).

ومن قصار الكلمات في هذا الباب; قال أمير المؤمنين (عليه السلام) :

«التقى رئيس الاخلاق»([53]).

«ألا وإنّ من صحّة البدن تقوى القلب»([54]).

«ولا عزّ أعزّ من التقوى، ولا معقل أحسن من الورع»([55]).

«لا يقلّ عمل مع تقوى، وكيف يقلّ ما يتقبّل»([56]).

وعن الامام الصادق (عليه السلام) : «ما نقل الله عزّوجلّ عبداً من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى، إلاّ أغناه من غير مال، وأعزّه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر»([57]).

كمال الحيدري

13 رجب 1421 هـ


 

...............................................................................................................................................................................................

 

 

أهمّية التقوى في القرآن الكريم

 

قبل الدخول في الآيات القرآنية التي ركّزت على أهمّية التقوى، لا بأس بالاشارة إلى المراد من التقوى لغة.

 

التقوى لغة

قال الراغب الاصفهاني في المفردات: «وَقى: الوقاية: حفظ الشيء ممّا يؤذيه ويضرّه. يقال: وقيتُ الشيء أقيه وِقاية ووِقاءً. قال: (فوقاهم الله، ووقاهم عذاب السعير، وما لهم من الله واق، ما لك من الله من وليّ ولا واق، قوا أنفسكم وأهليكم ناراً).

والتقوى: جعل النفس في وقاية ممّا يُخاف، هذا تحقيقه. وصار التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عمّا يؤثِم، وذلك بترك المحظور، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات، لما روي: الحلال بيّن والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه»([58]).

وقال السيّد حيدر الآملي في تفسيره (المحيط الاعظم): «اعلم أنّ للتقوى مراتب ومدارج، وفيها أقوال بحسب الظاهر والباطن.

أمّا قول أهل الظاهر فالتقوى عندهم: عبارة عن الاجتناب عن محارم الله تعالى، والقيام بما أوجبه عليهم من التكاليف الشرعية، والمتّقي هو الذي يتّقي بصالح عمله عذاب الله، وهو مأخوذ من اتّقاء المكروه بما يجعله حاجزاً بينه وبينه، كما يقال: اتّقى السهم بالترس، أي جعله حاجزاً بينه وبين السهم.

وأمّا قول أهل الباطن، فالتقوى عندهم: عبارة عن الاجتناب المذكور مع ما أحلّ الله تعالى عليهم من طيّبات الدنيا ولذّاتها، على حسب طبقاتها ومراتبها إلاّ بقدر الضرورة فضلاً عن الاجتناب عن محارمه»([59]).

إلاّ أنّ البحث القرآني، يثبت لنا أنّ المؤمن إذا اتّقى الله في كبائر الذنوب، فإنّ الله تعالى يغفر له الصغائر، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)([60])، وقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلاََدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ)([61]).

«والمراد بالتقوى بعد الايمان، التورّع عن محارم الله واتّقاء الذنوب التي تحتم السخط الالهي وعذاب النار، وهي الشرك بالله وسائر الكبائر الموبقة التي أوعد الله عليها النار، فيكون المراد بالسيئات التي وعد الله سبحانه تكفيرها الصغائر من الذنوب، وينطبق على قوله سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً)([62])، فيظهر من الآيتين أنّ المراد بالمحارم في قوله (عليه السلام) في تعريف التقوى: (إنّها الورع عن محارم الله) المعاصي الكبيرة»([63]).

بعد أن اتّضح المراد من التقوى لغةً واصطلاحاً، نحاول الوقوف على بعض الحقائق القرآنية التي بيّنت أهمّية هذا الامر، وقبل الدخول في ذلك لابدّ من الاشارة إلى مقدّمة.

 

دور التوحيد

من الامور الواضحة، أنّ المجتمعات الانسانية لا يمكن لها تحصيل السعادة، إلاّ من خلال القانون، ولا يمكن للقانون أن يسود إلاّ إذا كان متكئاً على إيمان بالله الواحد الاحد، ولا يمكن لهذا الايمان أن يترسّخ إلاّ من خلال الاخلاق الكريمة. فالتوحيد هو الاصل الذي تنمو عليه شجرة السعادة الانسانية، وتتفرّع منها الاخلاق الكريمة، وهذه الفروع هي التي تثمر ثمراتها الطيّبة في المجتمع الاسلامي. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الاَْمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الاَْرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار)([64]) حيث جعلت الايمان بالله تعالى كشجرة لها أصل ثابت وهو التوحيد بلا ريب، وأكل تؤتيه كلّ حين بإذن ربّها وهو العمل الصالح، وفرع وهو الخلق الكريم كالعفّة والشجاعة والعدالة والرحمة ونظائرها.

بيان هذه الحقيقة «أنّ الانسان لا يتمّ كماله الذي من أجله خُلق، ولا يسعد في حياته إلاّ بالاجتماع مع أفراد آخرين يتعاونون على أعمال الحياة، على ما فيها من الكثرة والتنوّع، وليس يقوى الانسان بمفرده على الاتيان بها جميعاً.

وهذا هو الذي أحوج الانسان الاجتماعي إلى أن يضع السنن والقوانين، لكي يحفظ بها حقوق الافراد من الضياع والفساد. ومن المسلّم أنّ هذه السنن والقوانين لا يمكن أن تؤثِّر إلاّ بواسطة مجموعة من القوانين الجزائية التي تترتّب على المتخلّفين والمتعدّين على حقوق الآخرين، وتخوّفهم بالسيئة قِبال السيّئة، وبأُخرى تشوّقهم وترغّبهم في عمل الخيرات. ولا يمكن أن يتحقّق ذلك إلاّ من خلال قوّة حاكمة تحكم في المجتمع بالعدل والصدق.

وإنّما تتحقّق هذه الاُمنية إذا كانت القوّة المنفّذة للقانون:

أوّلاً: عالمة بالجرم.

ثانياً: قادرة على معاقبة المجرم.

أمّا إذا جهلت ووقع الاجرام على جهل منها أو غفلة ـ وكم له من وجود ـ فلا مانع من تحقّق الجرم، والقوانين بنفسها لا أيدي لها تبطش بها. وكذا إذا ضعفت الحكومة بفقد القوّة اللازمة، أو تساهلت في الامر، فظهر عليها المجرم، أو كان أشدّ قوّة، عند ذلك تضيع القوانين وتفشو التخلّفات والتعدّيات على حقوق الناس.

وتشتدّ البلوى إذا تمركزت هذه القوّة في أيدي الجهاز الحاكم ومن يتولّى أزمّة جميع الامور، عند ذلك تستضعف الناس وتسلب منهم القدرة على ردّها إلى العدل وتقويمها بالحقّ. والتاريخ مملوء من قصص الجبابرة والطواغيت وتحكّماتهم الجائرة على الناس. وهو ذا نصب أعيننا في أكثر أقطار الارض.

إذن فالقوانين والسنن وإن كانت عادلة في حدود مفاهيمها، وأحكام الجزاء وإن كانت بالغة في شدّتها، فإنّها لا تجري على رسلها في المجتمع، ولا تسدّ طريق التخلّف عنها. من هنا يأتي دور الاخلاق الفاضلة الانسانية لتقطع دابر الظلم والفساد، كملكة اتباع الحق واحترام الانسانية والعدالة والكرامة والحياة ونشر الرحمة ونظائرها. وهذا معناه أنّ السنن والقوانين الاجتماعية لا تأمن التخلّف والضياع إلاّ إذا تأسّست وقامت على أخلاق كريمة إنسانية، واستظهرت بها.

لكن الاخلاق بمفردها لا تفي بإسعاد المجتمع، ولا تسوق الانسان إلى صلاح العمل، إلاّ إذا اعتمدت على التوحيد، وهو الايمان بأنّ للعالم ومنه الانسان إلهاً واحداً سرمدياً، لا يعزب عن علمه شيء، ولا يُغلب في قدرته عن أحد، خَلَقَ الاشياء على أكمل نظام لا لحاجة منه إليها، وسيعيدهم إليه فيحاسبهم، فيجزي المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، ثمّ يخلدون منعَّمين أو معذَّبين.

ومن المعلوم أنّ الاخلاق إذا اعتمدت على هذه العقيدة، لم يبق للانسان همّ إلاّ مراقبة رضاه تعالى في أعماله، وكانت التقوى رادعاً داخلياً عن ارتكاب الجرم، ولولا ارتضاع الاخلاق من ثدي هذه العقيدة، عقيدة التوحيد لم يبق للانسان غاية في أعماله الحيوية إلاّ التمتّع بمتاع الدنيا الفانية والتلذّذ بلذائذ الحياة المادّية»([65]).

 

التقوى غاية العبادة

إنّ الله سبحانه خلق الانسان لاجل عبادته ، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)([66])، لذا أكّد القرآن  أنّ من أهمّ أهداف بعثة الانبياء والمرسلين، الدعوة إلى عبادة الواحد الاحد قال تعالى (لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)([67])، وقال: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)([68]).

من الواضح أنّ هذه العبادة ليست هي إلاّ لاستكمال الانسان بها، وإلاّ فإنّه سبحانه لا نقص فيه ولا حاجة، حتى يستكمل بعبادة أحد وترتفع بها حاجته. وببيان آخر: إنّ العبادة كمال للفعل الذي هو الانسان، لا كمال للفاعل الذي هو الحقّ سبحانه. قال تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الاَْرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ)([69]).

لكن من جهة أُخرى نجد أنّ القرآن لا يجعل العبادة هي الغاية النهائية لخلق الانسان، بل يجعلها غاية متوسّطة، ويرتّب عليها غايات أُخرى، من قبيل ما ورد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)([70])، حيث جُعلت التقوى هي الغاية والهدف من العبادة التي خُلق الانسان لاجلها، وهذا معناه أنّ التقوى هي الكمال المطلوب للانسان، والعبادة هي التي تهيّئ الارضية للوصول إلى هذا الكمال.

قال الرازي في ظل هذه الآية: «العبادة فعل يحصل به التقوى، لانّ الاتّقاء هو الاحتراز عن المضارّ، والعبادة فعل المأمور به، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار، بل يوجب الاحتراز، فكأنّه تعالى قال: اعبدوا ربّكم لتحترزوا به عن عقابه. وإذا قيل في نفس الفعل أنّه اتّقاء، فذلك مجاز، لانّ الاتّقاء غير ما يحصل به الاتّقاء، لكن لاتّصال أحد الامرين بالآخر أجرى اسمه عليه»([71]).

لكن مع هذا لا يمكن أن تكون التقوى هي الهدف النهائي والغاية القصوى من خلق الانسان; لما تقدّم بيانه أنّ التقوى إنّما هي زاد المسير إلى لقاء الله تعالى والقرب منه، ولا يمكن لما هو زاد السفر أن يكون هو الهدف. إن الهدف النهائي والغاية الاخيرة من العبادة والتقوى ، هو الوصول إلى لقاء الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([72]);لذا نجد القرآن الكريم يعبِّر عن أولئك الذين كفروا بلقاء ربّهم أنّهم الاخسرون أعمالاً; قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالاَْخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً)([73])، فإذا استطاع الانسان أن يصل إلى مقام لقاء الله تعالى، ولا يتحقّق ذلك إلاّ من خلال العبادة والتقوى، فقد انتهى إلى الفلاح الحقيقي (وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([74]) حيث جعل الغاية من التقوى، الوصول إلى الفلاح (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)([75])، وعرّف المفلحين في آيات عديدة، بأنّ لهم الخيرات، وأنّهم ثقلت موازينهم ونحو ذلك. قال تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)([76]).

من هنا نقف على السبب الحقيقي وراء جعل التقوى هي الملاك في الكرامة الحقيقية عند الله; قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)([77]) لانّ التقوى هي التي تؤدّي بالانسان إلى سعادته الحقيقية وحياته الطيّبة الابدية في جوار ربّ العزّة: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر)([78])، وهي الوسيلة الوحيدة إلى سعادة الدار الآخرة (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالاَْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)([79])، (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَل وَعُيُون * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ)([80])، (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً)([81])، بل هي الوسيلة لوصول الانسان إلى بركات السماء والارض: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالاَْرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([82]).

«والله وليّ المتّقين»([83])

ذكر القرآن في مواضع عديدة، أنّ الله يحبّ العدل والاحسان والصبر والثبات والتوكّل والتوبة والتطهّر ونحوها، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)([84]) وقال: (وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)([85]). وقال: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ)([86])، وقال: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)([87])، وقال: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)([88]).

من الامور المحبوبة له أيضاً التقوى، قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)([89])، ومعنى محبّة الله تعالى لعبده، كما ذكره بعض العارفين هو «كشف الحجاب عن قلب العبد وتمكينه من أن يطأ على بساط قربه، فإنّ ما يوصف به سبحانه إنّما يؤخذ باعتبار الغايات لا باعتبار المبادئ، وعلامة حبّه سبحانه للعبد، توفيقه للتجافي عن دار الغرور، والترقّي إلى عالم النور، والاُنس بالله، والوحشة ممّا سواه، وصيرورة جميع الهموم همّاً واحداً»([90]).

وإذا أحبّ الله عبداً تولّى أمره، قال تعالى: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)([91]). عند ذلك تظهر على العبد آثار الولاية الالهية. قال تعالى: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)([92]).

افتتحت هذه الآيات الثلاث بلفظة «ألا» التنبيهية، للاشارة إلى أهمّية ما تريد بيانه، حيث ذكرت أولياء الله ووصفت آثار ولايتهم، وما يختصّون به عند الله تعالى.

«والولاية وإن ذكر لها معاني كثيرة، لكن الاصل في معناها: ارتفاع الواسطة الحائلة بين الشيئين، بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما، ثمّ استعيرت لقرب الشيء من الشيء بوجه من وجوه القرب، كالقرب نسباً أو مكاناً أو منزلة أو بصداقة أو غير ذلك، ولذلك يطلق الولي على كلّ من طرفي الولاية، وخاصّة بالنظر إلى أنّ كلاًّ منهما يلي من الآخر ما لا يليه غيره، فالله سبحانه وليّ عبده، لانّه يلي أمره ويدبّر شأنه، فيهديه إلى صراطه المستقيم ، ويأمره وينهاه فيما ينبغي له أو لا ينبغي، وينصره في الحياة الدنيا والآخرة (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الاَْشْهَادُ)([93]).

والمؤمن حقّاً ولي ربّه، لانّه يلي منه إطاعته في أمره ونهيه، ويلي منه عامّة البركات المعنوية من هداية وتوفيق وتأييد وتسديد وما يعقبها من الاكرام بالجنّه والرضوان، فأولياء الله ـ على أيّ حال  ـ هم المؤمنون، فإنّ الله يعدّ نفسه وليّاً لهم في حياتهم المعنوية حيث يقول: (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)([94]).

غير أنّ الآية التالية لهذه الآية المفسِّرة للكلمة، تأبى أن تكون الولاية شاملة لجميع المؤمنين، وفيهم أمثال الذين يقول الله سبحانه فيهم (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ)([95]). فإنّ قوله في الآية التالية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)([96]) يعرّفهم بالايمان والتقوى، مع الدلالة على كونهم على تقوى مستمر سابق على إيمانهم من حيث الزمان، حيث قيل «آمنوا» ثمّ عطف عليه «وكانوا يتّقون» فدلّ على أنّهم كانوا يستمرّون على التقوى قبل تحقّق هذا الايمان منهم، ومن المعلوم أنّ الايمان الابتدائي غير مسبوق بالتقوى، بل هما متقاربان أو هو قبل التقوى وخاصّة التقوى المستمرّ.

والحاصل أنّ المراد من الايمان في قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) ليس هو مطلق درجاته، بل تلك المرتبة منه التي يسلّم فيها العبد لربّه حقيقة معنى ألوهيته، وينقطع عنه السخط والاعتراض، فلا يسخط لشيء من أمره من قضاء وقدر وحكم، ولا يعترض على شيء من إرادته، وهذا هو الايمان الكامل الذي تتمّ به للعبد عبوديته، قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)([97]).

على أنّ توصيفه تعالى هؤلاء بأنّهم (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)([98]) يدلّ على أنّ المراد منه الدرجة العالية من الايمان الذي يتمّ معه معنى العبودية والمملوكية المحضة للعبد الذي يرى معه أنّ المُلك لله وحده لا شريك له، وأن ليس إليه من الامر شيء حتّى يخاف فوته أو يحزن لفقده.

وذلك أنّ الخوف إنّما يعرض للنفس عن توقّع ضرر يعود إليها، والحزن إنّما يطرأ عليها لفقد ما تحبّه أو تحقّق ما تكرهه ممّا يعود إليها نفعه أو ضرره، ولا يستقيم تحقّق ذلك إلاّ فيما يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً متعلّقاً بما يخاف عليه أو يحزن لفقده، من ولد أو مال أو جاه أو غير ذلك، وأمّا ما لا علقة للانسان به بوجه من الوجوه أصلاً، فلا يخاف الانسان عليه ولا يحزن لفقده.

والذي يرى كلّ شيء ملكاً طِلقاً لله سبحانه، لا يشاركه في ملكه أحد، لا يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً بالنسبة إلى شيء، حتّى يخاف في أمره أو يحزن، وهذا هو الذي يصفه الله من أوليائه يقول: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)([99]) فهؤلاء لا يخافون شيئاً ولا يحزنون لشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلاّ أن يشاء الله، وقد شاء أن يخافوا من ربّهم وأن يحزنوا لما فاتهم منكرامته إن فاتهم، وهذا كلّه من التسليم لله فافهم ذلك. قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً)([100]). وقال: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)([101]). وقال أيضاً: (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ)([102]).

فإطلاق الآية يفيد اتصافهم بهذين الوصفين، عدم الخوف وعدم الحزن في النشأتين الدنيا والآخرة، فتكون نظير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ)([103]).

وليس معنى ارتفاع الخوف من غير الله والحزن عن الاولياء أنّ الخير والشرّ والنفع والضرر والنجاة والهلاك والراحة والعناء واللذّة والالم والنعمة والبلاء، متساوية عندهم ومتشابهة في إدراكهم، فإنّ العقل الانساني بل الشعور العام الحيواني لا يقبل ذلك.

بل معناه أنّهم لا يرون لغيره تعالى استقلالاً في التأثير أصلاً، ويقصرون الملك والحكم فيه تعالى، فلا يخافون إلاّ إيّاه أو ما يحبّ الله ويريد أن يحذروا منه أو يحزنوا عليه»([104]).

لذا نجد القرآن يشير إلى أنّ هؤلاء على حذر في موارد عديدة. قال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الاْخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَْلْبَابِ)([105]). وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)([106]).

 

بعض الآثار

وإذا تولّى الله عبده، يخرجه من الظلمات إلى النور (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)([107]). عند ذلك لا يستوي حال هذا العبد مع حال غيره من الناس الذين لم يرزقوا ذلك النور ، قال تعالى : (أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُجِّىّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور)([108]). أمّا هذا العبد المؤمن الذي شملته الولاية الالهية، فإنّ له نوراً يمشي به في الناس، قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا)([109]).

فإذا وصل العبد إلى هذا المقام، يكون نظره بنور الله «فيرى ما لا يراه الناس، ويسمع ما لايسمعونه، ويعقل ما لا يعقلونه، ويريد ما لا يريدونه، وإن كانت ظواهر أعماله وصور حركاته وسكناته تحاكي أعمال غيره وحركاتهم وسكناتهم وتشابهها، فله شعور وإرادة فوق ما لغيره من الشعور والارادة، فعنده من الحياة التي هي منشأ الشعور والارادة، ما ليس عند غيره من الناس، فللمؤمن (المتّقي حقيقة) مرتبة من الحياة ليست عند غيره.

فكما أنّ عموم الناس يشاركون سائر الحيوان في الشعور بواجبات الحياة والحركة الارادية، ويشاركها الحيوان، لكنّ مع ذلك لا نشكّ أنّ الانسان نوع أرقى من سائر الانواع الحيوانية، وله حياة فوق الحياة التي فيها، لما نرى في الانسان آثاره العجيبة المترشّحة من أفكاره الكلّية وتعقّلاته المختصّة به، ولذلك نحكم في الحيوان إذا قسناه إلى النبات، وفي النبات إذا قسناه إلى ما قبله من مراتب الوجود، أنّ لكلّ منها درجة أعلى وحياة هي أرقى من حياة ما قبله.

كذلك الانسان الذي أُوتي العلم والايمان واستقرّ في دار الايقان، واشتغل بربّه، وفرغ واستراح من غيره، وهو يشعر بما ليس في وسع غيره، ويريد ما لا يناله سواه، إنّ له حياة فوق حياة غيره، ونوراً يستمدّ به في شعوره، وإرادة لا توجد إلاّ معه وفي ظرف حياته»([110]).

لذا نجد أنّ القرآن عندما يأتي إلى أولئك الذين تولاّهم الشيطان، فأخرجهم من النور إلى الظلمات (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)([111])، يقول عنهم: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولـئِكَ كَالاَْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)([112]). فيثبت لهم أمثال القلوب والاعين والآذان التي في المؤمنين، لكنّه ينفي كمال آثارها التي في المؤمنين.

ولعلّ هذا هو مراد الحديث الوارد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من طرق الفريقين حيث قال: «وإنّه (أي العبد) ليتقرّب إليَّ بالنافلة حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته»([113]) وقيل في معناه «إنّه لا يسمع إلاّ بحقّ وإلى حقّ، ولا ينظر إلاّ بحقّ وإلى حقّ، ولا يبطش إلا بإذن الحقّ، ولا يمشي إلاّ إلى ما يرضى به الحقّ، وهو المؤمن حقّاً، الذي راح عنه كلّ باطل، وصار واقفاً مع الحقّ»([114]).

فتحصّل إلى هنا أنّ الانسان يصل بالتقوى إلى مقام يكون محبوباً لله تعالى، وإذا أحبّ الله عبداً تولاّه، وإذا تولاّه كان آمناً من الخوف والحزن والفزع، و أنّ مثل هذا العبد ـ كما تقول الروايات  ـ يكون في حصن الله. عن الامام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)  قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: سمعت جبرئيل يقول: سمعت الله عزّوجلّ يقول: لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي»([115]).

من الواضح أنّ ذلك لا يتحقّق إلاّ بشروطها، وهي كما ورد في جملة من الروايات: الايمان بالامامة الخاصّة لائمّة أهل البيت (عليهم السلام) والطاعة والتسليم لهم، لذا ورد في ظل الرواية «فلما مرّت الراحلة، نادانا بشروطها، وأنا من شروطها».

وعن الامام الصادق (عليه السلام) قال: «من قال: لا إله إلاّ الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصها أن تحجزه لا إله إلاّ الله عمّا حرّم الله عزّوجلّ»([116]).

وكيفما كان فإذا صار العبد في حصن الله تعالى، فسيكون في مأمن من سهام إبليس وإغوائه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)([117]) والطائف من الشيطان هو الذي يطوف حول القلب ليلقي إليه الوسوسة.

والآية بمنزلة التعليل للامر بالاستعاذة الواردة في الآية السابقة: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)([118]).

والنزغ كما قال الراغب في المفردات: «دخول في أمر لاجل إفساده، قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)، وقيل: هو من الشيطان أدنى الوسوسة.

وعلى هذا يكون معنى الآية «استعذ بالله عند نزغة الشيطان، فإنّ هذا هو طريق المتّقين، فهم إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا أنّ الله هو ربّهم الذي يملكهم ويربيهم ويرجع إليه أمرهم، فأرجعوا إليه الامر، فكفاهم مؤنته، ودفع عنهم كيده، ورفع عنهم حجاب الغفلة، فإذا هم مبصرون غير مضروب على أبصارهم بحجاب الغفلة»([119]).

فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)([120]).

بهذا يتّضح معنى الرحمة الخاصّة التي وعدها الله المتّقين من عباده (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)([121])، فإنّ هناك «رحمة إلهية عامّة يتنعّم بها المؤمن والكافر والبرّ والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور، فيوجدون بها ويرزقون بها في أوّل وجودهم، ثمّ في مسيرة الوجود ما داموا سالكين سبيل البقاء. ورحمة إلهية خاصّة وهي العطية الهنيئة التي يجود بها الله سبحانه في مقابل الايمان والعبودية، وتختصّ لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده، من حياة طيّبة نورانيّة في الدنيا، وجنّة ورضوان في الآخرة، ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين.

ويقابل الرحمة الخاصّة عذاب، وهو الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا، كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك، وفي الآخرة من النار وآلامها، ولا يقابل الرحمة العامّة شيء من العذاب، إذ كلّ ما يصدق عليه اسم شيء، فهو من مصاديق الرحمة العامّة لنفسه أو لغيره، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة، وليس وراء الشيء شيء»([122]).

بهذا يتّضح لماذا كان الانبياء جميعاً يحثّون أممهم على التقوى. (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ)([123])، (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ)([124])، (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ)([125])، (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ)([126])، (إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ)([127])، (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ)([128]).

...............................................................................................................................................................................................

مراتب التقوى

 

من الحقائق التي أشار إليها القرآن الكريم، أنّ التقوى لها مراتب متعدّدة، قال تعالى: (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)([129]).

وذلك معناه أنّ للتقوى مرتبة هي حقّ التقوى، وأنّ هناك مراتب دون هذه المرتبة، قال في الميزان: «إذا أخذ التقوى حقّ التقوى، كان محض العبودية التي لا تشوبها إنية وغفلة، وهي الطاعة من غير معصية، والشكر من غير كفر، والذكر من غير نسيان. وهذا المعنى غير ما يستفاد من قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)([130]).

فإنّ هذه الآية تعني أن لا تذروا التقوى في شيء ممّا تستطيعونه. غير أنّ الاستطاعة تختلف باختلاف قوى الاشخاص وأفهامهم وهممهم. ولا ريب أنّ حقّ التقوى بالمعنى الذي ذكرناه، ليس في وسع كثير من الناس، فإنّ في هذا المسير الباطني مواقف ومعاهد ومخاطر لا يعقلها إلاّ العالمون، ودقائق ولطائف لا يتنبّه لها إلاّ المخلصون. فرب مرحلة من مراحل التقوى لا يصدّق الفهم العامّي بكونها ممّا تستطيعه النفس الانسانية، فيجزم بكونها غير مستطاعة، وإن كان أهل التقوى الحقّة خلّفوها وراء ظهورهم، وأقبلوا بهممهم على ما هو أشقّ وأصعب.

فمحصل الآيتين (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) و(فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أن يندب جميع الناس ويدعو إلى حقّ التقوى، ثمّ يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا واستطاعوا. وينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلاّ أنّهم في مراحل مختلفة، وعلى درجات متفاوتة، على طبق ما عندهم من الافهام والهمم، وعلى ما يفاض عليهم من توفيق الله وتأييده وتسديده، فهذا ما يعطيه التدبّر في معنى الآيتين. حيث تدعو الاولى إلى المقصد والثانية تبيّن كيفية السلوك»([131]).

ممّا تقدّم يتّضح أنّ التقوى ليست مقاماً دينياً خاصّاً، بل هي حالة روحية تجامع جميع المقامات المعنوية، أي أنّ لكلّ مقام معنوي تقوى خاصّة تختصّ به. وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض مراتب عباده، وذكر لكلّ مرتبة نوعاً من العلم والمعرفة والعمل، لا يوجد في المرتبة الاخرى. فمثلاً ذكر الموقنين وخصّ بهم مشاهدة ملكوت السموات والارض ، حيث قال: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)([132]). وذكر المنيبين وخصّ بهم التذكّر، قال تعالى: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ)([133]).

وذكر العالمين، وخصّ بهم أنّهم يعقلون الامثال القرآنية، قال تعالى: (وَتِلْكَ الاَْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ)([134]) وكأنّهم هم أولوا الالباب والمتدبّرون، لقوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)([135]).

وأشار إلى المطهّرين ، وخصّ بهم العلم بتأويل القرآن وباطنه، قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)([136]).

وذكر الاولياء وهم أهل الوله والمحبّة لله، وخصّ بهم أنّهم لا يلتفتون إلى شيء إلاّ الله سبحانه، ولذلك لا يخافون شيئاً ولا يحزنون لشيء، قال تعالى: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)([137]). وهكذا بالنسبة إلى المقرّبين والمخبتين والصدِّيقين والصالحين والمؤمنين، حيث أشار إلى خواصّهم ومراتبهم.

لذا قال إمام المتّقين علي أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن ذكر «أنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طُعمه بقُرصيه» قال: «ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد»([138]).

وقد أشار بعض أهل المعرفة إلى أنّ للتقوى عشر مراتب:

الاولى: الاجتناب عن محارم الله تعالى، والقيام بما أوجبه عليهم من التكاليف الشرعية.

الثانية: الاجتناب المذكور مضافاً إلى المحلّلات الشرعية إلاّ بقدر الضرورة. وهذا ما أشار إليه سيّد العارفين علي أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: «ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الاطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أوَ أبيت مبطاناً وحولي بطونٌ غرثى، وأكبادٌ حرّى، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءً أن تبيت ببطنة     وحولك أكبادٌ تحنّ إلى القدِّ

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أُسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها...»([139]).

الثالثة: عن الرياء مع الاخلاص.

الرابعة: عن الكثرة مع الوحدة.

الخامسة: عن التفرقة مع الجمعة.

السادسة: عن الشكّ مع اليقين.

السابعة: عن الشرك مع التوحيد.

الثامنة: عن الوقوف مع ظواهر القرآن دون بواطنه.

التاسعة: عن رؤية النفس مع مشاهدة الربّ.

العاشرة: عن مشاهدات الوجودات المقيّدة مع الوجود المطلق، أعني عن مشاهدة وجود الخلق مع وجود الحقّ»([140]).

هذه المراتب العشر، ترتبط بمقامات السلوك العشرة التي هي: البدايات، والابواب، والمعاملات، والاخلاق، والاصول، والاودية، والاحوال، والولايات، والحقائق، والنهايات. وتفصيل الحديث عن هذه المراتب وتلك المقامات موكول إلى دراسة أخرى أعمق وأكثر تفصيلاً، إن شاء الله تعالى.

 

طبقات الناس

لكن ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، فإنّنا إذا نظرنا نظر التدبّرإلى خصوصيات الشريعة الاسلامية، بل جميع الملل الالهية، وجدنا أنّ المقصود فيها، هو صرف وجه الانسان إلى ما وراء هذه النشأة الطبيعية والمادية. والناس من حيث درجات الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى، والاعراض عن هذه النشأة الدنيوية، على ثلاث طبقات:

« الطبقة الاولى : إنسان تام الاستعداد ، يمكنه الانقطاع قلباًعن هذه النشأة، مع تمام الايقان باللازم من المعارف الالهية، والتخلّص إلى الحقّ سبحانه وهذا هو الذي يمكنه شهود ما وراء هذه النشأة المادّية، والاشراف على الانوار الالهية، كالانبياء عليهم السلام»([141]).

وهؤلاء هم الذين عبّر عنهم القرآن الكريم بقوله تعالى:

(كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)([142]). والظاهر أنّ المراد رؤيتها قبل يوم القيامة، رؤية البصيرة، وهي رؤية القلب، على ما يشير إليه قوله تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)([143]). وهذه هي طبقة المقرّبين.

«الطبقة الثانية: إنسان تامّ الايقان، غير تام الانقطاع من جهة ورود هيئات نفسانية وإذعانات قاصرة، تؤيسه أن يذعن بإمكان التخلّص إلى ما وراء هذه النشأة المادّية، وهو فيها . فهذه طبقة تعبد الله كأنّها تراه، فهي تعبد عن صدق من غير لعب، لكن من وراء حجاب إيماناً بالغيب، وهم المحسنون في عملهم. وقد سُئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن الاحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»([144]).

والفرق بين هذه الطبقة وسابقتها، فرق ما بين «إنّ» و«كأنّ». وهذا مقام الخلّص من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله). عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) يقول: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شابّ في المسجد وهو يخفق برأسه([145]) مصفرّاً لونه، قد نحف جسمه  وغارت عيناه في رأسه.

فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): كيف أصبحت يا فلان؟

قال: أصبحت يا رسول الله مؤمناً موقناً.

فعجب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قوله (فقد أخبر بشيء نادر الوقوع) وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما هي حقيقة يقينك؟

فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي، وقد نصب للحساب، وحشر الخلائق لذلك، وأنا فيهم، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون، وعلى الارائك متّكئون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار، وهم فيها معذّبون مصطرخون، وكأنّي الآن أسمع زفير النار، يدور في مسامعي.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لاصحابه، هذا عبدٌ نوّر الله قلبه بالايمان، ثمّ قال له: الزم ما أنت عليه.

فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله أن اُرزق الشهادة معك. فدعا له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي (صلّى الله عليه وآله) فاستشهد بعد تسعة نفر، وكان هو العاشر»([146]).

وهذه الطبقة هم الذين وصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته المعروفة بخطبة همّام، حيث قال: «فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نُزّلت أنفسهم منهم في البلاء، كالتي نُزِّلت في الرخاء. ولولا الاجل الذي كتب الله عليهم، لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طَرفة عين، شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذَّبون.

قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة. صبروا أيّاماً قصيرة، أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة، يسّرها لهم ربّهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم فَفَدوا أنفسهم منها.

أمّا الليل فصافّون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلاً، يحزّنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم»([147]).

«الطبقة الثالثة: غير أهل الطبقتين الاوليين من سائر الناس وعامّتهم. وهذه الطائفة باستثناء المعاند والمكابر والجاحد، طائفة يمكنها الاعتقاد بالعقائد الحقّة الراجعة إلى المبدأ والمعاد، والجريان عملاً على طبقها في الجملة لا بالجملة. وذلك من جهة الاخلاد إلى الارض واتباع الهوى وحبّ الدنيا، فإنّ حبّ الدنياوزخارفها يوجب الاشتغال بها، وكونها هي المقصودة من حركات الانسان وسكناته. وذلك يوجب انصراف النفس إليها، وقصر الهمّة عليها، والغفلة عمّا وراءها، وعمّا توجبه الاعتقادات الحقّة من الاحوال والاعمال، وذلك يوجب ركودها ووقوفها ـ أعني الاعتقادات الحقّة ـ على حالها، من غير تأثير لها وفعلية للوازمها، وجمود الاعمال والمجاهدات البدنية على ظاهر نفسها وأجسادها، من غير سريان أحوالها وأحكامها إلى القلب، وفعلية لوازمها، وهذا من الوضوح بمكان.

مثال ذلك: أنّنا لو حضرنا عند ملك من الملوك، وجدنا من تغيّر حالنا وسراية ذلك إلى أعمالنا البدنية، من حضور القلب والخشوع والخضوع ما لا نجده في الصلاة البتة، وقد حضرنا فيها عند ربّ العالمين. ولو أشرف على شخصنا ملك من الملوك، وجدنا ما لا نجده في أنفسنا، ونحن نعتقد أنّ الله سبحانه يرى ويسمع، وأنّه أقرب إلينا من حبل الوريد، ونعتمد على الاسباب العادية التي تخطئ وتصيب، اعتماداً لا نجد شيئاً منه في أنفسنا، ونحن نعتقد أنّ الامر بيد الله سبحانه، يفعل ما يشاء ويحكم مايريد.

ونركن إلى وعد إنسان أو عمل سبب، ما لا نركن جزءاً من ألف جزء منه إلى مواعيد الله سبحانه، فيما بعد الموت والحشر والنشر، وأمثال هذه التناقضات لا تحصى في اعتقاداتنا وأعمالنا، وكلّ ذلك من جهة الركون إلى الدنيا.

وهذه الطائفة لا يمكنها الانقطاع إلى الله سبحانه، أزيد من الاعتقادات الحقّة الاجمالية، ونفس أجساد الاعمال البدنية التي توجب توجّهاً ما وقصداً ما في الجملة إلى المبدأ سبحانه في العبادات.

ومن هنا يتبيّن أنّ تربية الطبقات الثلاثة، ليس على حدّ سواء، بل هناك أمور مشتركة ومختصّة، فالمشتركة هي الاحكام النظرية والعملية العامّة، التي لا يمكن إهمالها بالنسبة إلى طبقة من الطبقات، من الواجبات والمحرّمات. أمّا المختصّة، فهي التي توجد في الاولى مثلاً، ولا توجد في الثالثة، فربّ مباح أو مستحبّ أو مكروه بالنسبة إلى الثالثة، هو واجب أو محرّم بالنسبة إلى الاولى، فحسنات الابرار سيّئات المقرّبين. من هنا فإنّ هذه الطبقة تختصّ بأمور وأحكام غير موجودة في الثانية والثالثة، ولا غير هذه الطبقة تكاد تفهم شيئاً من تلك المختصّات ولا يهتدي إلى طريق تعليمها. وذلك كلّه لمكان ميز طبقتهم وأساسها المحبّة الالهية دون محبّة النفس، فالفرق بينها وبين الآخريْن في نحو العلم والادراك، دون قوّته وضعفه وتأثيره وعدمه»([148]).

...............................................................................................................................................................................................

آثار التقوى في الدنيا

 

يعتقد بعض الناس أنّ أثر التقوى إنّما يظهر في الحياة الآخرة فحسب، ولا يشمل الحياة الدنيا، فمن أطاع الله سبحانه وانتهى عن معاصيه، فسوق يُثاب في الآخرة، جنّات تجري من تحتها الانهار، ومن لم يتّق الله ، وتجاوز حدوده في هذه النشأة، فإنّه سيعاقب في النشأة الاخرى، بنار أحاط بهم سرادقها، وإلاّ فلا فرق في هذه النشأة بين المتّقين والفجّار.

لكن هذه النظرة للتقوى تخالف بوضوح ما يطرحه القرآن الكريم; ذلك أنّ القرآن لم يخصّص أثر التقوى على الانسان في النشأة الآخرة، ومن حيث الثواب والعقاب الاُخروي فقط بل عمّم أثرها لكلتا النشأتين، وفي الذكر الحكيم آيات كثيرة تشير إلى أنّ المتّقين والفجّار ليسوا سواءً، كقوله تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الاَْرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)([149]). وقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)([150])، حيث نجد أنّ الآية تستنكر حسبان وظنّ الذين يكتسبون السيئات، أن يكونوا مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواء في محياهم ومماتهم، أي تكون حياة هؤلاء كحياة أولئك، وموتهم كموتهم، فيكون الايمان والعمل الصالح لغواً لا أثر له في حياة ولا موت، ويستوي وجوده وعدمه، لذا قالت الآية (سَاءَ مَا يَحْكُمُون) ردّاً لحسبانهم المذكور وحكمهم بالمماثلة بين مجترحي السيئات، والذين آمنوا وعملوا الصالحات. فالفريقان لا يتساويان في الحياة ولا في الممات.

أمّا أنّهما لا يتساويان في الحياة، فلانّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، في سلوكهم مسلك الحياة، على بصيرة من أمرهم، وهدىً ورحمة من ربّهم، كما ذكره الله سبحانه في قوله تعالى: (هذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ)([151])، والمسيء صفر الكفّ من ذلك، حيث قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً)([152]).

وأمّا أنّهما لا يتساويان في الممات، فلانّ الموت، كما تنطق به البراهين الساطعة ليس انعداماً للشيء، وبطلاناً للنفس الانسانية، كما يحسبه المبطلون، بل هو رجوع إلى الله سبحانه، وانتقال من نشأة الدنيا إلى نشأة الآخرة، التي هي دار البقاء وعالم الخلود، يعيش فيها المؤمن الصالح في سعادة ونعمة، وغيره في شقاء وعذاب.

وقد أشار القرآن الكريم إلى جملة من الآثار الاساسية التي تترتّب على التقوى في الحياة الدنيا، نقف على بعضها إجمالاً:

 

الحياة الطيّبة

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)([153]). فحياة المؤمن ليست حياة طيّبة في الدار الآخرة فحسب، بل هي كذلك في هذه النشأة أيضاً. قال الطباطبائي في ظل هذه الآية: «الاحياء: إلقاء الحياة في الشيء وإفاضتها عليه، فالجملة بلفظها دالّة على أنّ الله سبحانه يكرم المؤمن الذي يعمل صالحاً بحياة جديدة، غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامّة، فالآية نظيرة قوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)([154])، فإنّ المراد بهذا النور، العلم الذي يهتدي به الانسان إلى الحقّ في الاعتقاد والعمل.

وكما أنّ له من العلم والادراك ما ليس لغيره، كذلك له من موهبة القدرة على إحياء الحقّ وإماطة الباطل ما ليس لغيره، وقد قال سبحانه: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)([155]).

وهذا العلم والقدرة الحاصلان له بالتقوى، يمهِّدان له أن يرى الاشياء على ما هي عليها، فيقسّمها إلى قسمين: حقّ باق وباطل فان، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو الحياة الدنيا، بزخارفها الغارّة الفتّانة، ويعتزّ بعزّة الله، فلا يستذله الشيطان بوساوسه، ولا النفس بأهوائها وهوساتها، ولا الدنيا بزهرتها، لما يشاهد من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها.

ويتعلّق قلبه بربّه الذي هو يحقّ كلّ حقّ بكلماته، فلا يريد إلاّ وجهه، ولا يحب إلاّ قربه، ولا يخاف إلاّ سخطه وبُعده، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة، لا يدبّر أمرها إلاّ ربّه الغفور الودود، ولا يواجهها في طول مسيرها إلاّ الحسن الجميل، فقد أحسن كلّ شيء خلقه، ولا قبيح إلاّ ما قبّحه الله من معصيته.

فهذه آثار حيوية لا تترتّب إلاّ على حياة حقيقية غير مجازية، وقد رتّبها الله سبحانه على هذه الحياة التي يذكرها ويخصّها بالذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهي حياة حقيقية جديدة،يفيضها الله سبحانه عليهم. وليست هذه الحقيقة الجديدة المختصّة، بمنفصلة عن الحياة القديمة المشتركة، وإن كانت غيرها، فإنّما الاختلاف بالمراتب لا بالعدد، فلا يتعدّد بها الانسان، كما أنّ الروح القدسية التي يذكرها الله سبحانه للانبياء، لا توجب لهم إلاّ ارتفاع الدرجة، دون تعدّد الشخصية»([156]).

وهذه هي الروح التي أشارت إليها آية سورة المجادلة حيث قال تعالى: (أُولـئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِْيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ)([157])، ومن الواضح أنّ ظاهر هذه الآية يفيد أنّ للمؤمنين وراء الروح البشرية التي يشترك فيها المؤمن والكافر، روحاً أخرى تفيض عليهم حياة أخرى، تصاحبها قدرة وعلم، لا يوجدان عند غير المؤمن.

هذه الحقيقة أكّدتها جملة من الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام). عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال: في الانبياء والاوصياء خمسة أرواح: روح البدن، وروح القدس، وروح القوّة، وروح الشهوة، وروح الايمان. وفي المؤمنين أربعة; أفقدها روح القدس: روح البدن، وروح القوّة، وروح الشهوة، وروح الايمان. وفي الكفّار ثلاثة أرواح: روح البدن، وروح القوّة، وروح الشهوة.

ثمّ قال (عليه السلام) : روح الايمان يلازم الجسد، ما لم يعمل بكبيرة، فإذا عمل بكبيرة فارقه الروح، وروح القدس من سكن فيه، فإنّه لا يعمل بكبيرة أبداً»([158]).

وفي رواية أخرى عن الامام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: إنّ الله تبارك وتعالى أيّد المؤمن بروح منه، تحضره في كلّ وقت يُحسن فيه ويتّقي، وتغيب عنه في كلّ وقت يذنب فيه ويعتدي، فهي معه تهتزّ سروراً عند إحسانه، وتسيخ في الثرى عند إساءته، فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاحكم أنفسكم، تزدادوا يقيناً وتربحوا نفيساً ثميناً، رحم الله امرءاً همّ بخير فعمله، أو همّ بشرّ فارتدع عنه»([159]).

وقد بيّنت الروايات دور كلّ واحدة من هذه الارواح، حيث ورد عن المفضل بن عمر، عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن علم الامام بما في أقطار الارض، وهو في بيته مرخى عليه ستره.

فقال (عليه السلام) : يا مفضّل إنّ الله تبارك وتعالى، جعل في النبيّ (صلّى الله عليه وآله) خمسة أرواح، روح الحياة، فبه دبّ ودرج، وروح القوّة، فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة، فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الايمان، فبه آمن وعدل، وروح القدس، فبه حمل النبوّة، فإذا قبض النبيّ (صلّى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الامام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والاربعة الارواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به»([160]).

وهذه الروح التي يؤيّد بها المؤمن، لها عينان وأُذنان، كما نسب إلى النبيّ الاكرم (صلّى الله عليه وآله) : «ما من قلب إلاّ وله عينان واُذنان، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللتين للقلب ليشاهد بهما الملكوت»([161]). وورد عنه أيضاً: «لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت»([162]).

وهذا المعنى هو الذي ورد في مسند أحمد بن حنبل، بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ليلة أُسري بي .. فلما نزلت إلى السماء الدنيا، نظرت أسفل منّي، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات.

فقلت: ما هذا يا جبرئيل؟

قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم، أن لا يتفكّروا في ملكوت السموات والارض، ولولا ذلك لرأوا العجائب»([163]).

ويقرب منه ما جاء عن سلاّم بن المستنير قال: كنت عند أبي جعفر الباقر (عليه السلام) فدخل عليه حمران بن أعين ، وسأله عن أشياء، فلمّا همَّ حمران بالقيام، قال لابي جعفر (عليه السلام): أخبرك أطال الله بقاءك وأمتعنا بك، أنا نأتيك فما نخرج من عندك حتّى ترقّ قلوبنا وتسلوا أنفسنا عن الدنيا، ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الاموال. ثمّ نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجّار، أحببنا الدنيا.

قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام) : إنّما هي القلوب، مرّة تصعب ومرّة تسهل.

ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) : أما إنّ أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وآله) قالوا: يارسول الله نخاف علينا النفاق؟

قال: فقال: ولِمَ تخافون ذلك؟

قالوا: إذا كنّا عندك فذكّرتنا ورغّبتنا، وَجِلْنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كأنّا نعاين الآخرة والجنّة ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت، وشممنا الاولاد، ورأينا العيال والاهل، يكاد أن نحوّل عن الحال التي كنّا عليها عندك، وحتّى كأنّا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقاً؟

فقال لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «كلاّ، إنّ هذه خطوات الشيطان، فيرغّبكم في الدنيا، والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء»([164]).

وهذه العين هي التي يعبّر عنها القرآن بالبصيرة في قوله تعالى: (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)([165])، في قبال العين التي عبّر عنها القرآن بالبصر، وهي لمشاهدة عالم الشهادة والملك: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَْبْصَارَ وَالاَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)([166]).

وعين البصيرة هي التي يصيبها العمى من خلال المعصية، قال تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([167]).

وقال أيضاً: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَْبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)([168]).

فتحصّل ممّا تقدّم أنّ من شملته العناية الالهية وأيّدته بروح منه، وجعلت له نوراً يمشي به في الناس، فإنّه يرى ما لا يراه الناس، ويسمع ما لا يسمعونه، ويعقل ما لا يعقلونه ويريد ما لا يريدونه. قال إمام المتّقين وسيّد العارفين علي أمير المؤمنين (عليه السلام) عند تلاوته لقوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ)([169]): «إنّ الله عزّوجلّ جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله ـ عزت آلاؤه ـ في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الابصار والاسماع والافئدة، يذكّرون بأيّام الله، ويخوّفون مقامه، بمنزلة الادلّة في الفلوات، مَن أخذ القصد حمدوا إليه طريقه، وبشّروه بالنجاة، ومن أخذ يميناً وشمالاً ذمّوا إليه الطريق، وحذّروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلّة تلك الشبهات.

وإنّ للذكر لاهلاً أخذوه من الدنيا بدلاً، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيّام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط، ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الاقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عِداتها، فكشفوا غطاء ذلك لاهل الدنيا، حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لايسمعون»([170]).

هذه هي الخصوصية الاولى لاهل التقوى في الدنيا، وهناك آيات كثيرة في القرآن نطقت بهذه الحقيقة، يمكن الرجوع إليها في مظانّها.

 

الفرقان بين الحقّ والباطل

 

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً)([171]). قال الراغب في المفردات: «فرقت بين الشيئين فصلت بينهما، سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر، أو بفصل تدركه البصيرة. والفرقان أبلغ من الفرق، لانّه يستعمل في الفرق بين الحقّ والباطل»([172]).

« وهو في الآية بقرينة السياق وتفريعه على التقوى : الفرقان بين الحق والباطل ، سواء كان ذلك في الاعتقاد ( بالتفرقة بين الايمان والكفر ، وكلّ هدىً وضلال ) ، أو في العمل ( بالتمييزبين الطاعة والمعصية ، وكلّ ما يرضي الله أو يسخطه ) ، أو في الرأي والنظر ( بالفصل بين الصواب والخطأ ) ، فإنّ جميع ذلك كلّه ممّا تثمره شجرة التقوى . وقد أطلق الفرقان في الآية ولم يقيّده »([173]) .

نظير هذه الآية قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)([174]). قال الراغب في المفردات: «الجَهْدُ والجُهد: الطاقة والمشقّة، والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدوّ الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس»([175]).

«وقوله (جَاهَدُوا فِينَا) أي استقرّ جهادهم فينا، وهو استعارة كنائية عن كون جهده مبذولاً فيما يتعلّق به تعالى من اعتقاد وعمل، فلا ينصرف عن الايمان به، والائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه بصارف يصرفه.

وقوله (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) أثبت لنفسه سبلاً وهي أيّاً ما كانت تنتهي إليه تعالى، فإنّما السبيل سبيل لتأديته إلى ذي السبيل، وهو غايتها. فسبله هي الطرق المقرّبة منه والهادية إليه تعالى. وممّا تقدّم يظهر أن لا حاجة في قوله ( فِينَا) إلى تقدير مضاف كشأن ، والتقدير: في شأننا»([176]).

هذا معناه «أنّه بقدر ما تتطهّر القلوب من الاخلاق المذمومة التي هي الحُجب المانعة عن المعارف الالهية والنفحات القدسية، تتحاذى شطر الحقّ الاوّل، وتتلالا فيها حقائقه، كما أشار إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها» فإنّ التعرّض لها، إنّما هو بتطهير القلوب عن الكدورات الحاصلة عن الاخلاق الرديّة، فكلّ إقبال على طاعة، وإعراض عن سيّئة، يوجب جلاءً ونوراً للقلب، يستعدّ به لافاضة علم يقيني.

وقال النبي أيضاً: «من عمل بما علِم ورّثه الله علم مالم يعلم».

فالرحمة الالهية بحكم العناية الازلية، مبذولة على الكلّ، غير مظنون بها على أحد (كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاَءِ وَهؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً)([177])، لكن حصولها موقوف على تصقيل مرآة القلب وتصفيتها عن الخبائث الطبيعية. ومع تراكم صدئها الحاصل منها، لا يمكن أن يتجلّى فيها شيء من الحقائق. فلا تحجب الانوار العلمية، والاسرار الربوبية عن قلب من القلوب، لبخل من جهة المنعم تعالى شأنه عن ذلك، بل الاحتجاب إنّما هو من جهة القلب لكدورته وخبثه واشتغاله بما يضادّ ذلك.

ثمّ ما يظهر للقلب من العلوم لطهارته وصفاء جوهره، هو العلم الحقيقي النوراني الذي لا يقبل الشكّ، وله غاية الظهور والانجلاء، لاستفادته من الانوار الالهية والالهامات الحقّة الربّانية، وهو المراد بقوله (عليه السلام) : «إنّما هو نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء».

وبما ذُكر ظهر أنّ العلم الذي يحصل من طرق المجادلات الكلامية والاستدلالات الفكرية، من دون تصقيل لجوهر النفس، لا يخلو عن الكدرة والظلمة، ولا يستحق اسم اليقين الحقيقي، الذي يحصل للنفوس الصافية. فما يظنّه كثير من أهل التعلّق بقاذورات الدنيا أنّهم على حقيقة اليقين في معرفة الله سبحانه، خلاف الواقع. وإنّما هو إما تصديق مشوب بالشبهة، أو اعتقاد جازم لم تحصل له نورانية وجلاء وظهور وضياء، لكدرة قلوبهم الحاصلة من خبائث الصفات»([178]).

وقد أشار الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى هذه الحقائق في كلماته، حيث قال: «قد أحيى عقله، وأمات نفسه، حتى دقّ جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الابواب إلى باب السلامة، ودار الاقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الامن والراحة، بما استعمل قلبه وأرضى ربّه»([179]).

 

«ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً»

قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْء قَدْراً)([180]).

ذكرنا في أبحاث سابقة أنّ أهل التقوى لهم مراتب، وأنّهم يختلفون في درجاتهم من حيث المعرفة والعمل الصالح، وهذا معناه أنّ ولاية الله لهم، تلائم حالهم في إخلاص الايمان والعمل، لانّ الله تعالى يقول: (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)([181])، ويقول: (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)([182]). وعلى هذا الاساس، فنصيب المخلصين من أولياء الله من هذه الآية شيء، ونصيب من هو دونهم من المؤمنين المتوسّطين شيء آخر.

أمّا نصيب المخلصين فهو «انّ من اتقى الله بحقيقة معنى تقواه (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)([183]) ولا يتمّ ذلك إلاّ بمعرفته تعالى بأسمائه وصفاته، ثمّ تورّعه واتقاؤه بالاجتناب عن المحرّمات وتحرز ترك الواجبات خالصاً لوجهه الكريم (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)([184]) ولازمه أن لا يريد إلاّ ما يريده الله من فعل أو ترك، ولازمه أن يستهلك إرادته في إرادة الله، فلا يصدر عنه فعل إلاّ عن إرادة من الله.

ولازم ذلك أن يرى نفسه وما يترتّب عليها من سمة أو فعل، ملكاً طلقاً لله سبحانه، يتصرّف فيها ما يشاء، وهو ولاية الله، يتولّى أمر عبده، فلا يبقى له من الملك بحقيقة معناه شيء إلاّ ملّكه الله سبحانه، وهو المالك لما ملكّه، والمُلك لله عزّ اسمه. وعند ذلك ينجيه الله من مضيق الوهم وسجن الشرك بالتعلّق بالاسباب الظاهرية (يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ)([185]).

أمّا الرزق المادّي، فإنّه كان يرى ذلك من عطايا سعيه، والاسباب الظاهرية التي كان يطمئن إليها، وما كان يعلم من الاسباب إلاّ قليلاً من كثير، كقبس من نار، يضيء للانسان في الليلة الظلماء موضع قدمه، وهو غافل عمّا وراءه، لكن الله سبحانه محيط بالاسباب، وهو الناظم لها ينظمها كيف يشاء، ويأذن في تأثير ما لا علم له به من خباياها. وأمّا الرزق المعنوي الذي هو حقيقة الرزق الذي تعيش به النفس الانسانية وتبقى، فهو ممّا لم يمكن يحتسبه، ولا يحتسب طريق وروده عليه.

وبالجملة هو سبحانه يتولّى أمره، ويخرجه من مهبط الهلاك، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ولا يفقد من كماله والنعم التي كان يرجو نيلها بسعيه شيئاً، لانّه توكّل على الله، وفوّض إلى ربّه ما كان لنفسه. (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) دون سائر الاسباب الظاهرية التي تخطئ تارة وتصيب أُخرى. (إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) لانّ الامور محدودة محاطة له تعالى و(قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْء قَدْراً)([186]) فهو غير خارج عن قدره الذي قدّره به.

وأمّا نصيب من هو دونهم من المؤمنين فهو أنّ من يتّق الله ويتورّع عن محارمه، ولم يتعد حدوده، واحترم شريعته، فعمل بها (يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) من مضائق مشكلات الحياة، فإنّ شريعته فطرية، يهدي بها الله الانسان إلى ما تستدعيه فطرته، وتقضي به حاجته، وتضمن سعادته في الدنيا والآخرة (وَيَرْزُقُه) من الزوج والمال، وكلّ ما يفتقر إليه من طيب عيشه، وزكاة حياته (مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب) ولا يتوقّع، فلا يخف المؤمن أنّه إذا اتقى الله، واحترمحدوده، حرم طيب الحياة، وابتلي بضنك المعيشة، فإنّ الرزق مضمون، والله على ما ضمنه قادر.

(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله) فاعتزاله عن نفسه فيما تهواه وتأمر به، وإيثاره إرادة الله سبحانه على إرادة نفسه، والعمل الذي يريده الله، على العمل الذي تهواه وتريده نفسه، وبعبارة أُخرى تدين بدين الله وتعمل بأحكامه (فَهُوَ حَسْبُه) أي كافيه فيما يريده من طيب العيش، ويتمنّاه من السعادة بفطرته، لا بواهمته الكاذبة.

وذلك أنّه تعالى هو السبب الاعلى الذي تنتهي إليه الاسباب، فإذا أراد شيئاً فعله وبلغ ما أراده من غير أن تتغيّر إرادته، فهو القائل: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ)([187]) أو يحول بينه وبين ما أراده مانع، لانّه القائل: (وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)([188]).

وأمّا الاسباب الاُخر التي تشبّث بها الانسان في رفع حوائجه، فإنّما تملك من السببية ما ملّكها الله سبحانه، وهو المالك لما ملّكها، والقادر على ما عليه أقدرها، ولها من الفعل مقدار ما أذن الله فيه، فالله كاف لمن توكّل عليه لا غيره (إنَّ اللهُ بَالِغُ أَمْرِه) يبلغ حيث أراد، وهو القائل (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)([189])، (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْء قَدْراً) فما من شيء إلاّ له قدر مقدور، وحدّ محدود، والله سبحانه لا يحدّه حدّ ولا يحيط به شيء، وهو المحيط بكلّ شيء»([190]).

إذن عندما يدعو الانسان ربّه أن يكون مدخله مدخل صدق، ومخرجه مخرج صدق، ويريد اليسر والتيسير في حياته، فالطريق إلى ذلك يمرّ من خلال التقوى. قال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْق وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً)([191]). وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)([192]). وقال أيضاً: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى)([193]). وقال : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)([194]).

أي «لا يضلّ في طريقه ولا يشقى في غايته التي هي عاقبة أمره، وإطلاق الضلال والشقاء يقضي بنفي الضلال والشقاء عنه في الدنيا والآخرة جميعاً، وهو كذلك، فإنّ الهدى الالهي هو الدين الفطري الذي دعا إليه بلسان أنبيائه، ودين الفطرة هو مجموع الاعتقادات والاعمال التي تدعو إليها فطرة الانسان وخلْقته، بحسب ما جهز من الجهازات»([195]).

قال الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولو أنّ السموات والارضين كانتا على عبد رتقاً([196])، ثمّ اتقى الله، لجعل الله له منهما مخرجاً»([197]).

وقال أيضاً: «واعلموا أنّه من يتَّقِ اللهَ يجعلْ له مَخْرجاً من الفتن، ونوراً من الظلم»([198]).

وقال أيضاً: «فإنّ تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كلّ ملكة، ونجاة من كلّ هلكة، بها ينجح الطالب وينجو الهارب وتُنال الرغائب»([199]).

 

أثرالتقوى على ذرية الانسان

أشار القرآن إلى آثار التقوى بالنسبة إلى ذرية الانسان أيضاً، حيث نجد في قصّة ذلك العبد الصالح مع النبي موسى (عليه السلام) أنّ القرآن يحدّثنا بقوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)([200]).

فكان الجواب من العبد الصالح (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً)([201]). ففي الآية الكريمة دلالة واضحة على أنّ صلاح الآباء له آثار طيّبة على سعادة الابناء.

عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) يقول: «إنّ الله ليُصلح بصلاح الرجل المؤمن وُلده ووُلد وُلدِه، ويحفظه في دُوَيْرته ودُويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله» ثمّ ذكر الغلامين، فقال: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) ألم ترَ أنّ الله شكر صلاح أبويهما لهما»([202]). وكذلك عن زرارة وحُمران، عن أبي جعفر الباقر وأبي عبدالله الصادق (عليهما السلام) قال: «يحفظ الاطفال بأعمال آبائهم، كما حفظ الله الغلامين بصلاح أبيهما»([203]).

نظير هذه الآية قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)([204]) حيث لم «تؤمر الناس بالترحّم والترؤف ونحو ذلك، بل بالخشية واتقاء الله، وليس إلاّ أنّه تهديد بحلول ما أحلّوا بأيتام الناس، من إبطال حقوقهم وأكل مالهم ظلماً، بأيتام أنفسهم بعدهم، وارتداد المصائب التي أوردوها عليهم إلى ذريّتهم بعدهم»([205]).

لا يقتصر الامر على الآثار الفردية للتقوى في الدنيا، بل أشار القرآن الكريم إلى الآثار الاجتماعية المترتّبة على التقوى في هذه النشأة، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْبَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالاَْرْضِ)([206])، أي أنّ أهل القرى لو آمنوا واتّقوا لفتح الله سبحانه بركات السماء من الامطار والثلوج والحرّ والبرد وغير ذلك، كلّ في موقعه وبالمقدار النافع منه، وبركات الارض من النبات والفواكه والامن وغيرها، وهذا خير دليل على أنّ افتتاح أبواب البركات مسبّب لايمان أهل القرى جميعاً وتقواهم، أي أنّ ذلك من آثار إيمان النوع الانساني وتقواه»([207]).

نظير هذه الآية قوله تعالى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاََسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)([208])، «والمراد بالطريقة: طريقة الاسلام،والاستقامة عليها: لزومها والثبات عليها، على ما تقتضيه من الايمان بالله وآياته. والماء الغدق: الكثير منه.

ولا يبعد أن يستفاد من السياق أنّ قوله «لاسقيناهم ماءً غدقاً» مثل اُريد به التوسعة في الرزق، ويؤيّده قوله تعالى بعد هذه الآية: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)([209]). فيكون معنى الآية «وأنّه لو استقاموا» أي الجن والانس على طريقة الاسلام لله، لرزقناهم رزقاً كثيراً لنمتّعهم في رزقهم»([210]).

أجل، يبقى الكلام في معرفة كيف أنّ الاستقامة على طريقة الاسلام وهداه، تكون سبباً لفتح بركات السماء والارض على الانسان، وما هي العلاقة القائمة بين الايمان والتقوى وبين الرزق الكثير الوافر. وهذا ما نحاول الوقوف عليه، عند عرض الآثار السلبية للفجور في هذه النشأة، حيث سيتبيّن أنّ من الحقائق الناصعة التي أكّدها القرآن الكريم، أنّ أساس نزول النعم والنقم على الانسان، إنّما تدور مدار تقواه وفجوره.

...............................................................................................................................................................................................

 

التبعات السلبية للفجور في الدنيا

 

عندما ننتقل إلى البُعد الآخر ، نجد القرآن الكريم يؤكّدبوضوح أيضاً  الآثار الدنيوية المترتّبة على الفجور والانحراف عن الصراط المستقيم، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى)([211])، حيث دلّت الآية أنّ المكذِّب وغير المتّقي، يجد صعوبة وضنكاً وعدم تيسير في حياته، ولكنّه لا يعرف سبب ذلك.

من هنا قالت الآيات الكريمة: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاْخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)([212]).

قال الراغب في المفردات: «العيش: الحياة المختصّة بالحيوان، وهو أخصّ من الحياة، لانّ الحياة تقال في الحيوان وفي الباري وفي المَلَك. ويشتقّ منه المعيشة لما يتعيّش منه، قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)([213]) (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ)([214]) وقال في أهل الجنّة: (فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَة)([215])وقال (عليه السلام) : لا عيش إلاّ عيش الآخرة»([216]).

«والضنك هو الضيق من كلّ شيء، ويستوي فيه المذكّر والمؤنّث، يقال: مكان ضنك، ومعيشة ضنك، وهو في الاصل مصدر، ضَنُك يضنُك من باب شرف يشرف، أي ضاق.

وقوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي)([217]) يقابل قوله في الآية السابقة (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ)([218]) وكان مقتضى المقابلة أن يقال «ومن لم يتبع هداي» وإنّما عدل عنه إلى ذكر الاعراض عن الذكر، ليشير به إلى علّة الحكم، لانّ نسيانه تعالى والاعراض عن ذكره، هو السبب لضنك العيش والعمى يوم القيامة، وليكون توطئة وتمهيداً لما سيذكر من نسيانه تعالى يوم القيامة مَن نسيه في الدنيا. والمراد بذكره (تعالى): الدعوة الحقّة. وتسميتها ذكراً، لانّ لازم اتباعها والاخذ بها ذكره تعالى.

وقوله (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً) أي ضيّقة، وذلك أنّ من نسي ربّه، وانقطع عن ذكره، لم يبق له إلاّ أن يتعلّق بالدنيا، ويجعلها مطلوبه الوحيد الذي يسعى له ويهتم بإصلاح معيشته والتوسّع فيها والتمتّع بها، والمعيشة التي أوتيها في الدنيا، لا تسعه سواء كانت قليلة أو كثيرة، لانّه كلّما حصل منها واقتفاها، لم ترض نفسه بها ونزعت إلى ما هو أزيد وأوسع من غير أن تقف منها على حدّ، فهو دائماً في ضيق صدر وحنق ممّا وجد، متعلّق القلب بما وراءه مع ما يهجم عليه من الهمّ والغمّ والحزن والقلق والاضطراب، والخوف بنزول النوازل وعروض العوارض من موت ومرض وعاهة وحسد حاسد وكيد كائد وخيبة سعي وفراق حبيب.

ولو أنّه عرف مقام ربّه، ذاكراً غير ناس، أيقن أنّ له حياة عند ربّه، لا يخالطها موت، ومُلكاً لا يعتريه زوال، وعزّة لا يشوبها ذلّة، وفرحاً وسروراً ورفعة وكرامة لا تقدَّر بقدر ولا تنتهي إلى أمد، وأنّ الدنيا دار مجاز، وما حياتها في الآخرة إلاّ متاع (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ)([219])، فلو عرف ذلك قنعت نفسه بما قُدِّر له من الدنيا، ووسعه ما أوتيه من المعيشة من غير ضيق وضنك»([220])، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)([221])، حيث نبّهت الآية المباركة أنّ الانسان لا مفرّ له إلاّ بالتوجّه إليه تعالى، لانّ ذكره هو الذي يريح القلب، وينجيه من القلق والاضطراب، لانّ الانسان لا همّ له في حياته الدنيا إلاّ الفوز بالسعادة والنعمة، ولا خوف له إلاّ أن تحيط به النقمة والشقاء.

«والله سبحانه هو السبب الوحيد الذي بيده زمام الخير وإليه يرجع الامر كلّه، وهو القاهر فوق عباده، والفعّال لما يريد، وهو ولي عباده المؤمنين به، اللاجئين إليه، فذكره للنفس الاسيرة بيد الحوادث، الطالبة لركن شديد يضمن له السعادة، المتحيّرة في أمرها وهي لا تعلم أين تريد ولا أنّى يراد بها.

فكلّ قلب ـ على ما يفيده الجمع المحلّى باللام من العموم ـ يطمئن بذكر الله، ويسكن به ما فيه من القلق والاضطراب، نعم إنّما ذلك في القلب الذي يستحقّ أن يسمّى قلباً، وهو القلب الباقي على بصيرته ورشده، وأمّا المنحرف عن أصله، الذي لا يبصر ولا يفقه، فهو مصروف عن الذكر، محروم عن الطمأنينة والسكون، قال تعالى:(فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَْبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)([222]).

وقال: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا)([223])، وقال: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ)([224]).

وفي لفظ الآية ما يدلّ على الحصر، حيث قدّم متعلّق الفعل، أعني قوله: (بِذِكْرِ الله) على الفعل، فيفيد أنّ القلوب لاتطمئن بشيء غير ذكر الله سبحانه، لانّه تعالى هو الغالب غير المغلوب الغني ذو الرحمة، فبذكره سبحانه وحده تطمئن القلوب»([225]).

 

التبعات الوجودية

ولا تقتصر الآيات القرآنية على بيان التبعات السلبية للفجور في الحياة الفردية للانسان، بل تتجاوزها إلى ما هو أعمق غوراً وأوسع أثراً، حيث تثبت أنّ هناك رابطة مباشرة بين فجورالانسان وإفساده في الارض، وبين ظهور الكوارث والامراض ونحوهما.

ومعنى ذلك: «أنّ الحوادث الكونية تتبع الاعمال الانسانية بعض التبعية، فإذا جرى النوع الانساني على طاعة الله سبحانه وسلك الطريق الذي يرتضيه، فإنّه يستتبع نزول الخيرات وانفتاح أبواب البركات، أمّا إذا انحرف عن صراط العبودية، وتمادى في الغيّ والضلال، وفساد النيّات، وشناعة الاعمال، فإنّ ذلك يوجب ظهور الفساد في البرّ والبحر، وهلاك الاُمم بانتشار الظلم وارتفاع الامن وبروز الحروب وسائر الشرور الراجعة إلى الانسان وأعماله. وكذا تظهر المصائب والحوادث الكونية المبيدة، كالسيل والزلزلة والصاعقة والطوفان وغير ذلك، وقد عدّ الله سبحانه سيل العرم وطوفان نوح وصاعقة ثمود وصرصر عاد من هذا القبيل»([226]).

قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَشِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُل خَمْط وَأَثْل وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل * ذلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)([227]).

وقال في قوم نوح (عليه السلام): (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَاراً)([228]).

وقال تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([229]). وموارد أخرى أشار إليها القرآن الكريم.

ربما كانت أشمل آية دلّت على هذه الحقيقة القرآنية، هي قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)([230]) «وهي بظاهر لفظها عامّة، ولا تختصّ بزمان دون زمان، أو بمكان أو بواقعة خاصّة، فالمراد بالبرّ والبحر معناهما المعروف ويستوعبان سطح الكرة الارضية. والمراد بالفساد الظاهر: المصائب والبلايا الظاهرة فيهما، الشاملة لمنطقة من مناطق الارض، من الزلازل وقطع الامطار والسنين والامراض السارية والحروب والغارات وارتفاع الامن، وبالجملة كلّ ما يفسد النظام الصالح الجاري في العالم الارضي، سواء كان مستنداً إلى اختيار بعض الناس، أو غير مستند إليه، فكلّ ذلك فساد ظاهر في البرّ أو البحر مخلّ بطيب العيش الانساني. وقوله: (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) أي بسبب أعمالهم التي يعملونها من شرك أو معصية»([231]).

وهذا المعنى أُشير إليه في آية أُخرى، قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير)([232])، «والخطاب في الآية اجتماعي موجّه إلى المجتمع، غير منحلّ إلى خطابات جزئية، ولازمه كون المراد بالمصيبة التي تصيبهم، المصائب العامّة الشاملة كالقحط والغلاء والوباء والزلازل وغير ذلك، فيكون المراد أنّ المصائب والنوائب التي تصيب مجتمعكم، إنّما تصيبكم بسبب معاصيكم.

والحاصل أنّ الخطاب في الآية لعامّة الناس من المؤمن والكافر، وهو الذي يفيده السياق وتؤيّده الآية التالية، هذا أوّلاً. والمراد بما كسبته الايدي: المعاصي والسيّئات دون مطلق الاعمال، وهذا ثانياً. والمصائب التي تصيب إنّما هي آثار الاعمال في الدنيا; لما بين الاعمال وبينها من الارتباط والتداعي، دون جزاء الاعمال (الاخروي) وهذا ثالثاً»([233]).

فإذً إذا انغمر المجتمع في الرذائل والسيئات، وخرج عن الطريق الذي أودعه الله في فطرته (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ)([234]) أذاقه الله وبال أمره، وأدّى ذلك إلى إهلاكه وإبادته، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الاَْرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق)([235]).

وقال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)([236]). وقال أيضاً: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ)([237]).

وهذه من السنن الالهية التي أكّدها القرآن في مواضع كثيرة، وبيّن أنّها لا تقبل التبديل والتحويل، قال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الاُْمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الاَْرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الاَْوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً)([238]).

وقد أكّدت جملة وافرة من الروايات هذه الحقيقة القرآنية، منها:

1 ـ عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «خمس إن أدركتموهن فتعوّذوا منهنّ:

لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلاّ ظهر فيهم الطاعون، والاوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.

ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاّ أُخذوا بالسنين وشدّة المؤونة وجور السلطان.

ولم يمنعوا الزكاة إلاّ مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا.

ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلاّ سلّط الله عليهم عدوّهم، وأُخذوا بعض ما في أيديهم.

ولم يحكموا بغير ما أنزل الله إلاّ جعل الله عزّوجلّ بأسهم بينهم»([239]).

«الفاحشة هي الزنا، والسنة هي الجدب والقحط، والمؤونة هي القوت، وشدّة المؤونة ضيقها وعسر تحصيلها»([240]).

قال المازندراني في شرح أصول الكافي: «إنّ الاوّل لما كان فيه تضييع آلة النسل، ناسبه الطاعون الموجب لانقطاع النسل. والثاني لما كان فيه زيادة المعيشة، ناسبه القحط وشدّة المؤونة وجور السلطان بأخذ المال وغيره، والثالث لما كان فيه منع ما أعطاه الله بتوسط الماء، ناسبه منع نزول المطر من السماء. والرابع لما كان فيه ترك العدل، والحاكم العادل، ناسبه تسلّط العدوّ وأخذ الاموال. والخامس لما كان فيه رفض الشريعة وترك القوانين العدلية، ناسبه وقوع الظلم بينهم وغلبة بعضهم على بعض.

وفيه تنبيه على أنّ لهذه الاُمور تأثيراً عظيماً في نزول هذه البلايا، وورود هذه المصائب، لاستعداد أهلها بالانهماك فيها، وعدم المبالاة بها، لسخط الله وعقوبته.

وأشار بقوله: «ولولا البهائم لم يمطروا» إلى أن وجود البهائم رحمة للناس، وسبب لوصول فيض الحقّ إليهم، وذلك لانّ بقاء البهائم ونشوءها بالماء والكلاء، وهو متوقّف على نزول المطر من السماء، فإذا نزل المطر رعاية لحالها وحفظاً لنظام أحوالها، انتفع به بنو آدم أيضاً، كما دلّت عليه حكاية النملة واستسقائها وقولها «اللّهم لا تؤاخذنا بذنوب بني آدم». وكما أنّ عقوبة الله عزّوجل قد تعمّ الابرار بشؤم الاشرار، كذلك رحمة الله قد تعمّ الاشرار لرعاية الضعفاء والاخيار.

ولعلّ المراد بعهد الله وعهد رسوله، هو العهد بنصرة الامام الحقّ واتباعه في جميع الامور، وظاهر أنّ ذلك موجب لظهور العدل بينهم وحفظ أموالهم ودمائهم، وقطع أيدي الاعداء عنهم. وأنّ نقض ذلك العهد والهجران عن الامام، موجب لتسلّط سلطان الجور عليهم وأخذ أموالهم وسفك دمائهم، كما هو مشاهد الآن في أقطار الارض. وأمّا جعل بأسهم بينهم وهو القوّة والشدّة والعذاب، فكأنّ المراد به غلبة بعضهم على بعض، بالتعدّي والطغيان ومعاونة بعضهم لبعض على الظلم والعدوان»([241]).

2 ـ عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: «إذا فشت أربعة، ظهرت أربعة: إذا فشا الزنا ظهرت الزلزلة، وإذا فشا الجور في الحكم احتبس القطر، وإذا خفرت الذمة([242]) أُديل([243]) لاهل الشرك من أهل الاسلام، وإذا منعت الزكاة ظهرت الحاجة»([244]).

3 ـ عن الامام زين العابدين (عليه السلام) : «الذنوب التي تغيّر النعم، البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النعم، وترك الشكر، قال الله عزّوجلّ: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)([245]).

والذنوب التي تُنزل النِقم: عصيان العارف بالبغي، والتطاول على الناس، والاستهزاء بهم، والسخرية منهم.

والذنوب التي تنزل البلاء: ترك إغاثة الملهوف، ومعاونة المظلوم، وتضييع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والذنوب التي تُديل الاعداء: المجاهرة بالظلم، وإعلان الفجور، وإباحة المحظور، وعصيان الاخيار، والاتباع للاشرار.

والذنوب التي تعجِّل الفناء: قطيعة الرحم، واليمين الفاجرة، والاقوال الكاذبة، والزنا، وسدّ طرُق المسلمين، وادّعاء الامامة بغير حقّ.

والذنوب التي تحبس غيث السماء: جور الحكّام في القضاء، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، ومنع الزكاة والقرْض والماعون، وقساوة القلوب على أهل الفقر والفاقة، وظلم اليتيم والارملة، وانتهار السائل وردّه بالليل»([246]).

ثمّ أشار الامام (عليه السلام) إلى جملة من الآثار الفردية للذنوب، حيث قال: «والذنوب التي تردّ الدعاء: سوء الامنية، وخُبث السريرة، والنفاق مع الاخوان، وترك التصديق بالاجابة، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، وترك التقرّب إلى الله عزّوجلّ بالبرّ والصدقة، واستعمال البذاء والفحش في القول.

والذنوب التي تقطع الرجاء: اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والثقة بغير الله، والتكذيب بوعد الله عزّوجلّ.

والذنوب التي تكشف الغطاء: الاستدانة بغير نيّة الاداء، والاسراف في النفقة على الباطل، والبُخل على الاهل والولد وذوي الارحام، وسوء الخُلق، وقلّة الصبر، واستعمال الضجر والكسل، والاستهانة بأهل الدين.

والذنوب التي تورث الندم: قتل النفس التي حرّم الله، قال الله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ)([247])، وقال عزّوجلّ في قصّة قابيل حين قتل هابيل فعجز عن دفنه: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)([248])، وترك صلة القرابة حتى يستغنوا، وترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وترك الوصية وردّ المظالم، ومنع الزكاة حتى يحضر الموت وينغلق اللسان.

والذنوب التي تدفع القِسْم (النصيب والحظ) إظهار الافتقار، والنوم عن العتمة، وعن صلاة الغداة، واستحقار النعم، وشكوى المعبود عزّوجلّ.

والذنوب التي تهتك العِصَم: شرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يُضحك الناس من اللغو والمِزاح، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب»([249]).

...............................................................................................................................................................................................

الرابطة الوجودية

بين أعمال الانسان والحوادث الكونية

 

من الحقائق التي أكّدها القرآن الكريم في آيات عديدة، أشرنا إلى بعضها إجمالاً، أنّ هناك نحواً من الارتباط الوجودي والتكويني بين أعمال الانسان، أعمّ من أن تكون حسنات أو سيئات، وبين النظام الكوني، بنحو لو جرى الفرد أو المجتمع على ما تقتضيه الفطرة الالهية من الاعتقاد بالله تعالى، والعمل الصالح، لنزلت عليه الخيرات وفتحت عليه أبواب البركات، والعكس بالعكس.

هنا قد يطرح تساؤل مهمّ، مفاده: أنّ الحوادث العامة والخاصة التي تصيب الانسان من خير أو شرّ، لها علل طبيعية وقوانين وسنن مادية تحكمها، إذا تحقّقت تلك الاسباب والعلل، تحقّقت معاليلها التي ترتبط بها، سواء صلحت النفوس أو طلحت، وبتعبير قرآني سواء استقامت على الطريقة أم انحرفت عنها، وعليه فلا مجال لربط هذه الحوادث بالاعمال الحسنة أو السيّئة للانسان.

الجواب: أنّ هذا التساؤل ناشئ من عدم فهم السنن الالهية التي أودعها الله تعالى في هذا العالم. توضيح ذلك: أنّ العالم بما فيه من الاجزاء متّصل بعضه ببعض، اتصال أعضاء بدن واحد، بنحو يؤثّر صحّة وسقم بعض أجزائه، على صحّة وسقم الاجزاء الاُخر، والجميع على ما يثبته القرآن الكريم سائر إلى الله سبحانه، سالك نحو الغاية التي قدّرت له، قال الله تعالى: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)([250])، فكلّ شيء مهدي نحو كماله بما جهّز به في وجوده من القوى والادوات التي يمكنه من خلالها الانتهاء إلى الغاية التي خُلق من أجلها. وقال تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَهَا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم)([251])، وقال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلاَْرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)([252]).

والتعبير بلفظ الجمع، دون أن تقولا «أتينا طائعتين» لعلّه للاشارة إلى أنّهما أيضاً غير متميّزتين من سائر مخلوقاته تعالى، المطيعة لامره، السائرة في قافلة الوجود للرجوع إليه تعالى: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)([253]).

ربما كانت أوضح آية دلّت على الترابط الوثيق بين أجزاء هذا العالم، هو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)([254]) وتقريب الاستدلال هو أن يقال: «إنّ قوام هذا العالم هو بارتباط أجزائه بعضها ببعض، فإنّ الاجزاء الحالية ترتبط بالاجزاء التي سوف تحدث من حيث إنّها تشكِّل موادّها وتهيئ الارضية لحدوثها، كما أنّها حدثت من الاجزاء السابقة، والاجزاء المتزامنة يرتبط بعضها ببعض بأنواع من التأثير والتأثّر والفعل والانفعال، ممّا يؤدّي إلى نموّ بعضها وذبول بعضها الآخر، إلى غير ذلك . فماء البحر يتسخّن بضوء الشمس فيتبخّر ويصعد إلى الجوّ سحاباً، ثمّ يتبدّل بتأثير العوامل الجويّة إلى المطر، فينزل على سطح الارض فينمو به النبات، فيأكله الحيوان، كما أنّ الانسان يتغذّى به وبلحم الحيوان.

فلكلّ جزء من أجزاء هذا العالم ارتباط عرْضي بالاجزاء المتزامنة، وارتباط طولي زماناً بالاجزاء السابقة واللاحقة، ممّا يجعل الكلّ منتظماً بنظام واحد شامل، فيحتاج بعضها إلى بعض في حدوثه وبقائه ونشوئه وتحوّله . فلو فرضنا وجود علل متعدّدة وأرباب متفرّقة لهذا العالم، لزم انعزال أجزائه بعضها عن بعض، لقيام كلّ جزء منه حينئذ بعلّته بلا واسطة، أو بوساطة معلولاتها، فينعزل عن غيرها وعن معلولات غيرها، ويؤدى هذا إلى فساد النظام الحاكم على العالم»([255])، لذا قال تعالى: (مَا مِنْ دَابَّة إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)([256]).

ربما لهذا قالت الآية: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)([257])، حيث أشارت إلى ما تقدّم بـ «هذا» مع كونه جمعاً ومؤنثاً، لتبيّن أنّ النظام الحاكم على هذا العالم واحد.

والحاصل «أنّ الله سبحانه هو الذي خلق كلّ شيء فقدّره تقديراً، وهداه إلى ما يسعده، ولم يخلق العالم سدىً، ولا شيئاً من أجزائه ومنها الانسان لعباً، بل إنّما خلق ما خلق ليتقرّب منه ويرجع إليه، وهيأ له منزل سعادة يندفع إليه بحسب فطرته بإذن الله تعالى، وجعل له سبيلاً ينتهي إلى سعادته، فإذا سلك سبيله الفطري فهو، وإلاّ فإذا اختلّ أمر بعض أجزائه، وخاصة الاجزاء الشريفة، وضعف أثره وانحرف عن مستقيم صراطه، بان أثر فساده في غيره، وانعكس ذلك منه إلى نفسه في الآثار التي يرسلها ذلك الغير إليه، وهي آثار غير ملائمة لحال هذا الجزء المنحرف، وهي المحنة والبلية التي يقاسيها هذا السبب من ناحية سائر الاسباب.

فإن استقام بنفسه أو بإعانة من غيره، عاد إليه رفاه حاله السابق، ولو استمرّ على انحرافه واعوجاجه، وأدام فساد حاله، دامت له المحنة، حتى إذا طغى وتجاوز حدّه انتهضت عليه سائر الاسباب، وهاجت بقواها التي أودعها الله سبحانه فيها، لحفظ وجوداتها، فحطّمته ودكّته ومحته بغتةً وهو لا يشعر.

وهذه السنّة التي هي من السنن الكونية التي أقرّها الله سبحانه في الكون، غير متخلّفة عن الانسان، ولا الانسان مستثنى منها، فالامّة من الامم إذا انحرفت عن صراط الفطرة انحرافاً يصدّها عن السعادة الانسانية التي قدّرت غاية لمسيرتها في الحياة، كان في ذلك اختلال حال غيرها، ممّا يحيط بها من الاسباب الكونية المرتبطة بها. وينعكس إليها أثرها السيئ، الذي لا مسبّب لها إلاّ انحرافها عن الصراط وتوجيهها آثاراً سيئة من نفسها إلى تلك الاسباب. وعند ذلك تظهر اختلالات في المجتمع، ومحن عامّة في العلاقات التي تحكمه، كفساد الاخلاق وقسوة القلب وفقدان العواطف الرقيقة وهجوم النوائب، وتراكم المصائب والبلايا الكونية، كامتناع السماء من أن تمطر، والارض من أن تنبت، والبركات من أن تنزل، ومفاجأة السيول والطوفانات والصواعق والزلازل وخسف البقاع وغير ذلك، كلّ ذلك آيات إلهية تنبّه الانسان، وتدعو الامّة إلى الرجوع إلى ربّها، والعودة إلى ما تركته من صراط الفطرة المستقيم، وامتحان بالعسر بعدما امتحن باليسر.

تأمّل في قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)([258]) تراه شاهداً ناطقاً بذلك، فالآية تذكر أنّ المظالم والذنوب التي تكسبها أيدي الناس توجب فساداً في البرّ والبحر، ممّا يعود إلى الانسان، كوقوع الحروب وانقطاع الطرق وارتفاع الامن وغير ذلك، أو لا يعود إليه كاختلال الاوضاع الجوية والارضية التي يستضرّ بها الانسان في حياته ومعاشه»([259]).

والمتأمّل في الحوادث التي تقع في العقود الاخيرة، سواء على مستوى الحروب وزيادة الامراض، خصوصاً تلك التي لم يعهدها السابقون، كما أشارت إلى ذلك روايات سابقة، أم على مستوى الكوارث الطبيعية، يجد شاهد صدق على هذه الحقيقة القرآنية.

والدليل الذي أقامه القرآن لاثبات هذه الحقيقة «قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّموَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)([260])، وقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)([261])، حيث دلّتا أنّ صانعاً من الصنّاع لو صنع شيئاً لغاية معيّنة، كان مراقباً لامره، شاهداً على رأسه، بنحو إذا عرضه عارض يعوقه ويمنعه عن الوصول إلى الغاية التي صنعه لاجلها، وركّب أجزاءه للوصول إليها، أصلح حاله وتعرّض لشأنه بزيادة أو نقيصة، أو بإبطاله من رأس، والعود إلى صنعة جديدة.

كذلك الحال في خلق السموات والارض وما بينهما ومن جملتها الانسان، لم يخلق الله سبحانه ما خلقه عبثاً، ولم يوجده هباءً، بل للرجوع إليه، كما قال تعالى:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)([262])، «حيث دلّت الآية أنّه لو لم يكن هناك رجوع إليه تعالى، لكان خلقهم عبثاً ولعباً، وهو يقول: (وَمَا خَلَقْنَا السَّموَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ).

حينئذ من الضروري أن تتعلّق العناية الربّانية بإيصال الانسان، كسائر ما خلق من خلق إلى الغاية التي من أجلها خُلق; بالدعوة والارشاد، ثمّ بالامتحان والابتلاء، ثمّ بإهلاك مَن بطل في حقّه غاية الخلقة وسقطت عنه الهداية. فإنّ في ذلك إتقاناً للصنع في الفرد والنوع، وختماً للامر في أمة وإراحة لآخرين، قال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْم آخَرِينَ)([263]). (تدبّر في موضع قوله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ) حيث جعلت أن الرحمة الالهية هي السبب في استبدال قوم بآخرين).

وهذه السنّة الربّانية ، أعني سنّة الابتلاء والانتقام هي التي أخبر الله عنها، أنّها سنّة غير مغلوبة ولا مقهورة، بل غالبة منصورة، قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الاَْرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَنَصِير)([264])، وقال أيضاً: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (الصافات: 173))»([265]).

 

الخارج والمحتوى الداخلي

تبيّن ممّا تقدّم أنّ التدبير الالهي الحكيم يسوق الانسان وكلّ ما يحيط به وخلق لاجله (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ)([266]) إلى الغاية النهائية التي قدّرت لها (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)([267]) فإذا عرض لهذا السير مانع يوجب الاعاقة عن الهدف (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)([268]) قوبل ذلك بما يدفع العائق المذكور، إمّا بإصلاحه، أو إزالة الجزء الفاسد منه، نظير العاهة التي تعرض بعض أجزاء البدن، فإنّه إمّا أن يصلح إن أمكن أو يقطع ويجتثّ بعملية جراحية.

كذلك في النظام العام الذي يحكم عالم التكوين، فإنّ الاُمّة إن رجعت إلى صراط الفطرة والعبودية لله تعالى، بإصلاح نفسها، فيغيّر الله حالها إلى أحسن الحال، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)([269]) «حيث يمكن أن يستفاد من الآية العموم، وهو أن بين حالات الانسان النفسية وبين الاوضاع الخارجية نوع تلازم، سواء كان ذلك في جانب الخير أو الشرّ. فلو كان القوم على الايمان والطاعة وشكر النعمة، عمّهم الله بنعمه الظاهرة والباطنة ودام ذلك عليهم حتى يغيّروا، فيكفروا ويفسقوا، فيغيّر الله نعمه نقماً، ودام ذلك عليهم حتى يغيّروا، فيؤمنوا ويطيعوا ويشكروا، فيغيّر الله نقمه نعماً، وهكذا»([270]).

«أمّا إذا استمرّت الامّة على ضلالها وخبطها، طبع الله على قلوبهم فاعتادوا ذلك، وأصبحوا يحسبون أنّ الحياة الانسانية ليست إلاّ هذه الحياة المضطربة الشقيّة التي تزاحمها أجزاء العالم المادّي، وتضطهدها النوائب والرزايا، ويحطّمها قهر الطبيعة الكونية.

من هنا حاول الانسان أن يتسلّح بسلاح العلم، ليدفع قهر الطبيعة وحوادثها، بدل أن يرجع إلى نفسه، ليرى ما هي تلك الاسباب الحقيقية التي أدّت بالطبيعة أن تنتفض عليه، وتحوّل حياته إلى شقاء مستمرّ واضطراب وقلق دائم، فبدل أن يرجع إلى استقامة الطريق (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاََسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)([271]) وان تكون هذه المحن والمصائب والبلايا منبّهات للرجوع إليه تعالى: (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)([272]) تراه قد أخذه الخيلاء والتكبّر (اسْتِكْبَاراً فِي الاَْرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الاَْوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً)([273]) فظنَّ أنّ التقدّم العلمي في مجالات الحياة المختلفة، يجعله قادراً في التغلب على السنن الالهية التي أودعها الله تعالى في النظام الكوني، فتكون الطبيعة منقادة لاهوائه، ونسي أنّه لو اتبعته لفسدت السموات والارض، ولكان الانسان من أقدم أجزائها في الفساد وأسرعها في الهلاك، قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّموَاتُ وَالاَْرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)([274]).

قال الطباطبائي في ظل هذه الآية: «إنّ الانسان حقيقة كونية مرتبطة في وجودها بالكون العام، وله في نوعيته غاية هي سعادته، وقد خطّ له طريق إلى سعادته وكماله، يناله بطيّ الطريق المنصوب إليها، نظير غيره من الانواع الموجودة، وقد جهّزه الكون العام وخلْقته الخاصة به من القوى والآلات بما يناسب سعادته والطريق المنصوب إليها، وهي الاعتقاد والعمل اللذان ينتهيان به إلى سعادته.

فالطريق التي تنتهي بالانسان إلى سعادته، أعني الاعتقادات والاعمال الخاصّة، المتوسّطة بينه وبين سعادته، وهي التي تسمّى (الدين). وسنّة الحياة متعيّنة حسب اقتضاء النظام العام الكوني، والنظام الخاص الانساني الذي نسمّيه الفطرة، وتابعة لذلك، وهذا هو الذي يشير إليه تعالى بقوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)([275]).

فسنّة الحياة التي تنتهي بسالكها إلى السعادة الانسانية، طريقة متعيّنة، يقتضيها النظام بالحقّ، وتكشف عنها تجهيزات وجوده بالحقّ، وهذا الحقّ هو القوانين الثابتة غير المتغيّرة التي تحكم النظام الكوني، الذي أحد أجزائه النظام الانساني، وتدبّره وتسوقه إلى غاياته، وهو الذي قضى به الله سبحانه، فكان حتماً مقضياً.

فلو اتّبع الحق أهواءهم، فاقتضى لهم من الشرع ما تجازف به أهواؤهم، لم يكن ذلك إلاّ بتغيّر أجزاء الكون عمّا هي عليه، وتبدّل العلل والاسباب غيرها، وتغيّر الروابط المنتظمة إلى روابط جزافية مختلّة متدافعة، توافق مقتضياتها مجازفات أهوائهم، وفي ذلك فساد السموات والارض ومن فيهنّ في أنفسها، والتدبير الجاري فيها، لانّ كينونتها وتدبيرها مختلطان غير متمايزين، والخلق والامر متّصلان غير منفصلين»([276]).

فتحصّل ممّا تقدّم «أنّ الانسان كغيره من الانواع الكونية، مرتبط الوجود بسائر أجزاء الكون المحيطة به، ولاعماله في مسير حياته وسلوكه إلى منزل السعادة، ارتباط بغيره، فإن صلحت (أي الاعمال) للكون، صلحت أجزاء الكون له وفتحت له بركات السماء، وإن فسدت أفسدت الكون، وقابله الكون بالفساد، فإن رجع إلى الصلاح فبها، وإلاّ جرى على فساده، حتى إذا تعرّق (تجذّر) فيه، انتهض عليه الكون وأهلكه بهدم بنيانه وإعفاء أثره، وطهّر الارض من رجسه»([277]).

 

دور العلل الطبيعية في وجود الحوادث الكونية

هنا قد يقال: إنّه إذا كانت أعمال الانسان من خير وشرّ، هي السبب في وجود البلايا والمصائب والمحن التي تصيب الانسان، سواء منها ما كان يعود إلى الانسان، كوقوع الحروب وارتفاع الامن، أو لا يعود إليه، كاختلال الاوضاع الجويّة والارضية، وما يصاحبها من الزلازل والامطار المخرّبة ونحوها، فهذا معناه إبطال دور العوامل والاسباب الطبيعية في وجود تلك الحوادث، وهذا ما لا يمكن قبوله لا عقلاً ولا تجربة، بل هو مخالف لظاهر جملة من الآيات الواردة في المقام.

الجواب عن ذلك: أنّ هذا الكلام ناشئ عن سوء فهم وعدم تدبّر في الحقائق القرآنية، فإنّ القائلين بأنّ الاعمال حسنة كانت أو سيّئة هي التي تستتبع من الحوادث ما يناسبها ويسانخها خيراً أو شرّاً، لا يريدون بقولهم «إبطال العلل الطبيعية وإنكار تأثيرها، ولا تشريك الاعمال الانسانية مع العوامل المادية (بنحو يكون لكلّ منهما جزء التأثير) كما أنّ الالهيين لا يريدون بإثبات الصانع، إبطال قانون العلّية والمعلولية العام، وإثبات الاتفاق والصدفة في الوجود، أو تشريك الصانع مع العلل الطبيعية، واستناد بعض الامور إليه تعالى، والبعض الآخر إلى تلك العلل.

بل مرادهم إثبات علّة في طول علّة، وعامل معنوي فوق العوامل المادية، وإسناد التأثير إلى كلتا العلّتين، لكن بالترتيب»([278]).

وهذا من قبيل ما ذكره القرآن الكريم من إسناد التدبير إلى الله تعالى تارةً حيث قال: (يُدَبِّرُ الاَْمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الاَْرْضِ)([279])، وإسناد التدبير إلى الملائكة أخرى: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً)([280])، أو نسب التوفّي إلى الله تعالى مرّة (اللهُ يَتَوَفَّى الاَْنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)([281]) وإلى ملك الموت أخرى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)([282])، وإلى الرسل وهم الملائكة ثالثة: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ)([283]).

فإنّ مثل هذه الاسنادات المتعدّدة في الموضوع الواحد ـ وله نظائر كثيرة في القرآن ـ ليست عَرْضية، وإنّما هي طولية، بمعنى أنّ السبب القريب سبب للحادث ، والسبب البعيد سبب للسبب . ويمكن تقريب هذه الحقيقة، أعني السببية الطولية من خلال مثال حسّي، «وهي الكتابة التي يكتبها الانسان بيده وبالقلم، فللكتابة استناد إلى القلم، ثمّ إلى اليد التي توصّلت إلى الكتابة بالقلم، وإلى الانسان الذي توصّل إليها باليد وبالقلم، والسبب بحقيقة معناه هو الانسان المستقل بالسببية، من غير أن ينافي بسببيته استناد الكتابة بوجه إلى اليد والقلم»([284]).

وإلاّ فإنّ القرآن كما يثبت استناد الحوادث إلى أسبابها المادية والطبيعية، كذلك يصدق استنادها إلى الملائكة، ومن الواضح أنّه ليس لشيء من هذه الاسباب الطولية استقلال قباله تعالى، بنحو إذا استند إلى غيره سبحانه، يكون مانعاً من الاستناد إلى السبب الحقيقي الذي من ورائها (وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ)([285])، «على ما يقول به الوثنية من تفويضه تعالى تدبير الامر إلى الملائكة المقرّبين، فالتوحيد القرآني ينفي الاستقلال عن كلّ شيء من كلّ جهة (لاَ يَمْلِكُونَ لاَِنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً)([286])»([287]).

كذلك في المقام، فإن استناد الحوادث إلى عللها الطبيعية، لا يمنع من استنادها إلى أسباب معنوية مرتبطة بأفعال الانسان، في طول هذه العلل، ولا ينافي توسط هذه الاسباب الطولية في إيجاد تلك الحوادث، من أن تستند إليه تعالى، لانّه السبب الوحيد لها جميعاً، على ما يقتضيه توحيد الربوبية.

 

تساؤل مهمّ

في ختام هذا البحث لابدّ من الوقوف على تساؤل، قد يرد في المقام هو: لو كان الامر كما مرّ، من أنّ السنن الالهية تقتضي نحواً من التبعية بين أعمال الانسان خيراً وشرّاً وبين النظام الكوني، بنحو لو جرى المجتمع الانساني على ما تقتضيه الفطرة من الاعتقاد والعمل الصالح لنزلت عليه الخيرات والبركات، ولو أفسدوا أُفسد عليهم ذلك، فلماذا لا ينطبق ذلك على بعض الامم التي انحرفت عن صراط الفطرة، بل بالعكس فهي منعّمة بالنعم المادية، وتعيش الرفاه والامن والاستقرار؟

الجواب عن ذلك هو:

أوّلاً: أنّ القرآن الكريم بيّن أنّ الله تعالى لا يؤاخذ الناس بجميع ما كسبوا، بل يذيقهم بعض الذي عملوا، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِيعَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)([288]).

«أي ظهر ما ظهر لاجل أن يذيقهم الله وبال بعض أعمالهم السيّئة، بل ليذيقهم نفس ما عملوا، وقد ظهر في صورة الوبال، وقوله (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي يذيقهم ما يذيقهم رجاء أن يرجعوا من شركهم ومعاصيهم إلى التوحيد والطاعة»([289]).

وإنّما كان بعض ما عملوا لا جميعه، لانّ الله (سبحانه) برحمته يعفو عن كثير. قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير)([290])، وقال تعالى: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِير)([291]).

والسبب في أنّ الله تعالى يعفو عن كثير ممّا كسبوا، ولا يؤاخذ بها جميعاً، هو أنّه لو فعل ذلك لما ترك عليها من دابّة، قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِبَصِيراً)([292]).

والمراد من قوله (بِمَا كَسَبُوا) المعاصي التي ارتكبوها; بقرينة المؤاخذة التي هي العذاب، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة)([293]).

«ولا يبعد أن يدّعى أنّ السياق يدلّ على كون المراد بالدابّة، الانسان فقط من جهة كونه يدبّ ويتحرّك، والمعنى: ولو أخذ الله الناس بظلمهم مستمرّاً على المؤاخذة ما ترك على الارض من إنسان يدبّ ويتحرّك. أمّا جلّ الناس فإنّهم يهلكون بظلمهم، وأمّا الاقلّ النادر وهم الانبياء والائمّة المعصومون من الظلم، فهم لا يوجدون; لهلاك آبائهم واُمّهاتهم من قبل»([294]).

ثانياً: أنّ من السنن التي أشار إليها القرآن الكريم بالنسبة إلى الاُمم التي خرجت عن صراط العبودية لله تعالى، هي سنّة الاستدراج والاملاء. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِىّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالاَْرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([295]).

هذه الآيات الكريمة تلخّص سنن الله تعالى في الامم الغابرة «فتذكر أنّ أكثرهم كانوا فاسقين خارجين عن زيّ العبودية لله تعالى، ولم يفوا بالعهد والميثاق الذي أخذ منهم لاوّل يوم، وتبيّن أنّ ذلك كان هو السبب في وقوعهم في مجرى سنن خاصة إلهية يتبع بعضها بعضاً، وهي:

أنّ الله سبحانه كان كلّما أرسل إليهم نبيّاً من أنبيائه، يمتحنهم ويختبرهم بالبأساء والضرّاء ، فكانوا يعرضون عن آيات الله التي كانت تدعوهم إلى الرجوع إلى الله والتضرّع والانابة إليه، ولا ينتبهون بهاتيك المنبّهات. وهذه سنّة.

وإذا لم ينفع ذلك بُدّلت هذه السنّة بسنّة أُخرى، وهي الطبع على قلوبهم بتقسيتها وصرفها عن الحقّ، وجعلها متعلّقة بالشهوات المادية، وزينة الحياة الدنيا وبزخرفها ، وهذه سنّة المكر.

ثمّ تتبعها سنّة ثالثة، وهي الاستدراج ، وهي بتبديل السيئة حسنة، والنقمة نعمة، والبأساء والضراء سراء، وفي ذلك تقريبهم يوماً فيوماً وساعة فساعة إلى العذاب الالهي، حتى يأخذهم بغتةً وهم لا يشعرون به، لانّهم كانوا يرون أنفسهم في مهد الامن والسلام، فرحين بما عندهم من العلم، وما هو تحت اختيارهم من الوسائل الكافية ـ على زعمهم ـ في دفع ما يهدّدهم بهلاك أو يؤذنهم بالزوال»([296]).

أمّا السنّة الاُولى فقد أشار إليها قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ)([297]) حيث دلّت هذه الآية «أنّ السنّة الالهية جرت على أنّه كلّما أرسل نبيّاً من الانبياء إلى قرية من القرى ـ وما يرسلهم إليهم إلاّ ليهديهم سبيل الرشاد ـ ابتلاهم بشيء من الشدائد في النفوس والاموال، رجاء أن يبعثهم ذلك إلى التضرّع إليه سبحانه، ليتمّ بذلك أمر دعوتهم إلى الايمان بالله والعمل الصالح.

فالابتلاءات والمحن نعْم العون لدعوة الانبياء، فإنّ الانسان ما دام على النعمة، شغله ذلك عن التوجّه إلى من أنعمها عليه واستغنى بها، وإذا سلب النعمة أحس بالحاجة، ونزلت عليه الذلّة والمسكنة، وعلاه الجزع، فيبعثه ذلك بحسب الفطرة إلى الالتجاء والتضرّع إلى من بيده سدّ خلّته وحاجته، ودفع ذلّته، وهو الله سبحانه، وإن كان لا يشعر به، وإذا نبّه عليه كان من المرجو اهتداؤهإلى الحقّ، قال تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الاِْنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيض)([298]).

وأمّا السنّة الثانية فقد أشار إليها قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)([299]).

تبديل الشيء شيئاً، وضع الشيء الثاني مكان الشيء الاوّل، والسيئة والحسنة معناهما ظاهر، والمراد بهما ما هما كالشدّة والرخاء، والخوف والامن، والضراء والسراء (أي مطلق ما يسوء الانسان من الشدائد وما يسرّه). وقوله (حَتّى عَفَوا) لا يبعد أن يكون من العفو بمعنى إمحاء الاثر، فيكون المراد أنّهم محوا بالحسنة التي أُوتوها آثار السيئة السابقة.

والمعنى المتحصّل من الآية، أنّنا آتيناهم النعم مكان النقم، فاستغرقوا فيها إلى أن نسوا ما كانوا عليه حال الشدّة، وقالوا: إنّ هذه الحسنات وتلك السيئات من عادة الدهر فانتهى بهم إرسال الشدّة ثمّ الرخاء إلى هذه الغاية، وكان ينبغي لهم أن يتذكّروا عند ذلك ويهتدوا إلى مزيد الشكر بعد التضرّع لكنّهم غيّروا الامر فوضعوا هذه الغاية مكان تلك الغاية التي رضيها لهم ربّهم، فطبع الله بذلك على قلوبهم فلا يسمعون كلمة الحقّ.

وقوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) تلويح إلى جهل الانسان بجريان الامر الالهي (والسنّة الالهية) ولذا كان الاخذ بغتةً وفجأةً من غير أن يشعروا به، وهم يظّنون أنّهم عالمون بمجاري الامور، وخصوصيات الاسباب، وباستطاعتهم أن يتّقوا ما يهدّدهم من أسباب الهلاك بوسائل دافعة يهديهم إليها العلم، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)([300])»([301]).

وأمّا السنّة الثالثة فقد أشار إليها قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ)([302])، قال الراغب في المفردات: «سنستدرجهم» معناه نأخذهم درجة فدرجة، وذلك إدناؤهم من الشيء، شيئاً فشيئاً، كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها»([303]).

فيكون المراد هنا «الاستدناء من الهلاك، وتقييد الاستدراج بكونه من حيث لا يعلمون للدلالة على أنّ هذا التقريب خفيّ غير ظاهر عليهم، بل مستبطن فيما يتلهون فيه من مظاهر الحياة المادّية، فلا يزالون يقتربون من الهلاك باشتداد مظالمهم، فهو تجديد نعمة بعد نعمة حتى ليصرفهم التلذّذ بها عن التأمّل في وبال أمرهم، كما مرّ في قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا)([304]).

وببيان آخر، لما انقطع هؤلاء عن ذكر ربّهم، وكذّبوا بآياته، سلبوا اطمئنان القلوب وأمنها، فتشبّثوا بذيل الاسباب التي من دون الله، وعذِّبوا باضطراب النفوس وقلق القلوب، وقصور الاسباب وتراكم النوائب، وهم يظنّون أنّ ذلك هي طبيعة الحياة الدنيا، ناسين معنى حقيقة الحياة السعيدة، فلا يزالون يستزيدون من مهلكات زخارف الدنيا، فيزدادون عذاباً، وهم يحسبونه زيادة في النعمة، حتى يردوا عذاب الآخرة، وهو أمرّ وأدهى، فهم يُستدرجون في العذاب من لدن تكذيبهم بآيات ربّهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون»([305]).

قال تعالى: (أَلاَ بِذِكْرِاللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)([306]) وقال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً)([307]). وقال: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ مَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لاَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)([308])، وقال: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)([309]).

«حيث نهى الله سبحانه نبيّه (صلّى الله عليه وآله) عن الاعجاب بأموال المنافقين وأولادهم، أي بكثرتها على ما يعطيه السياق، وعلّل ذلك بأنّ هذه الاموال والاولاد، وهي شاغلة للانسان لا محالة، ليست من النعمة التي تهتف لهم بالسعادة، بل من النقمة التي تجرّهم إلى الشقاء، فإنّ الله وهو الذي خوّلهم إيّاها، إنّما أراد بها تعذيبهم في الحياة الدنيا، وتوفّيهم وهم كافرون.

فإنّ الحياة التي يُعدّها الموجود الحيّ سعادة لنفسه وراحة لذاته، إنّما تكون سعادة فيها الراحة والبهجة إذا جرت على حقيقة مجراها، وهو أن يلتبس الانسان بواقع آثارها من العلم النافع والعمل الصالح، من غير أن يشتغل بغير ما فيه خيره ونفعه، فهذه هي الحياة التي لا موت فيها، والراحة التي لا تعب معها، واللّذة التي لا ألم دونها، وهي الحياة في ولاية الله، قال تعالى: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)([310]).

وأمّا من اشتغل بالدنيا وجذبته زينتها من مال وبنين إلى نفسها، وغرّته الآمال والاماني الكاذبة التي تتراءى له منها، واستهوته الشياطين ، فقد وقع في تناقضات القوى البدنية، وتزاحمات اللذائذ المادية، وعذِّب أشدّ العذاب بنفس ما يرى فيه سعادته ولذّته، فمن المشاهد المعاين أنّ الدنيا كلّما زادت إقبالاً على الانسان، ومتّعته بكثرة الاموال والاولاد، أبعدته عن موقف العبودية، وقرّبته إلى الهلاك وعذاب الروح، فلا يزال يتقلّب بين هذه الاسباب الموافقة والمخالفة، والاوضاع والاحوال الملائمة والمزاحمة، فالذي يسمّيه هؤلاء الغافلون سعة العيش، هو بالحقيقة ضنك وضيق كما قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)([311]).

فغاية إعراض الانسان عن ذكر ربّه، وانكبابه على الدنيا، يبتغي به سعادة الحياة وراحة النفس ولذّة الروح، أن يعذّب بين أطباق هذه الفتن التي يراها نعماً، ويكفر بربّه بالخروج عن زيّ العبودية، كما قالت الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)([312]) وهو الاملاء والاستدراج اللذان ذكرهما الله في قوله (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)([313])».([314])

وقد أشارت آيات سورة «فاطر» إلى جملة هذه السنن الالهية، الحاكمة في المجتمعات الانسانية، قال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الاُْمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الاَْرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الاَْوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْء فِي السَّموَاتِ وَلاَ فِي الاَْرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً)([315]).

...............................................................................................................................................................................................

 

آثار التقوى في النشأة الاُخرى

 

أشار القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى الآثار المترتّبة على التقوى في النشأة الاخرى. ولما كان منهج هذه الدراسة قائماً على الاختصار، نحاول الوقوف على فهرست لعناوين الابحاث التي أشار إليها القرآن في هذا المجال:

قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر)([316]).

قال الرازي «قوله (فِي مَقْعَدِ صِدْق) يدلّ على لبث لا يدلّ عليه المجلس، وذلك لانّ «قعد وجلس» ليسا على ما يظنّ أنّهما بمعنى واحد لا فرق بينهما، بل بينهما فرق، ولكن لا يظهر إلاّ للبارع، والفرق هو أنّ القعود جلوس فيه مكث حقيقة واقتضاءً»([317]).

وقال الطباطبائي : «المراد بالصدق، صدق المتّقين في إيمانهم وعملهم، أضيف إليه المقعد لملابسة ما، ويمكن أن يراد به كون مقامهم وما لهم فيه صدقاً لا يشوبه كذب، فلهم حضور لا غيبة معه، وقرب لا بُعد معه، ونعمة لا نقمة معها، وسرور لا غمّ معه، وبقاء لا فناء معه»([318]).

وأمّا قوله: (عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر)، المليك صيغة مبالغة للمُلك، والمقتدر القادر العظيم القدرة وهو الله سبحانه. وإنّما قال (عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر) «لانّ القربة من الملوك لذيذة; كلّما كان الملِك أشدّ اقتداراً كان المتقرّب منه أشد التذاذاً، وفيه إشارة إلى مخالفة معنى القرب منه من معنى القرب من الملوك، فإنّ الملوك يقرّبون من يكون ممّن يحبّونه وممّن يرهبونه، مخافة أن يعصوا عليه وينحازوا إلى عدوّه فيغلبونه، والله تعالى مُقْتَدِر لا يقرّب أحداً إلاّ بفضله»([319]) فلا يصل إلى هذا المقام إلاّ من أحبّه الله وارتضاه علماً وعملاً.

وفي «مصباح الشريعة»: قال الصادق (عليه السلام) بعد أن ذكر التقوى: «وفيه جماع كلّ عبادة صالحة، وبه وصل من وصل إلى الدرجات العلى، وبه عاش من عاش بالحياة الطيّبة والانس الدائم، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر)»([320]).

وفي «تأويل الآيات الظاهرة»: «أنّ جابر بن عبدالله قال: كنّا عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المسجد، فذكر بعض أصحابه الجنّة، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : إنّ أوّل أهل الجنّة دخولاً إليها علي بن أبي طالب، فقال أبو دجانة الانصاري: يا رسول الله أخبرتنا أنّ الجنّه محرّمة على الانبياء حتى تدخلها، وعلى الامم حتى تدخلها أمّتك؟

فقال (صلّى الله عليه وآله) : بلى يا أبا دجانة، أما علمت أنّ لله لواءً من نور وعموداً من نور، خلقهما الله قبل أن يخلق السموات والارض بألفي عام، مكتوب على ذلك اللواء، لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، خير البرية آل محمّد، صاحب اللواء علي وهو إمام القوم.

فقال علي (عليه السلام) : الحمد لله الذي هدانا بك يا رسول الله وشرّفنا.

فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : أبشر يا علي ما من عبد ينتحل مودّتك إلاّ بعثه الله معنا يوم القيامة.

وجاء في رواية أخرى: يا علي أما علمت أنّه من أحبّنا وانتحل مودّتنا أسكنه الله معنا؟ وتلا هذه الآية: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَر* فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر)([321]).

 

دوام الخلّة

قال تعالى: (الاَْخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)([322]).

«الاخلاّء: جمع خليل وهو الصديق، حيث يرفع خلّة صديقه وحاجته، والظاهر أنّ المراد بالاخلاّء المطلق الشامل للمخالّه والتحابّ في الله، كما في مخالّة المتّقين أهل الآخرة، والمخالّة في غيره كما في مخالّة أهل الدنيا، فاستثناء المتّقين متّصل.

والوجه في عداوة الاخلاّء غير المتّقين، أنّ من لوازم المخالّة إعانة أحد الخليلين الآخر في مهام أموره، فإذا كانت لغير وجه الله، كان فيها الاعانة على الشقوة الدائمة والعذاب الخالد، كما قال تعالى حاكياً عن الظالمين يوم القيامة: (يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي)([323])، وأمّا الاخلاّء من المتّقين فإنّ مخالّتهم تتأكّد وتنفعهم يومئذ»([324]).

عن سعد بن معاذ قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «إذا كان يوم القيامة، انقطعت الارحام، وقلّت الانساب، وذهبت الاخوّة ، إلاّ الاخوّة في الله، وذلك قوله: (الاَْخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)»([325]).

عن الحارث عن الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في خليلين مؤمنين وخليلين كافرين: «فأمّا الخليلان المؤمنان فتخالاّ حياتهما في طاعة الله تبارك وتعالى، وتباذلا عليها وتوادّا عليها، فمات أحدهما قبل صاحبه، فأراه الله منزله في الجنّة، يشفع لصاحبه. فقال: يا ربّ خليلي فلان. كان يأمرني بطاعتك، ويعينني عليها، وينهاني عن معصيتك، فثبّته على ما ثبّتني عليه من الهدى، حتى تُريه ما أريتني، فيستجيب الله له حتى يلتقيان عند الله عزّوجلّ، فيقول كلّ واحد لصاحبه، جزاك الله من خليل خيراً، كنتَ تأمرني بطاعة الله، وتنهاني عن معصيته.

وأمّا الكافران، فتخالاّ بمعصية الله وتبادلا عليها، وتوادّا عليها، فمات أحدهما قبل صاحبه، فأراه الله تعالى منزله في النار. فقال: ياربّ خليلي فلان، كان يأمرني بمعصيتك، وينهاني عن طاعتك، فثبّته على ما ثبّتني عليه من المعاصي، حتى تُريه ما أريتني من العذاب، فيلتقيان عند الله يوم القيامة، يقول كلّ واحد منهما لصاحبه: جزاك عنّي من خليل شرّاً، كنت تأمرني بمعصية الله، وتنهاني عن طاعته، قال: ثمّ قرأ: (الاَْخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)»([326]).

قال تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً)([327]).

قال الراغب في المفردات: «يقال وَفَدَ القوم يَفِدُ وِفادة وهم وَفْد ووفود، وهم الذين يقدمون على الملوك مستنجزين الحوائج، ومنه الوافد من الابل وهو السابق لغيره»([328]). وهذا المعنى الذي ذكره هو المشهور، ومن هنا قيل: «إنّ لفظة الوفد مشعرة بالاكرام والتبجيل حيث آذنت بتشبيه حالة المتّقين بحالة وفود الملوك، وليس المراد حقيقة الوفادة من سائر الحيثيات، لانّها تتضمّن الانصراف من الموفود عليه، والمتّقون مقيمون أبداً في ثواب ربّهم عزّوجلّ. والكلام على تقدير مضاف، أي إلى كرامة الرحمن أو ثوابه وهو الجنّة أو إلى دار كرامته أو نحو ذلك. وفي اختيار «الرحمن» في هذه الآية شأن، ولعلّه أنّ مساق الكلام فيها لتعداد النعم الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها، فكأنّه قيل: هنا يوم نحشر المتّقين إلى ربّهم الذي غمرهم من قبل برحمته وشملهم برأفته، وحاصله يوم نحشرهم إلى من عوّدهم الرحمة، وفي ذلك من عظيم البشارة ما فيه»([329]).

عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سُئل عن قول الله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً).

فقال: يا علي إنّ الوفد لا يكون إلاّ ركباناً، أولئك رجال اتّقوا الله فأحبّهم الله عزّ ذكره، واختصهم ورضي أعمالهم فسمّاهم المتّقين.

ثمّ قال له: يا علي، أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّهم ليخرجون من قبورهم، وإنّ الملائكة لتستقبلهم بنُوق من نوق العزّ، عليها رحائل الذهب مكلّلة بالدرّ والياقوت، وجِلالها الاستبرق والسندس، وخُطُمها جُدُل الارْجوان، تطير بهم إلى المحشر، مع كلّ رجل منهم ألف مَلَك من قدّامه، وعن يمينه وعن شماله، يزفّونهم زفّاً حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنّة الاعظم. وعلى باب الجنّه شجرة، إنّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من الناس، وعن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكيّة.

قال: فيسقون منها شربة، فيطهّر الله بها قلوبهم من الحسد، ويسقط من أبشارهم الشعر، وذلك قول الله عزّوجلّ: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً)([330]) من تلك العين المطهّرة.

قال: ثمّ يصرفون إلى عين أخرى عن يسار الشجرة، فيغتسلون فيها وهي عين الحياة، فلا يموتون أبداً.

قال: ثمّ يوقف بهم قدّام العرش، وقد سلموا من الآفات والاسقام والحرّ والبرد أبداً. قال: فيقول الجبّار جلّ ذكره للملائكة الذين معهم: احشروا أوليائي إلى الجنّة، ولا توقفوهم مع الخلائق، فقد سبق رِضاي عنهم، ووجبت رحمتي لهم، وكيف أُرِيد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات والسيئات؟

قال: فتسوقهم الملائكة إلى الجنّة، فإذا انتهوا بهم إلى باب الجنّة الاعظم، ضرب الملائكة الحلقة ضربة، فتصرّ صريراً، فيبلغ صوت صريرها كلّ حوراء أعدّها الله عزّوجلّ لاوليائه في الجنان، فيتباشرن بهم إذا سمعن صرير الحلقة، فيقول بعضهم لبعض: قد جاءنا أولياء الله، فيفتح لهم الباب، فيدخلون الجنّة، وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين.

فيقُلن مرحباً بكم، فما كان أشدّ شوقنا إليكم، ويقول لهن أولياء الله مثل ذلك»([331]).

قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَام أَمِين * فِي جَنَّات وَعُيُون* يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُس وَإِسْتَبْرَق مُتَقَابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَة آمِنِينَ * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الاُْولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)([332]).

قال تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الاَْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)([333]).

قال تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الاْخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)([334]).

عن أبي إسحاق الهمداني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كتب لمحمد بن أبي بكر، ولاهل مصر حين ولاّه في حديث طويل، قال (عليه السلام) : «يا عباد الله، إنّ أقرب ما يكون العبد من المغفرة والرحمة حين يعمل لله بطاعته وينصحه في توبته، عليكم بتقوى الله، فإنّها تجمع الخير، ولا خير غيرها، ويدرك بها من الخير ما لايدرك بغيرها، من خير الدنيا وخير الآخرة، قال: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الاْخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ)»([335]).

 

طرق تحصيل التقوى

أشار القرآن الكريم والروايات الواردة عن العترة المطهرين، إلى طريقين أساسيين لتحصيل التقوى:

الاوّل: الغايات الاخروية.

الثاني: الحبّ الالهي.

 

الطريق الاوّل: الغايات الاخروية

إنّ التدبّر في الآيات القرآنية ينتهي بنا إلى أن من أهمّ المسؤوليات التي اُلقيت على عاتق الانبياء جميعاً، هي إنذار أممهم من عذاب النار، فيما لو خرجوا عن زيّ العبودية لله تعالى، وتبشيرهم بالجنّة ونعيمها الدائم، فيما لو أطاعوا الله ورسله. والآيات في بيان هذه الحقيقة كثيرة جدّاً. قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)([336])، وقال: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً)([337]).

وقال: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)([338]).

هكذا بالنسبة إلى خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله) حيث قال: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً)([339])، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً)([340])، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)([341]).

قال الراغب الاصفهاني في المفردات: «وأبشرتُ الرجل وبشّرته وبشرْته، أخبرته بسارّ بسط بشرة وجهه، وذلك أنّ النفس إذا بشّرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر». وقال: «والانذار: إخبار فيه تخويف، كما أنّ البشير إخبار فيه سرور»([342]).

لذا نجد القرآن الكريم عندما يصف المؤمنين يقول عنهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)([343]) «والمراد اشتغالهم بدعاء ربّهم في جوف الليل حتى تنام العيون وتسكن الانفاس، لا خوفاً من سخطه تعالى فقط حتى يغشيهم اليأس من رحمة الله، ولا طمعاً في ثوابه فقط حتى يأمنوا غضبه ومكره، بل يدعونه خوفاً وطمعاً»([344]).

وهذا الطريق هو المأثور عن الانبياء السابقين فيما ينقل إلينا من الكتب السماوية، ولم يتجاوز القرآن الكريم هذا المسلك ، بل اعتبره طريقاً جيّداً لاصلاح النفس من خلال الترهيب والتحذير من النار والترغيب في الجنّة.

قال تعالى: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)([345]). وقال: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)([346]) والباء في «بأنّ» للمقابلة، لذا ورد عن الامام علي عليه السلام: «إنّه ليس لانفسكم ثمن إلاّ الجنّة فلا تبيعوها إلاّ بها» لا بدراهم معدودة أو رئاسة أو جاه محدود وما إلى ذلك من العناوين الاعتبارية التي نتقاتل عليها كلّ صباح ومساء.

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام)([347]).

ومن كلمات إمام المتّقين عليّ (عليه السلام) في هذا المجال:

«ألا وانّي لم أرَ كالجنّة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها»([348]).

«فكفى بالجنّة ثواباً ونوالاً، وكفى بالنار عقاباً ووبالاً»([349]).

«فالجنّة غاية السابقين، والنار غاية المفرّطين»([350]).

 

روايات الجنة

من هنا نجد أنّ تلامذة الائمّة (عليهم السلام) كانوا يطلبون منهم أن يرغّبوهم في الجنّة ويشوّقوهم إليها، أو يخوّفوهم من النار ويحذروهم منها.

فعن أبي بصير قال: قلت لابي عبدالله الصادق (عليه السلام) : جعلت فداك يابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شوّقني إلى الجنّة.

فقال (عليه السلام) : «يا أبا محمد إنّ من أدنى نعيم الجنّة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام من مسافة الدنيا، وإنّ أدنى أهل الجنّة منزلاً لو نزل به أهل الثقلين الجنّ والانس لوسعهم طعاماً وشراباً ولا ينقص ممّا عنده شيء.

ثمّ أضاف الامام (عليه السلام) : «وإنّ أيسر أهل الجنّه منزلة من يدخل الجنّة فيرفع له ثلاث حدائق، فإذا دخل أدناهنّ رأى فيها من الازواج والخدم والانهار والاثمار ما شاء الله، ممّا يملا عينه قرّة وقلبه مسرّه، فإذا شكر الله وحمده، قيل له: ارفع رأسك إلى الحديقة الثانية» وهذا معناه أنّ الشكر سبب لمزيد العطاء الالهي حتى في الآخرة (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ)([351]).

ثمّ أضاف (عليه السلام) : فيقول أعطني هذه، فيقول الله تبارك وتعالى، إن أعطيتك إيّاها، سألتني غيرها؟ فيقول: ربّي هذه هذه...» إذ لا حدّ لطمع الانسان، باعتبار حبّه للكمال المطلق، فكلّما يعطى يريد المزيد.

ثمّ قال (عليه السلام) : «فإذا هو دخلها شكر الله وحمده أيضاً، فإذا شكر الله وحمده، قال: فيقال: افتحوا له باب الجنّة، ويقال له: ارفع رأسك، هذه الحديقة الثالثة، فإذا فتح له باب من الخلد ويرى أضعاف ما كان فيه، قيل: فيقول عند تضاعف مسرّاته: ربي لك الحمد الذي لا يحصى، إذ مننت عليّ بالجنان ونجيتني من النيران».

قال أبو بصير: فبكيت، ثمّ قلت: جعلت فداك زدني.

قال: «يا أبا محمّد إنّ في الجنّة نهراً في حافّته جوار نابتات إذا مرَّ المؤمن بجارية أعجبته، قلعها وأنبت الله مكانها...» فلا ينقص عطاء الله، بل لا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً وكرماً، إذ كلّ ما وجد جوع وعطش وطلب وحاجة، يوجد هناك عطاء وجود وكرم (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)([352]).

إلى أن يقول أبو بصير: قلت: جعلت فداك، ألهنّ كلام يكلّمن به أهل الجنّة؟ قال (عليه السلام): «نعم، كلام يتكلّمن به لم يسمع الخلائق بمثله، قلت: ما هو؟ قال: يقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبوس، ونحن المقيمات فلا نضعن، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن خُلق لنا وطوبى لمن خُلقنا له، نحن اللواتي لو قرن إحدانا علّق في جوّ السماء لاغشى نوره الابصار»([353]).

وفي رواية ليلة المعراج، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «لما أُسري بي إلى السماء دخلت الجنّة، فرأيت فيها قيعان ورأيت فيها ملائكة يبنون، لبنة من ذهب ولبنة من فضّة، وربّما أمسكوا، فقلت لهم: ما بالكم قد أمسكتم؟ فقالوا: حتى تجيئنا النفقة، فقلت: وما نفقتكم؟ قالوا: قول المؤمن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، فإذا قال بنينا، وإذا سكت أمسكنا...»([354]).

وحين استبشر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بهذا الخبر، وظنّوا أن قصورهم في الجنّة كثيرة، قال لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إيّاكم أن ترسلوا عليها ناراً فتحرقوها»([355]).

 

روايات النار

كذلك الروايات التي تحدّثت عن النار وآلامها. روى الصدوق بإسناده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: بينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم قاعداً، إذ أتاه جبرئيل (عليه السلام) وهو كئيب حزين متغيّر اللون، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا جبرئيل مالي أراك كئيباً حزيناً؟

فقال: يا محمّد، فكيف لا أكون كذلك، وإنّما وضعت منافيخ جهنّم اليوم.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : وما منافيخ جهنّم يا جبرئيل؟

فقال: إنّ الله تعالى، أمر بالنار فأوقد عليها ألف عام حتى احمّرت، ثمّ أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضّت، ثمّ أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودّت، وهي سوداء مظلمة، فلو أنّ حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وضعت على أهل الدنيا لذابت الدنيا من حرّها، ولو أنّ قطرة من الزقّوم والضريع قطرت في شراب أهل الدّنيا، مات أهل الدنيا من نتنها.

قال: فبكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبكى جبرئيل، فبعث الله إليهما ملكاً فقال: إنّ ربّكما يقرئكما السلام، ويقول: إنّي قد أمنتكما من أن تذنبا ذنباً أعذبكما عليه»([356]).

لذا ورد عن الامام علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّ ناركم هذه لجزء من سبعين جزءاً من نار جهنّم، ولقد أطفيت سبعين مرّة بالماء، ولولا ذلك لما استطاع آدمي أن يطفيها إذا التهبت.. وإنّه لتؤتى بها يوم القيامة حتى توضع على النار، ما يبقى من ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلا جثا بركبتيه فزعاً من صرختها»([357]).

لكن عند المقارنة بين الانذار والتبشير، نجد أنّ القرآن الكريم يؤكّد على الانذار، أكثر ممّا يؤكّد على التبشير، حيث ورد في آيات عديدة حصر وظيفة الانبياء في الانذار، بخلافه في التبشير، إذ لا نجد ذلك الحصر. قال تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد)([358])، وقال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا)([359])، وقال: (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ)([360])، وقال: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ)([361])، والسبب في ذلك أنّ طباع الناس مختلفة في تأثير هذين السبيلين، «فبعضهم وهو الغالب يغلب على نفسه الخوف، وكلّما فكّر فيما أوعد الله الظالمين والذين ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي أعدَّ لهم، زاد في نفسه خوفاً ولفرائصه ارتعاداً، ويساق بذلك إلى عبادته تعالى خوفاً منعذابه.

وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء، وكلّما فكّر فيما وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة، زاد رجاءً وبالغ في التقوى والتزام الاعمال الصالحة طمعاً في المغفرة والجنّة»([362]).

وهذا ما نجده واضحاً في كلمات إمام المتّقين علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة:

قال (عليه السلام) : «وأمّا أهل المعصية فأنزلهم شرّ دار، وغلّ الايدي إلى الاعناق، وقرن النواصي بالاقدام، وألبسهم سرابيل القطران، ومقطّعات النيران، في عذاب قد اشتدّ حرّه، وباب قد أُطبق على أهله، في نار لها كَلَبٌ ولَجَبٌ ولَهَبٌ ساطع، وقصيف هائل، لا يظعن مقيمها ولا يُفادى أسيرها، لا مدّة للدار فتفنى، ولا أجل للقوم فيقضى»([363]).

وقال (عليه السلام) : «أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تدميه، والرمضاء تحرقه؟ فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيع حجر وقرين شيطان، أعلمتم أنّ مالكاً إذا غضب على النار خطم بعضها بعضاً لغضبه، وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعاً من زجراته»([364]).

 

الطريق الثاني: الحبّ الالهي : يقوم أساس هذا الطريق على حبّ الله تعالى، قال سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِِ)([365]) «حيث دلّت على أنّ الحبّ يتعلّق بالله تعالى حقيقة ـ خلافاً لمن زعم أنّ الحبّ، وهو وصف شهواني، لا يتعلّق إلاّ بالامور المادّية، ولا يتعلّق به سبحانه حقيقة ـ وأنّ معنى ما ورد من أنّ الحبّ له تعالى، هو الاطاعة بالايتمار بالامر والانتهاء عن النهي تجوّزاً.

والآية حجّة ودليل عليهم، فإنّ قوله تعالى: (أَشَدُّ حُبّاً للهِِ) يدلّ على أنّ حبّه يقبل الاشتداد، وهو في المؤمنين أشدّ منه في المتّخذين لله أنداداً، ولو كان المراد بالحبّ هو الاطاعة مجازاً، كان المعنى: والذين آمنوا أطوع لله، ولم يستقم معنى التفضيل، لانّ طاعة الانداد ليست بطاعة عند الله سبحانه، فالمراد بالحبّ معناه الحقيقي.

ويدلّ عليه أيضاً قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ)([366])فإنّه ظاهر في أنّ الحبّ المتعلّق بالله والحبّ المتعلّق برسوله والحبّ المتعلّق بالآباء والابناء والاموال وغيرها، جميعاً من سنخ واحد، لمكان قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ) وأفعل التفضيل يقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى واختلافهما من حيث الزيادة والنقصان»([367]).

وينشأ هذا الحبّ من المعرفة والعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وقد سمّى نفسه بأحسن الاسماء ووصف ذاته بكلّ صفة جميلة (وَللهِِ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)([368])، (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى)([369])«ومن خاصّة النفس الانسانية أن تنجذب إلى الجميل، فكيف بالجميل على الاطلاق، قال تعالى: (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ)([370])، ثمّ قال: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ)([371])، فأفاد أنّ الخلقة تدور مدار الحسن، وأنّهما متلازمان متصادقان، ثمّ ذكر سبحانه في آيات كثيرة أنّ ما خلَقَه من شيء، آية تدلّ عليه و(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَات لاُِولِي الاَْلْبَابِ)([372])، فليس في الوجود ما لا يدلّ عليه تعالى ولا يحكي شيئاً من جماله وجلاله.

فالاشياء من جهة أنواع خلقها وحسنها، تدلّ على جماله الذي لا يتناهى ويحمده ويثني على حسنه الذي لا يفنى، ومن جهة ما فيها من أنواع النقص والحاجة تدلّ على غناه المطلق، وتسبّح وتنزّه ساحة القدس والكبرياء، كما قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)([373]).

فهؤلاء يسلكون في معرفة الاشياء من طريق هداهم إليه ربّهم وعرّفها لهم، وهو أنّها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله، وليس لها من النفسية والاصالة والاستقلال إلا أنّها كمرائي تجلّي بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي، وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق، وبذلّتها واستكانتها ما فوقها من العزّة والكبرياء، ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة، دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزّة والفطرة، ويغشى قلبه من المحبّه الالهية ما ينسيه نفسه وكلّ شيء، ويمحو رسم الاهواء والاميال النفسانية عن باطنه، ويبدّل فؤاده قلباً سليماً ليس فيه إلاّ الله عزّ اسمه([374]). (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم)([375])، في الكافي بإسناده عن سفيان بن عيينة قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم) قال: السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه»([376]).

وعلى هذا الاساس فكلّما ازداد الانسان معرفة ازداد إيماناً، وكلّما ازداد إيماناً ازدادت نفسه انجذاباً، فيأخذ الحبّ في الاشتداد «ولا يزال يشتدّ هذا الحبّ ثمّ يشتدّ حتى ينقطع إليه من كلّ شيء، ولا يحبّ إلاّ ربه، ولا يخضع قلبه إلاّ لوجهه، فإنّ هذا العبد لا يعثر بشيء، ولا يقف على شيء وعنده شيء من الجمال والحسن إلاّ وجد أنّ ما عنده أنموذج يحكي ما عنده (تعالى) من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يُحدّ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء، وكلّ ما كان لغيره فهو له، لانّ كلّ ما سواه آية له، ليس له إلاّ ذلك، والآية لا نفسية لها، وإنّما هي حكاية تحكي صاحبها، وهذا العبد قد استولى سلطان الحبّ على قلبه ولا يزال يستولي. ولا ينظر إلى شيء إلاّ لانّه آية من آيات ربّه، وبالجملة فينقطع حبّه عن كلّ شيء إلا ربّه، فلا يحبّ شيئاً إلاّ الله سبحانه وفي الله سبحانه.

حينئذ يتبدّل إدراكه وعلمه، فلا يرى شيئاً إلاّ ويرى الله سبحانه قبله ومعه، وتسقط الاشياء عنده من حيّز الاستقلال، فما عنده من صور العلم والادراك غير ما عند الناس، لانّهم إنّما ينظرون إلى كلّ شيء من وراء حجاب الاستقلال بخلافه، هذا من جهة العلم.

كذلك الامر من جهة العمل، فإنّه إذا كان لا يحبّ إلاّ الله، فلا يريد شيئاً إلاّ لله وابتغاء وجهه الكريم، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف ولا يختار ولا يترك ولا ييأس ولا يستوحش ولا يرضى ولا يسخط إلاّ لله وفي الله، فيختلف أغراضه مع ما للناس من الاغراض، وتتبدّل غاية أفعاله، فإنّه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لانّه فضيلة إنسانية، ويحذر الفعل أو الخلق لانّه رذيلة إنسانية.

أمّا الآن فإنّما يريد وجه ربّه ولا همّ له في فضيلة ولا رذيلة، ولا شغل له بثناء جميل وذكر محمود، ولا التفات له إلى دنيا أو آخرة، أو جنّة أو نار، وإنّما همّه ربّه، وزاده ذلّ عبوديته، ودليله حبّه»([377]).

 

اتباع النبي

إلاّ أنّ هذا كلّه إنّما هو طريق لوصول العبد السالك إلى مقام يكون محبوباً لله تعالى، لكن ما هو الطريق لان يكون المحبّ محبوباً له تعالى، كي يكون مصداقاً لقوله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ)([378]); وذلك لانّ المحبّ إنّما ينجذب إلى محبوبه ليجده ويتمّ بالمحبوب ما للمحبّ من النقص، ولا بشرى للمحبّ أعظم من أن يبشَّر أنّ محبوبه يحبّه، وعند ذلك يتلاقى حبّان ويتعاكس دلالان.

فمثلاً الانسان إنّما يحبّ الغذاء وينجذب إليه، ليجده ويتمّ به ما يجده في نفسه من النقص الذي يأتيه من الجوع، وكذا يريد لقاء الصديق ليجده ويملك لنفسه الانس. ولو تأمّلت موارد التعلّق والحبّ أو قرأت قصص العشّاق والمتولهين على اختلافهم لم تشك في صدق ما ذكرناه.

وهذا ما أجابت عنه الآية المباركة: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)([379])، حيث بيّنت أنّ الطريق إلى أن يصل المحبّ إلى بغيته، هو اتباع النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) وذلك لانّ الحبّ الحقيقي لشيء يستلزم حبّ جميع ما يتعلّق به «ويوجب الخضوع والتسليم لكلّ ما هو في جانبه. والله سبحانه هو الواحد الاحد الذي يعتمد عليه كلّ شيء في جميع شؤون وجوده، ويبتغي إليه الوسيلة، ويصير إليه كلّ ما دقّ وجلّ.

فمن الواجب أن يكون حبّه له بالتديّن له بدين التوحيد وطريق الاسلام على قدر ما يطيقه إدراك الانسان وشعوره (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الاِْسْلاَمُ)([380]). وهذا هو الدين الذي يندب إليه سفراءه، ويدعو إليه أنبياءه ورسله، وخاصّةً دين الاسلام الذي فيه من الاخلاص ما لا إخلاص فوقه، وهو الدين الفطري الذي يختم به الشرائع وطرق النبوّة، كما يختم بصادعه الانبياء (عليهم السلام). وهذا الذي ذكرناه ممّا لا يرتاب فيه المتدبّر في كلامه تعالى.

وقد عرّف النبي الاكرم (صلّى الله عليه وآله) سبيله الذي سلكه، أنّه هو سبيل التوحيد وطريقة الاخلاص، على ما أمره الله سبحانه حيث قال: (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)([381])، فذكر أنّ سبيله الدعوة إلى الله على بصيرة، والاخلاص لله من غير شرك; إذن فالدعوة والاخلاص هو صفته (صلّى الله عليه وآله) بالاصالة، وهي موجودة فيمن اقتدى به بالتبع.

ثمّ ذكر الله سبحانه أنّ الشريعة التي شرعها للخاتم (صلّى الله عليه وآله) هي الممثّلة لهذا السبيل، سبيل الدعوة إلى التوحيد والاخلاص من غير شرك، فقال: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الاَْمْرِفَاتَّبِعْهَا)([382]). وذكر أيضاً أنّ ذلك السبيل إنّما هو إسلام وتسليم محض لله حيث قال: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِِ وَمَنِ اتَّبَعَنِي)([383]). ثم نسب هذا السبيل إلى نفسه وبيّن أنّه هو الصراط المستقيم فقال: (وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ)([384]).

فتبيّن بذلك كلّه أنّ الاسلام ـ وهو الشريعة المشرعة للنبي (صلّى الله عليه وآله) الذي هو مجموع المعارف الاصلية والخلقية والعملية وسيرته في الحياة ـ هو سبيل الاخلاص عند الله سبحانه الذي يعتمد ويبتني على الحبّ، فهو دين الاخلاص وهو دين الحبّ.

والحاصل أنّ المراد من قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) ـ والله أعلم ـ إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم بالتأسيس على الحبّ حقيقة، فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحبّ الذي يوصل الانسان إلى الاخلاص والاسلام، وهو الصراط المستقيم الذي يسلك بسالكه إليه تعالى، فإن اتبعتموني في سبيلي وشأنه هذا الشأن، أحبّكم الله وهو أعظم البشارة للمحبّ، وعند ذلك تجدون ما تريدون، وهذا هو الذي يبتغيه محبّ بحبّه»([385]).

ممّا تقدّم يتّضح أنّ تقوى الله سبحانه، تارةً تكون من خلال الخوف من العذاب، فتبعث الانسان إلى التروك، وهو الزهد في الدنيا للنجاة في الآخرة، فالزاهد من شأنه أن يتجنّب المحرّمات أو ما في معنى الحرام وهو ترك الواجبات، وأخرى تكون من خلال الطمع في الثواب، فتبعثه إلى الافعال وهي العبادة في الدنيا بالعمل الصالح لنيل نِعم الآخرة والجنّة، فالعابد من شأنه أن يلتزم الواجبات أو ما في معنى الواجب وهو ترك الحرام.

والطريقان معاً إنّما يدعوان إلى الاخلاص للدين لا لربّ الدين، وثالثة تكون من خلال محبّة الله سبحانه فإنّها تطهّر القلب من التعلّق بغيره تعالى، من معبود أو مطلوب كصنم أو ند أو غاية دنيوية، بل ولا مطلوب أخروي كفوز بالجنّة أو خلاص من النار، وهذه المحبّة تقصر القلب في التعلّق به تعالى، وبما ينسب إليه من دين أو نبي أو وليّ وسائر ما يرجع إليه تعالى بوجه، فإنّ من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره أيضاً.

وهؤلاء هم العلماء بالله «الذين لا يعبدونه خوفاً من عقابه ولا طمعاً في ثوابه وإنّما يعبدونه لانّه أهلٌ للعبادة، وذلك لانّهم عرفوه بما يليق به من الاسماء الحسنى والصفات العليا، فعلموا أنّه ربّهم الذي يملكهم وإرادتهم ورضاهم وكلّ شيء غيرهم، ويدبّر الامر وحده، وليسوا هم إلاّ عباد الله فحسب، وليس للعبد إلاّ أن يعبد ربّه، ويقدِّم مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته، فهم يعبدون الله ولا يريدون في شيء من أعمالهم فعلاً أو تركاً إلاّ وجهه الكريم، ولا يلتفتون فيها إلى مقام يخوّفهم، ولا إلى ثواب يرجّيهم، وإن خافوا عذابه ورجوا رحمته.

وقد ذكر القرآن الكريم هذه الطرق لتحصيل التقوى، قال تعالى: (وَفِي الاْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)([386]) «دلّت الآية أنّ حقيقة الدنيا أنّها متاع الغرور، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فعليه أن لا يجعلها غاية لاعماله في الحياة، وأن يعلم أنّ له وراءها داراً ، وهي الدار الآخرة فيها ينال غاية أعماله، وهي عذاب شديد للسيئات يجب أن يخافه ويخاف الله فيه، ومغفرة من الله قبال أعماله الصالحة يجب أن يرجوها ويرجو الله فيها، ورضوان من الله يجب أن يقدّمه على رضا نفسه»([387]).

كذلك يبيّن القرآن أنّ بعض المتّقين إنّما يزهدون في الدنيا لاجل الوصول إلى ما عند الله من الثواب في الدار الآخرة، قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)([388])، لكن عندما يأتي إلى طبقة أخرى يقول في حقّهم، إنّهم يريدون ويطلبون الله تعالى، لا ما عند الله، قال تعالى: (وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)([389]).

والروايات الواردة في هذا المجال، متعدّدة:

عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: «العبّاد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزّوجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاُجراء، وقوم عبدوا الله حبّاً فتلك عبادة الاحرار وهي أفضل العبادة»([390]).

عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ الناس يعبدون الله عزّوجلّ على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبةً في ثوابه، فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه فَرَقاً من النار، فتلك عبادة العبيد وهي رهبة، ولكنّي أعبده حبّاً له عزّوجلّ، فتلك عبادة الكرام وهو الامن، لقوله عزّوجلّ: (وَهُمْ مِنْ فَزَع يَوْمَئِذ آمِنُونَ)([391])، ولقوله عزّوجلّ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)([392])، فمن أحبّ الله عزّوجلّ، أحبّه الله، ومن أحبّه الله كان من الآمنين»([393])، وفي بعض الروايات أضيف إليها «وهذا مقام مكنون لا يمسّه إلاّ المطهّرون»([394]).

عن الامام السجّاد (عليه السلام) قال: «إنّي أكره أن أعبد الله ولا غرض لي إلاّ ثوابه، فأكون كالعبد الطمع المطمع; إنْ طمع عمل، وإلاّ لم يعمل، وأكره أن لا أعبده إلاّ لخوف عقابه، فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل، قيل: فلِمَ تعبده؟ قال: لما هو أهله بأياديه عليَّ وإنعامه»([395]).

إلاّ أنّ هناك رواية عبّرت بـ «شكراً» بدل «حبّاً». عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الاحرار»([396]).

والسبب في توصيفهم (عليهم السلام) عبادة الاحرار تارةً بالحبّ وأخرى بالشكر «لكون مرجعهما واحداً، فإنّ الشكر وضع الشيء المنعم به في محلّه، والعبادة شكرها أن تكون لله الذي يستحقّها لذاته، فيعبد الله لانّه الله، أي لانّه مستجمع لجميع صفات الجمال والجلال بذاته، فهو الجميل بذاته، المحبوب لذاته، فليس الحبّ إلاّ الميل إلى الجمال والانجذاب نحوه، فقولنا فيه تعالى هو معبود لانّه هو، ومعبود لانّه جميل محبوب، ومعبود لانّه منعم مشكور بالعبادة، يرجع جميعها إلى معنىً واحد»([397]).

ببيان آخر: «الشاكرون هم الذين استقرّت فيهم صفة الشكر على الاطلاق، فلا يمسّون نعمة إلاّ بشكر، أي بأن يستعملوها ويتصرّفوا فيها قولاً أو فعلاً على نحو يظهرون به أنّها من عند ربّهم المنعم عليهم، فلا يقبلون على شيء، أعمّ من أنفسهم وغيرهم، إلا وهم على ذكر من ربّهم، قبل أن يمسّوه ومعه وبعده، وأنّه مملوك له تعالى طلقاً، ليس له من الامر شيء، فذكرهم ربهم على هذه الوتيرة ينسيهم ذكر غيره إلاّ بالله، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فلو أُعطي اللفظ حقّ معناه، لكان الشاكرون هم المخلصين»([398]).

ولا شكّ أنّ الاخلاص لا يتحقّق إلاّ إذا لم يتعلّق قلب الانسان بغيره تعالى، ولا طريق لذلك إلاّ من خلال المحبّة الالهية التي تطهّر القلب عن كلّ ما سواه. قال الامام الصادق (عليه السلام) في ظل هذه الآية المباركة (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً)([399]): «يطهّرهم عن كلّ شيء سوى الله([400]).

قال الطباطبائي: «وهؤلاء هم المقرّبون الفائزون بقربه تعالى، إذ لا يحول بينهم وبين ربّهم ممّا يقع عليه الحسّ أو يتعلّق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان، فإنّ كلّ ما يتراءى لهم ليس إلاّ آية كاشفة عن الحقّ المتعال، لا حجاباً ساتراً، فيفيض عليهم ربّهم علم اليقين، ويكشف لهم عمّا عنده من الحقائق المستورة عن هذه الاعين المادّية العميّة، بعدما يرفع الستر فيما بينه وبينهم، كما يشير إليه قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الاَْبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)([401]). وقوله تعالى: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)([402]).

 

المجتبون

وبالجملة هؤلاء في الحقيقة هم المتوكّلون على الله، المفوّضون إليه، الراضون بقضائه، المسلّمون لامره، إذ لا يرون إلاّ خيراً، ولا يشاهدون إلاّ جميلاً، فيستقرّ في نفوسهم من الملكات الشريفة والاخلاق الكريمة ما يلائم هذا التوحيد، فهم مخلصون لله في أخلاقهم، كما كانوا مخلصين له في أعمالهم، وهذا معنى إخلاص العبد دينه لله. قال تعالى: (أَلاَ للهِِ الدِّينُ الْخَالِصُ)([403]). وقال أيضاً: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)([404])، وقال: (هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)([405]).

وهؤلاء هم الانبياء والائمّة (عليهم السلام) وقد نصّ القرآن بأنّ الله اجتباهم أي جمعهم لنفسه وأخلصهم لحضرته، قال تعالى: (وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)([406])، وقال: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)([407]).

وقد تقدّم آنفاً أنّ من خاصّة هؤلاء القوم أنّهم يعلمون من ربّهم ما لا يعلمه غيرهم، والله سبحانه يصدّق ذلك بقوله: (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ)([408]) وأنّ المحبّة الالهية تبعثهم على أن لا يريدوا إلاّ ما يريده الله، وينصرفوا. وهذا ما أشار إليه الامام الصادق (عليه السلام) في ظل الرواية الثانية المتقدّمة حيث قال: «وهذا مقام مكنون لا يمسّه إلاّ المطهّرون» وقد بيّن القرآن من هم المطهّرون بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)([409]). وقد أوضحنا مفصّلاً في كتاب «العصمة» أنّ هذه الآية مختصّة بالنبيّ الاكرم وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم.

يقول الآلوسي في ظلال هذه الآية: «وأخبار إدخاله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وابنيهما (رضي الله تعالى عنهم) تحت الكساء، وقوله عليه الصلاة والسلام: (اللّهم هؤلاء أهل بيتي) ودعائه لهم وعدم إدخال اُمّ سلمة أكثر من أن تحصى، وهي مخصّصة لعموم أهل البيت بأي معنىً كان البيت، فالمراد بهم من شمله الكساء ولا يدخل فيهم أزواجه»([410]).

وقال الرازي في ظل قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)([411]): «وأنا أقول: آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل، كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل»([412]).

ولا يفهم من هذا أنّ مسلك الحبّ الالهي محال على الآخرين، بل بإمكان الانسان المؤمن أن يروّض نفسه من أجل الارتقاء إلى بعض درجاته، فلا يقرأ دعاءً مثلاً ولا يصلّي صلاة ولا يفعل فعلاً ما، ونظره المباشر إلى ثواب تلك الاعمال التي يقوم بها، وإنّما ينظر إلى العمل بذاته وإلى محتواه، وأنّ ما يقوم به هو عبادة لله سبحانه وتعالى قبل كلّ شيء، وهكذا وبتكرار العمل يحصل على الملكات التي تؤهِّله لان يرتقي إلى ما يصبو إليه.

نعم، مقام العصمة والطهارة التي ثبتت لاصحاب الكساء، ممّا لا يمكن نيله لاحد غيرهم (عليهم السلام). قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «لا يقاس بآل محمّد (صلّى الله عليه وآله) من هذه الامّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً»([413]).

 

صحة الطرق

ثمّ إنّه لابدّ أن يعلم أنّ هذه الطرق لتحصيل التقوى، تشترك جميعاً في أنّها تحقّق العبادة الصحيحة، حيث جاء في بعض نصوص الروايات السابقة، أنّ عبادة الاحرار هي «أفضل العبادة». ولا يخفى أنّ صيغة التفضيل هذه دالّة على أنّ كلاًّ من الوجهين السابقين لهما فضل في الجملة أيضاً، وهذا ما صرّح به بعض المتكلّمين والفقهاء على حدٍّ سواء، قال المجلسي في «مرآة العقول» في ظل هذه الرواية: «وحاصل المعنى أنّ العبادة الصحيحة المترتّبة عليها الثواب والكرامة في الجملة ثلاثة أقسام، وأمّا غيرها كعبادة المرائين ونحوها، فليست بعبادة ولا داخلة في المقسم»([414]).

وقال السيّد اليزدي في العروة الوثقى: «ولغايات الامتثال درجات:

أحدها: وهو أعلاها، أن يقصد امتثال أمر الله، لانّه تعالى أهلٌ للعبادة والطاعة، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».

الثاني: أن يقصد شكر نعمه التي لا تحصى.

الثالث: أن يقصد به تحصيل رضاه والفرار من سخطه.

الرابع: أن يقصد به حصول القربة إليه.

الخامس: أن يقصد به الثواب ورفع العقاب، بأن يكون الداعي إلى امتثال أمره، رجاء ثوابه وتخليصه من النار»([415]).

نعم إذا نسبت هذه الطرق بعضها إلى بعض، فإنّه ينطبق عليها القاعدة المعروفة «حسنات الابرار سيّئات المقرّبين» لانّ أهل طريق الحبّ والشكر يرون أنّ الطريقين ـ أعني: طريق العبادة خوفاً وطريق العبادة طمعاً ـ لا يخلوان من شرك (خفي) فإنّ الذي يعبده تعالى خوفاً من عذابه، يتوسّل به تعالى (أي يجعله وسيلة) إلى دفع العذاب عن نفسه، كما أنّ من يعبده طمعاً في ثوابه، يتوسّل به تعالى إلى الفوز بالنعمة والكرامة، ولو أمكنه الوصول إلى ما يبتغيه من غير أن يعبده، لم يعبده ولا حامَ حول معرفته، وقد تقدّمت الرواية عن الامام الصادق (عليه السلام) «هل الدين إلاّ الحبّ» وقوله (عليه السلام) في حديث: «وإني أعبده حبّاً له، وهذا مقام مكنون لا يمسّه إلاّ المطهّرون» وإنّما كان أهل الحبّ مطهّرين لتنزّههم عن الاهواء النفسانية والالوان المادّية، فلا يتمّ الاخلاص في العبادة إلاّ من طريق الحبّ»([416]).

وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ)([417])، حيث دلّت على أنّ أكثر أهل الايمان هم متلبّسون بنحو من أنحاء الشرك.

لكن قد يقال: كيف يمكن أن يتلبّس إنسان بالشرك والايمان معاً، مع كونهما صفتين متقابلتين لا تجتمعان في محلّ واحد؟

والجواب: أنّ حقيقة الايمان بالله والشرك به «هو تعلّق القلب بالله بالخضوع للحقيقة الواجبية، وتعلّق القلب بغيره تعالى ممّا لا يملك شيئاً إلاّ بإذنه تعالى، فإنّ من الجائز أن يتعلّق الانسان مثلاً بالحياة الدنيا الفانية وزينتها الباطلة، وينسى مع ذلك كلّ حقّ وحقيقة، ومن الجائز أن ينقطع عن كلّ ما يصدّ النفس ويشغلها عن الله سبحانه، ويتوجّه بكلّه إليه، ويذكره ولا يغفل عنه، فلا يركن في ذاته وصفاته إلاّ إليه، ولا يريد إلاّ ما يريده، كالمخلصين من أوليائه تعالى.

وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبُعد منه، وهي التي يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع، والدليل على ذلك الاخلاق والصفات المتمكّنة في النفوس التي تخالف مقتضى ما تعتقده من حقّ أو باطل، والاعمال الصادرة منها كذلك، ترى من يدّعي الايمان بالله يخاف وترتعد فرائصه من أي نائبة أو مصيبة تهدّده، وهو يذكر أن لا قوّة إلاّ بالله، ويلتمس العزّة والجاه من غيره وهو يتلو قوله تعالى: (إِنَّ الْعِزَّةَ للهِِ جَمِيعاً)([418])، ويقرع كلّ باب يبتغي الرزق، وقد ضمنه الله، ويعصي الله ولا يستحي، وهو يرى أنّ ربّه عليم بما في نفسه، سميع لما يقول، بصير بما يعمل، ولا يخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء، وعلى هذا القياس.

فالمراد من الشرك في بعض مراتبه، الذي يجامع بعض مراتب الايمان، وهو المسمّى باصطلاح فن الاخلاق بالشرك الخفيّ»([419]).

فإذا ضممنا إلى هذه الآية ، قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)([420]) ينتج أنّ الشرك نحو من النجاسة، ولا شكّ أنّ القدر المتيقّن منها هي النجاسة المعنوية الباطنية، المعبّر عنها بالخبث وسوء السريرة، أمّا استفادة النجاسة الظاهرية التي هي قذارة حسّية قائمة بالجسم، فهي محلّ تأمّل عند جملة من الاعلام المحقّقين كسيّدنا الشهيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه)، حيث صرّح بعدم إمكان إرادة هذا المعنى من الآية في بحوثه الفقهية([421]). وهذا ما أشار إليه الراغب في المفردات قال: «النجاسة: القذارة وذلك ضربان : ضربٌ يُدرك بالحاسّة، وضرب يدرك بالبصيرة، والثاني وصَفَ الله تعالى به المشركين، فقال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ»([422]).

فإذا كان الشرك نحواً من النجاسة المعنوية الملوّثة للباطن والقلب، إذن فهي محتاجة إلى مطهّر يسانخها، وهذا ما جاء في ظل قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) عن الصادق (عليه السلام) حيث قال: «يطهّرهم عن كلّ شيء سوى الله» كما تقدّمت الاشارة إليه.

 

الدفع والرفع

والحاصل أنّ مسلك الحبّ الالهي «ربّما يدلّ الانسان المحبّ على أمور لا يستصوبه العقل الاجتماعي الذي هو ملاك الاخلاق الاجتماعية، أو الفهم العام العادي الذي هو أساس التكاليف العامة الدينية، فللعقل أحكام وللحبّ أحكام»([423])لذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المتّقين: «ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول: لقد خولطوا ، ولقد خالطهم أمر عظيم»([424]).

وهذا ما عرضنا لبيانه في مبحث مراتب التقوى من هذه الدراسة، حيث قلنا: إنّ الطبقة الاولى تختص بأمور غير موجودة في الطبقتين الاُخريين، ذلك لانّ ميز طبقتهم وأساسها المحبّة الالهية دون محبّة النفس.

والسبب في ذلك كلّه أنّ هذا الطريق يقوم على أساس «تربية الانسان وصفاً وعلماً باستعمال علوم ومعارف لا يبقى معها موضوع الرذائل، وبعبارة أخرى إزالة الاوصاف الرذيلة بالرفع لا بالدفع»([425]).

توضيحه: أنّ طريق تحصيل التقوى وتهذيب النفس، تارة يتمّ من خلال إبداء المانع مع وجود المقتضي، وأخرى من خلال رفع المقتضي، والاوّل هو الدفع والثاني هو الرفع.

فمثلاً قد يريد الانسان جاهاً أو عزّاً أو مسلكاً أو سمعةً حسنة في هذه الدنيا، فيتصوّر أنّ بإمكان الله سبحانه إعطاء هذه الامور له، كما أنّ بإمكان غير الله تبارك وتعالى ذلك. فيميل حسب طبعه إلى ما في أيدي الناس، فيأتيه التحذير بأنّك سوف تخسر وتعذّب يوم القيامة، فيكون العذاب مانعاً عن توجّه النفس إلى ما في أيدي الناس، أو يأتيه الترغيب ، بأنّ هذا الذي ترجوه محدود ومنقطع وزائل، وعليك أن تستبدله بآخر أفضل منه، وهو أجر الآخرة الباقي الدائم الذي عند الله تبارك وتعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاق)([426]).

وهذا معناه أنّ المقتضي لتوجّه القلب إلى غير الله موجود، لكن هناك مانع من الترهيب والترغيب يمنعان المقتضي عن التأثير، فيكون من قبيل الورقة المبتلّة بالماء التي لا تحترق بالنار، لا لعدم وجود المقتضي، فاقتضاء الاحراق موجود في النار، بل لوجود المانع وهو البلل.

وهذه هي أهمّ خصوصية في مسلك التهذيب من خلال الغايات الاخروية، وهذا بخلافه في مسلك الحبّ الالهي، فإنّه يقوم على أساس اقتلاع أصل وجود المقتضي في الانسان السالك لتوجّه القلب وتعلّقه بغيره تعالى، لا أن يزاحم المقتضي الموجود بالمانع المخوّف أو المرغّب.

وهذا المعنى إنّما يحصل من خلال العلم والمعرفة بالله تعالى، لذا قلنا في بحث سابق: إنّ أهل هذا الطريق يعلمون من ربّهم ما لا يعلمه غيرهم «وإنّ هذا العلم يخالف سائر العلوم في أنّ أثره العملي، وهو صرف الانسان عمّا لا ينبغي إلى ما ينبغي قطعي غير متخلّف دائماً، بخلاف سائر العلوم، فإنّ الصرْف فيها أكثري غير دائم، قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)([427]). وقال: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم)([428])، وقال: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)([429]).

ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ)([430])، وذلك أنّ هؤلاء المخلَصين من الانبياء والائمّة (عليهم السلام) قد بيّنوا لنا جمل المعارف المتعلّقة بأسمائه وصفاته من طريق السمع، وقد حصّلنا العلم بها من طريق البرهان أيضاً، والآية مع ذلك تنزّهه عمّا نصفه به، دون ما يصفه به أولئك المخلَصون، فليس إلاّ أنّ العلم الذي يملكونه غير العلم الموجود عند الآخرين، وإن كان متعلّق العلمين واحداً من وجه (بالحمل الاوّلي) . هذا أوّلاً.

وثانياً: إنّ هذا العلم لا يغيّر الطبيعة الانسانية المختارة في أفعالها الارادية، ولا يخرجها إلى ساحة الاجبار والاضطرار، كيف والعلم من مبادئ الاختيار، ومجرّد قوّة العلم لا يوجب إلاّ قوّة الارادة؟ كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سمّاً قاتلاً من حينه، فإنّه يمتنع باختياره من شربه قطعاً، ويشهد على ذلك قوله تعالى: (وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)([431]).

تفيد الآية أنّهم (عليهم السلام) في إمكانهم أن يشركوا بالله، وإن كان الاجتباء والهدى الالهي مانعاً عن ذلك. وقوله: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)([432])، إلى غير ذلك من الآيات.

فالانسان المعصوم إنّما ينصرف عن المعصية بنفسه وعن اختياره وإرادته، ونسبة الصرْف إلى عصمته تعالى، كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية إلى توفيقه تعالى.

ولا ينافي ذلك أيضاً ما يشير إليه كلامه تعالى، وتصرّح به الاخبار، أنّ ذلك من الانبياء والائمّة (عليهم السلام) بتسديد من روح القدس، فإنّ النسبة إلى روح القدس كنسبة تسديد المؤمن إلى روح الايمان (أُولـئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِْيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ)([433]) ونسبة الضلال والغواية إلى الشيطان وتسويله، فإنّ شيئاً من ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلاً صادراً عن فاعله مستنداً إلى اختياره»([434]).

 

بين العصمة والعدالة

وبهذا تمتاز العصمة عن العدالة، فإنّهما معاً وإن كانا يمنعان من صدور المعصية لكن العصمة يمتنع معها الصدور بخلاف العدالة، والسبب في ذلك يرجع إلى سنخ العلم والمعرفة التي يملكها المعصوم، فهو يختلف عن سائر العلوم والادراكات المتعارفة التي تقبل الاكتساب والتعلّم. من هنا قلنا في بحث سابق : إنّ الفرق بين الطبقة الاولى وبين الطبقتين الاخريين، في نحو العلم والادراك، دون قوّته وضعفه وتأثيره وعدمه.

بيانه: «أنّ القوى الشعورية المختلفة في الانسان، يوجب بعضها ذهوله عن حكم البعض الآخر، وضعف التفاته إليه، كما أنّ صاحب ملكة التقوى ما دام شاعراً بفضيلة تقواه، لا يميل إلى اتباع الشهوة غير المرْضيّة، ويجري على مقتضى تقواه، غير أنّ اشتعال نار الشهوة وانجذاب نفسه إلى هذا النحو من الشعور، ربّما حجبه عن تذكّر فضيلة التقوى أو ضعّف شعور التقوى، فلا يلبث دون أن يرتكب ما لا يرتضيه التقوى، ويختار سفاسف الشره، وعلى هذا السبيل سائر الاسباب الشعورية في الانسان، وإلاّ فالانسان لا يحيد عن حكم سبب من هذه الاسباب ما دام السبب قائماً على ساق، ولا مانع يمنع من تأثيره، فجميع هذه التخلّفات تستند إلى مغالبة التقوى والاسباب، وتغلّب بعضها على بعض.

إلاّ أنّ الموهبة التي نسمّيها قوّة العصمة، هي نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلوم في أنّه غير مغلوب لشيء من القوى الشعورية البتة، بل هي الغالبة القاهرة عليها المستخدمة إيّاها، وكذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقاً»([435]).

ربما كان هذا العلم الذي يورث الانسان هذه المناعة أمام أي خروج عن زيّ العبودية لله تعالى، هو الذي عبّر عنه الاصطلاح القرآني باليقين، قال تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)([436])، حيث ذكر القرآن أنّ من خواص هذا العلم انكشاف ما وراء ستر الحسّ من حقائق الكون، قال تعالى: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)([437]). وقد أوضحنا هذه الحقيقة في كتابي «العصمة»([438]) و«بحث حول الامامة»([439]).

ممّا تقدّم اتضح عدم تمامية ما ذكرته بعض الكتابات المعاصرة، حيث ذهبت إلى «أنّ التقوى والعدالة هما مرتبتان من مراتب العصمة، والعصمة المطلقة هي عبارة عن شدّة ملكة التقوى والعدالة هذه»([440]).

 

مسارات تطبيقية

وقد أشار الشيخ الرئيس ابن سينا في الاشارات إلى بعض هذه الطرق للوصول إلى الله تعالى بقوله: «المستحل توسيط الحق مرحوم من وجه (أي جعل الحق واسطة ووسيلة للوصول إلى لذّة الجنّة ونعيمها) فإنّه لم يطعم لذّة البهجة به فيستطعمها، إنّما معارفته مع اللذات المخدجة، فهو حنون إليها غافل عمّا وراءها، وما مَثَله بالقياس إلى العارفين إلاّ مثل الصبيان بالقياس إلى المحنّكين، فإنّهم لما غفلوا عن طيّبات يحرص عليها البالغون، واقتصرت بهم المباشرة على طيّبات اللعب، صاروا يتعجّبون من أهل الجدّ إذا ازورّوا عنها، عائفين لها، عاكفين على غيرها.

كذلك من غضّ النقص بصره عن مطالعة بهجة الحقّ، أعلق كتفيه بما يليه من اللذات، لذّات الزور، فتركها في دنياه عن كُره، وما تركها إلاّ ليستأجل أضعافها، وإنّما يعبد الله ويطيعه ليخوّله في الآخرة شبعهُ منها، فيبعث إلى مطعم شهي ومشرب هني ومنكح بهي، إذا بُعثر عنه فلا مطمح لبصره في أُولاه وأُخراه إلا إلى لذّات قبقبه وذبذبه، والمستبصر بهداية القدس في شجون الايثار قد عرف اللّذة الحقّ، وولّى وجهه سمتها، مسترحماً على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضدّه، وإن كان ما يتوخّاه بكدّه مبذولاً له بحسب وعده».

قال المحقّق الطوسي في ذيل هذه العبارة:

المُخْدَج: الناقص، يقال: أخدجت الناقة: إذا جاءت بولدها ناقص الخلقة، والولد مخدج.

والحنون: المشتاق.

وحنّكته السن وأحنكته: أي أحكمته التجارب.

وازورّ عنه : أي عدل عنه.

وعاف الطعام والشراب: أي كرهه فلم يتناوله.

وعكف على الشيء: أي أقبل عليه مواظباً.

وخوّله الله الشيء: أي ملّكه إيّاه.

وبعثر عنه: أي كشف عنه.

وطمح بصره إلى الشيء: أي ارتفع.

والقبقب: البطن. والذبذب: الذكر. وقد لاحظ الشيخ فيهما أقوال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): من وقي شرّ لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي. واللقلق: اللسان.

والشجون: جمع شجن، وهو طريق الوادي.

والكد: الشدّة في العمل وطلب الكسب.

والغرض في هذا الفصل تمهيد العذر لمن يجوز أن يجعل الحق (تعالى) واسطة في تحصيل شيء آخر غيره ، وهو ممّن يتزهّد في الدنيا ويعبد الحقّ رغبةً في الثواب أو رهبةً من العقاب، ووجه العذر بيان نقصه في ذاته.

وفي عبارات الشيخ لطائف كثيرة، يتبيّن للمتأمّل فيها:

منها: وصف اللذّات الحسّية بنقصان الخلقة، وهو نقصان لا يمكن أن يزول.

ومنها: تشبيه مَن لم يقدر على مطالعة البهجة الحقيقية بالاعمى الذي يطلب شيئاً، فإنّه يعلّق يده بما يليه، سواء كان ما أعلق به يده مطلوباً أو لم يكن.

ومنها: التنبيه على أنّ زهد غير العارف زهد عن كُره، مع كونه في صورة الزهّاد أحرص الخلق بالطبع على اللّذات الحسّية، فإنّ التارك شيئاً استأجل أضعافه أقرب إلى الطمع منه إلى القناعة.

ومنها: نسبة همّته إلى الدناءة والضعة، فإن قوله : «لا مطمح لبصره» مشعر بأنّه أدنى منزلة من أن يستحقّ تلك اللّذات الخسيسة.

ومنها: التعبير البالغ في تخصيص لذّة البطن والفرج بالذكر.

وقد ذكر في آخر الفصل أنّ هذا الناقص المرحوم، ينال ما يرجوه ويطلبه بكدّه من اللذات الحسّية، حسبما وعده الانبياء عليهم السلام»([441]).

من هنا ذكر الشيخ في موضع آخر، أنّ غرض العارف وغير العارف من الزهد والعبادة متمايزان مختلفان، قال: «الزهد عند غير العارف معاملةٌ مّا، كأنّه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة، وعند العارف تنزّه عمّا يشغل سرّه عن الحقّ، وتكبّر على كلّ شيء غير الحقّ.

والعبادة عند غير العارف معاملة مّا، كأنّه يعمل في الدنيا لاجرة يأخذها في الآخرة هي الاجر والثواب، وعند العارف رياضةٌ ما لهممه وقوى نفسه المتوهّمة والمتخيّلة، ليجرّها بالتعويد عن جناب الغرور إلى جناب الحقّ، فتصير مسالمة للسرّ الباطن حينما يستجلي الحقّ لا ينازعه فيخلص السرّ إلى الشروق الساطع، ويصير ذلك ملكة مستقرّة، كلّما شاء السرّ اطّلع إلى نور الحقّ، غير مزاحم من الهمم، بل مع تشييع منها له، فيكون بكليته منخرطاً في تلك القدس».

قال الطوسي في المقام: «الزهد والعبادة من غير العارف معاملتان، فإنّ الزاهد غير العارف يجري مجرى تاجر يشتري متاعاً بمتاع ، والعابد غير العارف يجري مجرى أجير يعمل عملاً لاخذ أُجرة، فالفعلان مختلفان، لكن الغرض واحد.

وأمّا العارف فزهده في الحالة التي يكون فيها متوجّهاً إلى الحقّ، معرضاً عمّا سواه، تنزّه عمّا يشغله عن الحقّ إيثاراً لما قصده، وفي الحالة التي يكون فيها ملتفتاً من الحقّ إلى سواه، تكبّر على كلّ شيء غير الحقّ استحقاراً لما دونه.

وأمّا عبادته، فارتياض لهممه التي هي مبادئ إرادته وعزماته الشهوانية والغضبية وغيرهما، ولقوى نفسه الخيالية والوهمية، ليجرّها جميعاً عن الميل إلى العالم الجسماني والاشتغال به إلى العالم العقلي، مشيّعة إيّاه عند توجّهه إلى ذلك العالم، وتصير تلك القوى معوّدة لذلك التشييع، فلا تنازع العقل ولا تزاحم السرّ حالة المشاهدة، فيخلص العقل إلى ذلك العالم، ويكون جميع ما تحته من الفروع والقوى منخرطة معه في سلك التوجّه إلى ذلك الجناب»([442]).

 

الفرق بين الزاهد والعابد والعارف

لكن من هو الزاهد والعابد والعارف؟ قال الشيخ في بيان ذلك: «المعرض عن متاع الدنيا وطيّباتها يخصّ باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يخصّ باسم العابد، والمنصرف بفكره إلى قدس الجبروت، مستديماً لشروق نور الحقّ في سرّه، يخصّ باسم العارف، وقد يتركّب بعض هذه مع بعض»([443]).

إلاّ أنّ العارف أيضاً له درجات ومقامات، كما أنّ العابد والزاهد كذلك، لذا قال: «من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني، ومن وجد العرفان كأنّه لا يجده، بل يجد المعروف به فقد خاض لجّة الوصول، وهناك درجات ليست أقلّ من درجات ما قبله، آثرنا فيها الاختصار، فإنّها لا يفهمها الحديث، ولا تشرحها العبارة، ولا يكشف المقال عنها غير الخيال. ومن أحبّ أن يتعرّفها فليتدرّج إلى أن يصير من أهل المشاهدة دون المشافهة، ومن الواصلين إلى العين دون السامعين للاثر».

وأوضح الطوسي هذا المقطع بقوله: «العرفان حالة للعارف بالقياس إلى المعروف، فهي لا محالة غير المعروف، فمن كان غرضه من العرفان نفس العرفان، فهو ليس من الموحّدين، لانّه يريد من الحقّ شيئاً غيره، وهذه حالة المتبجّح بزينة ذاته وإن كان بالحقّ.

أمّا من عرف الحقّ وغاب عن ذاته، فهو غائب لا محالة عن العرفان الذي هو لذاته، فهو قد وجد العرفان كأنّه لا يجده، بل يجد المعروف فقط، وهو الخائض لجّة الوصول أي معظمه.

وهناك درجات هي درجات التحلية بالامور الوجودية التي هي النعوت الالهية، وهي ليست بأقلّ من درجات ما قبله، أعني درجات التزكية من الامور الخلقية التي تعود إلى الاوصاف العدمية. وذلك لانّ الالهيات محيطة غير متناهية، والخلقيات محاط بها متناهية، وإلى هذا أشير في قوله عزّ من قائل: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي...) فالارتقاء في تلك الدرجات سلوك إلى الله، وفي هذه سلوك في الله، وينتهي السلوكان بالفناء في التوحيد.

واعلم أنّ العبارة عن هذه الدرجات غير ممكنة، لانّ العبارة موضوعة للمعاني التي يتصوّرها أهل اللغات، ثمّ يحفظونها ثمّ يتذكّرونها ثمّ يتفاهمون بها تعليماً وتعلّماً. أمّا التي لا يصل إليها إلاّ غائب عن ذاته فضلاً عن قوى بدنه، فليس يمكن أن يوضع لها ألفاظ فضلاً عن أن يعبّر عنها بعبارة، وكما أنّ المعقولات لا تدرك بالاوهام، والموهومات لا تدرك بالخيالات، والمتخيّلات لا تدرك بالحواس، كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين فلا يمكن أن يدرك بعلم اليقين، فالواجب على من يريد ذلك أنّ يجتهد في الوصول إليه بالعيان، دون أن يطلبه بالبرهان.

فهذا بيان ما ذكره الشيخ، واستثنى الخيال في قوله: (ولا يكشف عنها المقال غير الخيال) لما سيبيّن في النمط العاشر، وهو أنّ العارفين إذا اشتغلت ذواتهم بمشاهدة عالم القدس فقد يتراءى في خيالاتهم أمور تحاكي ما يشاهدونه محاكاة بعيدة جدّاً»([444]).

وهذا هو معنى قول العرفاء: «إنّ المكاشفة طور وراء طور العقل»([445]).

يقول صدر المتألهين: «لا يجوز في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته، نعم، يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقصر العقل عنه، بمعنى أنّه لا يدرك بمجرّد العقل، ومن لم يفرّق بين ما يحيله العقل وبين ما لا يناله، فهو أخس من أن يخاطب فليترك وجهله»([446]).

وقال أيضاً: «ثمّ إنّ بعض أسرار الدين وأطوار الشرع المبين، بلغ إلى حدّ ما هو خارج عن طور العقل الفكري، وإنّما يعرف بطور الولاية والنبوّة، ونسبة طور العقل ونوره إلى طور الولاية ونورها، كنسبة نور الحس إلى نور الفكر، فليس لميزان الفكر كثير فائدة وتصرّف هناك»([447]).

لذا قال الطباطبائي أنّ: «الذين يحاولون بيان المعاني الشهودية من خلال القوالب اللفظية والعبارات اللغوية، فهم كالذين يريدون بيان الالوان المختلفة للذي ولد من بطن اُمّه أعمى، فيحاول أن يدرك المعاني المرتبطة بالباصرة من خلال القوّة السامعة»([448]).

 

نصوص ودلالات

أختم هذا البحث ببعض كلمات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) التي بيّنت بعض مقامات العارفين المحبّين:

ما رواه المسعودي في إثبات الوصية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في خطبة له: «فسبحانك ملات كلّ شيء، وباينت كلّ شيء، فأنت لا يفقدك شيء، وأنت الفعّال لما تشاء، تباركت يا من كل مدرك من خلقه وكلّ محدود من صنعه،... سبحانك أي عين تقوم نصب بهاء نورك، وترقى إلى نور ضياء قدرتك، وأيّ فهم يفهم ما دون ذلك إلاّ أبصار كشفت عنها الاغطية، وهتكت عنها الحجب العمية، فرّقت أرواحها على أطراف أجنحة الارواح، فناجوك في أركانك، وولجوا بين أنوار بهائك، ونظروا من مرتقى التربة إلى مستوى كبريائك، فسمّاهم أهل الملكوت زواراً، ودعاهم أهل الجبروت عمّاراً»([449]).

وفي البحار عن إرشاد الديلمي ـ وذكر بعد ذلك سندين لهذا الحديث ـ وفيه: «فمن عمل برضائي أُلزمه ثلاث خصال: أعرّفه شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين، فإذا أحبني أحببته، وأفتح عين قلبه إلى جلالي، ولا أخفي عليه خاصّة خلقي، وأناجيه في ظُلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، وأُسمعه كلامي وكلام ملائكتي، وأُعرّفه السرّ الذي سترته عن خلقي، وأُلبسه الحياء حتى يستحي منه الخلق كلهم ويمشي على الارض مغفوراً له، وأجعل قلبه واعياً وبصيراً، ولا أُخفي عليه شيئاً من جنّة ولا نار، وأعرّفه ما يمرّ على الناس في القيامة من الهول والشدّة، وما أحاسب به الاغنياء والفقراء والجهّال والعلماء، وأنومه في قبره وأنزل عليه منكراً ونكيراً حتى يسألاه، ولا يرى غمّ الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطلع، ثمّ أنصب له ميزانه وأنشر ديوانه، ثمّ أضع كتابه عن يمينه فيقرؤه منشوراً، ثمّ لا أجعل بيني وبينه ترجماناً، فهذه صفات المحبّين».([450])

...............................................................................................................................................................................................

طريق الوصول إلى الحبّ الالهي

 

ذكرنا في الابحاث السابقة، أنّ الطريق يمرّ من خلال معرفة الله سبحانه، وعندما نأتي إلى القرآن الكريم، نجد أنّه يشير إلى نحوين من الطريق إلى ذلك، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاْفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)([451])، وقال: ( وَفِي الاَْرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ)([452]).

وهذه هي المعروفة في كلمات العلماء، بالمعرفة الآفاقية والمعرفة الانفسية.

أمّا الاولى، فالمراد بآيات الآفاق، الآيات الفلكية والكوكبية وآيات الليل والنهار، وآيات الاضواء والظلمات، وقد أكثر الله منها في القرآن الكريم. قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَات لاُِولِي الاَْلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)([453]). وقال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَْرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)([454])، وقال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)([455]).

 

وأمّا الثانية: وهي الآيات التي في النفوس:

«منها ما هي في تركّب الابدان من أعضائها وأعضاء أعضائها، حتى ينتهي إلى البسائط، وما لها من عجائب الافعال والآثار المتّحدة في عين تكثّرها، المدبّرة جميعاً لمدبّر واحد، وما يعرضها من مختلف الاحوال كالجنينية والطفولية والرهاق والشباب والشيب.

ومنها ما هي من حيث تعلّق النفوس، أعني الارواح بها (أي الابدان) كالحواس من البصر والسمع والذوق والشمّ واللمس التي هي الطرق الاوّلية لاطّلاع النفوس على الخارج، لتميّز بذلك الخير من الشرّ، والنافع من الضارّ، لتسعى إلى ما فيه كمالها وتهرب ممّا لا يلائمها، وفي كلّ منها نظام وسيع جار فيه منفصل بذاته عن غيره، كالبصر لا خبر عنده عمّا يعمله السمع بنظامه الجاري فيه وهكذا، والجميع مع هذا الانفصال والتقطع مؤتلفة تعمل تحت تدبير مدبِّر واحد، هي النفس المدبّرة والله من ورائهم محيط.

ومن هذا القبيل سائر القوى المنبعثة عن النفوس والابدان، كالقوّة الغضبية والقوّة الشهوية وما لها من اللواحق والفروع، فإنّها على ما للواحد منها بالنسبة إلى غيره من البينونة وانفصال النظام الجاري فيه عن غيره، تحت تدبير مدبِّر واحد، تتعاضد جميع شعبها وتأتلف لخدمته»([456]).

 

أنفعية المعرفة الانفسية

عند الاحتكام إلى المقارنة المضمونية بين هذين النحوين من المعرفة، نجد أنّ الروايات المستفيضة عن الفريقين تركّز على معرفة النفس الانسانية، بل في بعضها أنّ «المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين» كما جاء عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد ذكرت في كلمات الاعلام وجوهاً لانفعية المعرفة الانفسية على المعرفة الآفاقية، مع اشتراكهما جميعاً في الهداية إلى الايمان بالله تعالى، والتمسّك بالدين الحقّ والشريعة الالهية; منها:

الوجه الاوّل: «أنّ كون معرفة الآيات نافعة، إنّما هو لانّ معرفة الآيات بما هي آيات موصلة إلى معرفة الله سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، ككونه تعالى حيّاً لا يعرضه موت، وقادراً لا يشوبه عجز، وعالماً لا يخالطه جهل، وأنّه تعالى هو الخالق لكلّ شيء، والمالك لكلّ شيء، والربّ القائم على كلّ نفس ما كسبت، خلق الخلق لا لحاجة منه إليهم، بل لينعم عليهم بما استحقوه، ثمّ يجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه ، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

هذه وأمثالها معارف حقّة إذا تناولها الانسان وأتقنها، مُثلت له حقيقة حياته، وأنّها حياة مؤبّدة ذات سعادة دائمة أو شقوة لازمة، وليست بتلك المتهوسة المنقطعة اللاهية اللاغية. وهذا موقف علمي يهدي الانسان إلى تكاليف ووظائف بالنسبة إلى ربّه، وبالنسبة إلى أبناء نوعه في الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وهي التي نسمّيها بالدين.

غير أنّ النظر إلى آيات الانفس أنفع، فإنّه لا يخلو من العثور على ذات النفس وقواها وأدواتها الروحية والبدنية وما يعرضها من الاعتدال في أمرها أو طغيانها أو خمودها، والملكات الفاضلة أو الرذيلة، والاحوال الحسنة أو السيّئة التي تقارنها.

واشتغال الانسان بمعرفة هذه الامور والاذعان بما يلزمها من أمن أو خطر، وسعادة أو شقاوة، لا ينفك من أن يعرّفه الداء والدواء من موقف قريب، فيشتغل بإصلاح الفاسد منها، والالتزام بصحيحها، بخلاف النظر في الآيات الآفاقية، فإنّه وإن دعا إلى إصلاح النفس وتطهيرها من سفاسف الاخلاق ورذائلها، وتحليتها بالفضائل الروحية ، لكنه ينادي لذلك من مكان بعيد، وهو ظاهر.

الوجه الثاني: وهو معنى أدقّ مستخرج من نتائج الابحاث الحقيقية في علم النفس، وهو أنّ النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك، نظر فكري وعلم حصولي بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلّية منها، فإنه نظر شهودي وعلم حضوري، والتصديق الفكري يحتاج في تحقّقه إلى نظم الاقيسة واستعمال البرهان، وهو باق ما دام الانسان متوجهاً إلى مقدماته، غير ذاهل عنها ولا مشتغل بغيرها، ولذلك يزول العلم بزوال الاشراف على دليله، وتكثر فيه الشبهات ويثور فيه الاختلاف.

وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها، فإنّه من العيان، فإذا اشتغل الانسان بالنظر إلى آيات نفسه، وشاهد فقرها إلى ربّها، وحاجتها في جميع أطوار وجودها، وجد أمراً عجيباً، وجد نفسه متعلّقة بالعظمة والكبرياء، متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبّها وسائر صفاتها وأفعالها، بما لا يتناهى بهاءً وسناءً وجمالاً وجلالاً وكمالاً من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كلّ كمال»([457]).

وذلك لانّ البرهان العقلي قائم على أنّ المعلول وكلّ شأن من شؤونه هو عين الفقر والحاجة إلى علّته، فإذا وقف الانسان على هذه الحقيقة عياناً وشهوداً، فإنّه لا يمكنه إلاّ أن يقف على خالقه وقيومه وهو الحق تعالى، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)([458])، لذا ورد في جملة من الروايات، أنّه لا يمكن معرفة مخلوق إلاّ بالله، قال الصادق (عليه السلام): «لا يدرك مخلوق شيئاً إلاّ بالله»([459]).

وهذا هو معنى قول الحكماء الالهيين «إنّ ذوات الاسباب لا تعرف إلاّ بأسبابها».

من هنا نفهم لماذا أنّ الانسان إذا وقف على ملكوت الاشياء، الذي هو وجود الاشياء من جهة انتسابها إلى الله سبحانه وقيامها به، وهو أمر لا يقبل الشركة ويختص به تعالى وحده (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون)([460]) لا يمكن إلاّ أن يحصل له اليقين بحسب الاصطلاح القرآني، وهو العلم الذي لا يشوبه شك، لذا رتّب القرآن حصول اليقين لابراهيم الخليل (عليه السلام) على إراءته ملكوت السموات والارض، قال تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)([461]).

 

المقاربة الروائية

أشار القرآن إلى هذا المعنى بالنسبة إلى النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) حيث قال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)([462]) وقال: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)([463]).

وهذا ما تؤيّده الروايات الواردة في المقام.

عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) في قوله: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) قال: «كشط له عن الارض ومن عليها، وعن السماء وما فيها، والملك الذي يحملها، والعرش ومن عليه، وفعل ذلك برسول الله صلّى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين عليه السلام»([464]).

عن ابن مسكان قال: قال أبو عبدالله الصادق (عليه السلام): (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) قال: «كشط لابراهيم (عليه السلام) السموات السبع حتى نظر إلى ما فوق العرش، وكشط له الارض حتى رأى ما في الهواء، وفعل بمحمّد (صلّى الله عليه وآله) مثل ذلك، وإني لارى صاحبكم والائمّة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك»([465]).

عن بريدة الاسلمي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا علي إنّ الله أشهدك معي سبعة مواطن ، حتى ذكر الموطن الثاني، أتاني جبرائيل فأسرى بي إلى السماء فقال: أين أخوك ؟ فقلت: ودّعته خلفي، قال: فقال: فادع الله يأتيك به، قال: فدعوت فإذا أنت معي، فكشط لي عن السموات السبع والارضين السبع، حتى رأيت سكّانها وعمّارها، وموضع كلّ ملك منها، فلم أرَ من ذلك شيئاً إلاّ وقد رأيتَه كما رأيتُه»([466]).

وكيفما كان إذا وقف الانسان على حقيقة نفسه بهذا النحو أي عياناً وشهوداً، فقد انكشف له ملكوت نفسه، عند ذلك تنصرف نفسه عن كلّ شيء سوى الله، وتتوجّه إلى ربّها، وتنسى كلّ شيء وتذكر ربّها، حينئذ «يتبدّل إدراك النفس وشعورها، ويهاجر من موطن الشرك إلى موقف العبودية ومقام التوحيد، ولا يزال يعوّض شركاً من توحيد، وتوهّماً من تحقّق، وبُعداً من قرب، واستكباراً شيطانياً من تواضع رحماني، واستغناءً وهمياً من فقر عبودي أن أخذت بيدها العناية الالهية وساقها سائق التوفيق.

ونحن وإن كان لا يسعنا أن نفقه هذه المعاني حق الفقه لمكان إخلادنا إلى الارض، واشتغالنا ـ عن الغوص في أغوار هذه الحقائق التي يكشف عنها الدين ويشير إليها الكتاب الالهي ـ بما لا يغنينا من فضولات هذه الحياة الفانية التي لا يعرّفها الكلام الالهي في بيان إلاّ بأنّها لعب ولهو، كما قال تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ)([467])، وقال: (ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)([468]).

إلاّ أنّ الاعتبار الصحيح والبحث البالغ والتدبّر الوافي، يوصلنا إلى التصديق بكليّاتها إجمالاً، وان قصرنا عن إحصاء التفاصيل، والله الهادي»([469]).

 

معرفة الله بالله

«وهذه المعرفة الاحرى بها أن تسمّى بمعرفة الله بالله، وأما المعرفة الفكرية التي يفيدها النظر في الآيات الآفاقية، سواءحصلت من قياس أو حدس أو غير ذلك، فإنّما هي معرفة بصورة ذهنية عن صورة ذهنية، وجلّ الاله أن يحيط به ذهن، أو تساوي ذاته صورة مختلقة اختلقها خلق من خلقه، ولا يحيطون به علماً»([470]).

قال الصادق (عليه السلام): «من زعم أنّه يعرف الله بتوهّم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنّه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقرّ بالطعن، لانّ الاسم محدث، ومن زعم أنّه يعبد الاسم والمعنى، فقد جعل مع الله شريكاً، ومن زعم أنّه يعبد بالصفة لا بالادراك فقد أحال على غائب، ومن زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغّر بالكبير، وما قدروا الله حقّ قدره.

قيل له: فكيف سبيل التوحيد؟

قال (عليه السلام): باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود، إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه.

قيل: وكيف يعرف عين الشاهد قبل صفته؟

قال (عليه السلام): تعرفه وتعلمُ علْمَهَ، وتعرف نفسك به، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، وتعلم أنّ ما فيه له وبه، كما قالوا ليوسف: (قَالُوا أَئِنَّكَ لاََنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي)([471])، فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره، ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب»([472]).

بيّن الامام (عليه السلام) أنّ المعرفة الحقيقية لله تعالى، إنّما تكون بمعرفته أوّلاً. ثمّ معرفة صفاته ثانياً، ثمّ معرفة خلقه من خلال الصفات ثالثاً. وهذا ما أكّدته الروايات الكثيرة الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

عن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا من دلّ على ذاته بذاته»([473]).

عن الامام الحسين بن علي (عليهما السلام): «كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المُظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلُّ عليك، ومتى بَعُدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك عليها رقيباً»([474]).

عن الامام علي بن الحسين (عليهما السلام) : «بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدرِ ما أنت»([475]).

عن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبدالله الصادق عليه السلام: إنّ الله أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون بالله، قال: صدقت»([476]).

عن عبد الاعلى عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال: «اسم الله غير الله، وكلّ شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله، فأمّا ما عبّرت الالسن عنه أو عملت الايدي فيه فهو مخلوق، والله غاية من غاياه، والمغيّى غير الغاية، والغاية موصوفة، وكلّ موصوف مصنوع، وصانع الاشياء غير موصوف بحدّ مسمّى، لم يتكوّن فتعرف كينونته بصنع غيره، ولم يتناه إلى غاية إلاّ كانت غيره، لا يذلّ من فهم هذا الحكم أبداً، وهو التوحيد الخالص، فاعتقدوه وصدّقوه وتفهّموه بإذن الله عزّوجلّ.

ومن زعم أنّه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك، لانّ الحجاب والمثال والصورة غيره، وانّما هو واحد موحّد، فكيف يوحِّد من زعم أنّه عرفه بغيره، إنما عرف الله مَنْ عَرَفه بالله، فمن لم يعرفه به فليس يعْرفه، وإنّما يعرف غيره»([477]).

 

رؤية تحليلية

قال القاضي سعيد القمّي في بيان بعض فقرات هذا الحديث: «لمّا ظهر من قوله: (لم يتكوّن فتعرف كينونته بصنع غيره، ولم يتناه إلى غاية إلاّ كانت غيره) انسداد باب معرفته سبحانه من مُعلّ «أي علّة» فوقه، إذ ليس عزّ شأنه معلولاً لشيء، وكذا (معرفته) من صفة أو اسم يحيط به فيتناهى هو جلّ مجده عندهما، وبقي من طرق معرفة الشيء ثلاثة أنحاء أُخر، نفاها الامام (عليه السلام) أيضاً، ليثبت أنّه لا يعرف إلاّ به جلّ برهانه:

فالاوّل من هذه الثلاثة، معرفة الشيء بالحجاب، والمراد به ما يحجب الشيء عن غيره، ويمنع اتصال شيء إليه، وهو هنا عبارة عن الصفات الخصيصة به، والامور التي يمتاز بها عن غيره».

والثاني من هذه الثلاثة، معرفة الشيء بالصورة العارضة للشيء، بسبب عروض أية مقولة كانت إيّاه.

والثالث منها، معرفة الشيء بالمثال، وهو عبارة عمّا يماثل الشيء في كلية معنىً من المعاني، سواء كانت أموراً داخلة في الذات أو خارجة عنها.

واستدلّ على أنّه لا يمكن أن يعرف بها ـ وبالجملة يمتنع أن يعرف بغيره تعالى ـ أنّ هذه المعرّفات لا محالة غيره وهو ظاهر، فلو كان له مميّز يحجبه، أو كيفيّة ذاتية يتصوّر بها، أو مفهوم كلّي يصدق عليه وعلى غيره، حتّى يماثله فرد آخر من هذا المفهوم، لكانت هذه الامور معه تصحبه في أزليته، والله سبحانه واحد أزلاً، موحّد أبداً، فمعرفته بغيره ينافي التوحيد، فكيف يعتقد توحيده من زعم أنّه عرفه بغيره، لانّ وجود الغير ينافي وحدته سبحانه. فلا يعرف الله أحد سوى من عرفه به.

ثمّ أفاد (عليه السلام) : أنّ معرفة الله بغيره إنّما هي معرفة الغير، وليست من معرفة الله في شيء، لانّ المغاير في التعريفات التي للاشياء الممكنة، إنّما يناسبها من وجه ويغايرها من آخر، وليس هذا الشأن للامور المغايرة له سبحانه، فإنّها مباينة له عزّ شأنه من جميع الوجوه، وإلاّ لزم التركيب المؤذِن بالنفر، فالزاعم أنّه عرف الله بغيره، لم يعرف الله من وجه أصلاً، وهذا ممّا يقصده القول بأنّ معرفة الشيء بالوجه، إنّما هي معرفة الوجه لا الشيء»([478]).

 

السبيل ممكن

من هنا سأل السائل في بعض الروايات السابقة «فكيف سبيل التوحيد» قال (عليه السلام): «إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه». بيان ذلك:

«إنّ حقيقة كلّ واحد من الاشياء كائنة ما كانت، هي عينها الموجودة في الخارج، فحقيقة زيد مثلاً هي هذا الوجود الانساني المتحقّق في الخارج، وهو الذي يتميّز بنفسه عن كلّ شيء، ولا يختلط بغيره، ولا يشتبه شيء من أمره في الخارج مع من سواه. ثمّ إنّا ننتزع منه معاني ناقلين إيّاها إلى أذهاننا، نتعرّف من خلالها حال الاشياء ونتفكّر في أمرها، كمعاني الانسان وطويل القامة والشاب وأبيض اللون وغير ذلك، وهي معان كلّية إذا اجتمعت وانضمّت ، أفادت نوعاً من التميّز الذهني الذي نقنع به.

وهذه المعاني التي ننالها ونأخذها من العين الخارجية، هي آثار الروابط التي بها ترتبط بنا تلك العين الخارجية نوعاً من الارتباط والاتصال، كما أنّ زيداً مثلاً يرتبط ببصرنا بشكله ولونه، ويرتبط بسمعنا بصوته وكلامه، ويرتبط بأكفّنا ببشرته، فنعقل منه طول القامة، والتكلّم، ولين الجلد ونحو ذلك. فلزيد مثلاً أنواع من الظهور لنا تنتقل بنحو إلينا، وهي المسمّاة بالصفات. وأمّا عين زيد ووجود ذاته في الخارج، فلا تنتقل إلى أفهامنا بوجه، ولا تتجافى عن مكانها، ولا طريق إلى نيلها، إلاّ أن نشهد عينه الخارجية (عياناً وشهوداً لا مفهوماً وحصولاً) ولا نعقل في أذهاننا إلاّ الاوصاف الكلّية.

ومن هذا البيان يظهر أنّا لو شاهدنا عين زيد مثلاً في الخارج، ووجدناه بعينه بوجه شهوداً فهو المعروف الذي ميّزناه حقيقة عن غيره من الاشياء، ووحّدناه واقعاً من غير أن يشتبه بغيره. ثمّ إذا عرفنا صفاته واحدة بعد أُخرى، استكملنا معرفته والعلم بأحواله. وأمّا إذا لم نجده عياناً وشهوداً، وتوسّلنا إلى معرفته بالصفات، لم نعرف منه إلاّ أموراً كلّية، لا توجب له تميّزاً عن غيره، كما لو لم نر زيداً بعينه وإنّما عرفناه بأنّه إنسان أبيض اللون طويل القامة حسن المحاضرة، بقي على الاشتراك مع غيره، حتى نجده بعينه ثمّ نطبّق عليه ما نعرفه من صفاته، وهذا معنى قوله (عليه السلام) : «إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه».

ومن هنا يتبيّن أيضاً أنّ توحيد الله سبحانه حقّ توحيده، أن يعرف بعينه أوّلاً، ثمّ تعرف صفاته لتكميل الايمان به، لا أن يعرف بصفاته وأفعاله، فلا يستوفى حقّ توحيده. وهو تعالى الغني عن كلّ شيء، القائم به كلّ شيء، فصفاته قائمة به، وجميع الاشياء من بركات صفاته، من حياة وعلم وقدرة ومن خلق ورزق وإحياء وتقدير وهداية وتوفيق ونحو ذلك، فالجميع قائم به، مملوك له، محتاج إليه من كلّ جهة.

فالسبيل الحقّ في المعرفة أن يعرف هو أوّلاً، ثمّ تعرف صفاته، ثمّ يعرف بها ما يعرف من خلقه لا بالعكس. ولو عرفناه بغيره، فلم نعرفه بالحقيقة، ولو عرفنا شيئاً من خلقه لا به، بل بغيره فذلك المعروف الذي عندنا، يكون منفصلاً عنه تعالى، غير مرتبط به، فيكون غير محتاج إليه في هذا المقدار من الوجود ، لذا ورد في بعض الروايات السابقة «لا يدرك مخلوق شيئاً إلاّ بالله». وورد في هذه الرواية «وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، وتعلم أنّ ما فيه له وبه» أي تعرف نفسك بالله، لانّك آثرة من آثاره، لا تستغني عنه في ذهن ولا خارج، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، حتى تثبت نفسك مستغنياً عنه فتثبت إلهاً آخر من دون الله من حيث لا تشعر، وتعلم أنّ ما في نفسك لله وبالله سبحانه لا غنى عنه في حال»([479]).

ونعْمَ ما قال الشيخ ابن سينا في هذا المجال، «وإنّه لا حدّ له، ولا برهان عليه، بل هو البرهان على كلّ شيء»([480]).

وبهذا يتّضح سبب تأكيد الروايات على معرفة النفس، وأنّه من عرف نفسه فقد عرف ربّه، وأنّ أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه «لانّ الانسان إذا اشتغل بآية نفسه وخلا بها عن غيرها، انقطع إلى ربّه من كلّ شيء، وعقّب ذلك معرفة ربّه معرفة بلا توسيط وسط، وعلماً بلا تسبيب سبب، إذ الانقطاع يرفع كلّ حجاب مضروب، وعند ذلك يذهل الانسان بمشاهدة ساحة العظمة والكبرياء عن نفسه»([481]). وهذا ما ورد في مناجاة أمير المؤمنين (عليه السلام) والائمّة من ولده (عليهم السلام) أنّهم كانوا يدعون بهذا الدعاء: «إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرق أبصار القلوب حُجُب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك»([482]).

«فتحصّل أنّ النظر في آيات الانفس أنفس وأغلى قيمة، وأنّه هو المنتج لحقيقة المعرفة فحسب، وعلى هذا فعدّه (عليه السلام) إيّاها أنفع المعرفتين (بل هي أنفع المعارف) لا معرفة متعيّنة، إنّما هو لانّ العامّة من الناس قاصرون عن نيلها، وقد أطبق الكتاب والسنّة وجرت السيرة الطاهرة النبوية وسيرة أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) على قبول من آمن بالله عن نظر آفاقي، وهو النظر الشائع بين المؤمنين، فالطريقان نافعان جميعاً، لكن النفع في طريق النفس أتمّ وأغزر»([483]).

 

دور الشرع

نعم يبقى الكلام في كيفية السير في طريق آية النفس، وهل بيّنت الشريعة السُبل للوصول إلى هذا المقام السامي، أم أهملت ذلك، وأوكلت كيفيته إلى السالكين أنفسهم؟

«زعم بعض أنّ كيفية السير من هذا الطريق غير مبيّنة شرعاً، حتى ذكر بعض المصنّفين أنّ هذا الطريق في الاسلام، كطريق الرهبانية التي ابتدعتها النصارى من غير نزول حكم إلهي به، فقبل الله سبحانه ذلك منهم، قال سبحانه: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)([484]) قال: فكذلك طريق معرفة النفس غير واردة في الشريعة، إلاّ أنّها طريقة إلى الكمال مُرضية.

من هنا ربما يوجد عند بعض أهل هذا الطريق وجوه من الرياضات ومسالك مخصوصة، لا تكاد توجد أو لا توجد في مطاوي الكتاب والسنّة، ولم يشاهد في سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والائمّة من أهل البيت (عليهم السلام). وذلك كلّه بالبناء على ما مرّ ذكره، وأنّ المراد هو العبور والوصْل بأي نحو أمكن بعد حفظ الغاية، وكذلك الطرق المأثورة عن غير المسلمين من متألهي الحكماء وأهل الرياضة، كما هو ظاهر لمن راجع كتبهم، أو الطرق المأثورة عنهم.

لكنّ الحقّ الذي عليه أهل الحقّ، وهو الظاهر من الكتاب والسنّة، أنّ شريعة الاسلام لا تجوّز التوجّه إلى غير الله سبحانه، للسالك إليه تعالى بوجه من الوجوه، والاعتصام بغيره سبحانه، إلاّ بطريق أمر بلزومه وأخذه، وأنّ شريعة الاسلام لم تُهمل مثقال ذرّة من السعادة والشقاوة إلاّ بيّنتها، ولا شيئاً من لوازم السير إلى الله سبحانه يسيراً أو خطيراً إلاّ أوضحتها، فلكلّ نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. قال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء)([485])، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)([486])، وقال سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)([487])، وقال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)([488]).

والاخبار في هذا المعنى من طريق أهل البيت (عليهم السلام) مستفيضة بل متواترة.

عن أبي حمزة الثمالي (رحمه الله) عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: خطب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع فقال: «يا أيّها الناس والله ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه»([489]).

ممّا تقدّم يظهر أنّ حظّ كلّ امرئ من الكمال بمقدار متابعته للشرع، وقد عرفت أنّ هذا الكمال أمر مشكّك ذو مراتب، ونعم ما قال بعض أهل الكمال، إنّ الميل من متابعة الشرع إلى الرياضات الشاقّة، فرار من الاشقّ إلى الامهل، فإن اتباع الشرع قتل مستمر للنفس (الهوى) دائمي ما دامت موجودة، والرياضة الشاقّة قتل دفعي، وهو أسهل إيثاراً. وبالجملة فالشرع لم يهمل بيان كيفية السير من طريق النفس»([490]).

والتدبّر في الروايات الواردة في العلاقة بينه تعالى وبين خلقه، توصلنا إلى أنّه لا حجاب بينه وبين خلقه. قال الامام السجّاد علي بن الحسين (عليهما السلام): «وإنّ الراحل إليك قريب المسافة وإنّك لا تحتجب عن خلقك إلاّ أن تحجبهم الاعمال دونك»([491]). وعن الامام الكاظم موسى بن جعفر (عليهما السلام): «ليس بينه وبين خلقه حجاب إلاّ خلْقه، فقد احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور»([492]).

«وهذا الحديث الشريف أجمل بيان لاحسن طريق، يبتدئ بالاسباب الواردة شرعاً للانقطاع، من التوبة والانابة والمحاسبة والمراقبة والصمت والجوع والخلوة والسهر، ويجاهد بالاعمال والعبادات، ويؤيّد ذلك بالفكر والاعتبار، حتى يورث ذلك انقطاعاً منها إلى النفس، وتوجّهاً إلى الحقّ سبحانه، ويطْلع من الغيب طالع، ويعقبه شيء من النفحات الالهية والجذبات الربانية، ويوجب حبّاً وإشراقاً وذلك هو الذكر. ثمّ لا يزال بارق يلمع، وجذبة تطلع، وشوق يدفع، حتى يتمكّن سلطان الحبّ في القلب، ويستولي الذكر على النفس، فيجمع الله الشمل، ويختم الامر، وإنّ إلى ربّك المنتهى.

واعلم أنَّ مَثَل هذا السائر الظاعن، مَثَل من يسلك طريقاً قاصداً إلى غاية، فإنّما الواجب عليه أن لا ينسى المقصد، وأن يعرف من الطريق مقدار ما يعبر عنه، وأن يحمل من الزاد قدر ما يحتاج إليه. فلو نسي مقصده آناً ما، هام على وجهه حيران، وضلّ ضلالاً بعيداً (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحِيق)([493]). ولو ألهاه الطريق ومشاهدته ما فيه، بطل السير وحصل الوقوف، ولو زاد حمل الزاد، تعوّق السعي، وفات المقصد»([494]).

 

إضاءات نصّية

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف هذه الطبقة: «قد أحيى عقله، وأمات نفسه، حتى دقّ جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرْق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الابواب إلى باب السلامة، ودار الاقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الامن والراحة، بما استعمل قلبه وأرضى ربه»([495]).

وفي الختام نورد بعض الكلمات القصار لامام المتّقين عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في معرفة النفس، كما وردت في «الغرر والدرر» للآمدي:

قال (عليه السلام): «أعظم الحكمة معرفة الانسان أمر نفسه»([496]).

فإذا ضممنا هذا القول إلى قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)([497])، يتّضح أنّ من أوضح مصاديق الحكمة هي معرفة النفس، ومن عرفها فقد أُوتي خيراً كثيراً.

وقال (عليه السلام): «أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربِّه»([498]).

فإذا ضممناه إلى قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)([499]) اتضح أنّ من أهمّ طرق الوصول إلى مخافة الله وخشيته هو معرفة النفس، وإذا انتهى الانسان إلى مقام الحقيقة، فقد انتهى إلى رأس الحكمة، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «رأس الحكمة مخافة الله»([500]).

وقال (عليه السلام) : «أفضل العقل معرفة الانسان نفسه، فمن عرف نفسه عقل»([501]).

فإذا ضممنا هذا الكلام إلى قوله تعالى: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ)([502]) فالعلم الذي يوصل الانسان إلى العقل هو علم الانسان بنفسه، والعقل يوصل الانسان إلى الدين، والدين يوصله إلى الجنّة، قال أبو عبدالله الصادق (عليه السلام): «من كان عاقلاً كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنّة»([503]).

ثمّ بيّن (عليه السلام) الآثار المترتّبة على معرفة النفس:

قال (عليه السلام): «من عرف نفسه جاهدها»([504]).

وقال (عليه السلام): «من عرف نفسه تجرّد».

أي تجرّد عن علائق الدنيا، أو تجرّد عن الناس بالاعتزال عنهم، أو تجرّد عن كلّ شيء بالاخلاص لله»([505]).

وقال (عليه السلام): «من عرف نفسه كان لغيره أعرف»([506]).

وقال (عليه السلام): «نال الفوز الاكبر من ظفر بمعرفة النفس»([507]).

وقال (عليه السلام): «من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كلّ معرفة وعلم»([508]).

وقال (عليه السلام): «من عرف نفسه جلّ أمره»([509]).

وأمّا الآثار المترتّبة على الجهل بها:

وقال (عليه السلام): «أعظم الجهل، جهل الانسان أمر نفسه»([510]).

وقال (عليه السلام): «عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربّه»([511]).

وقال (عليه السلام): «كفى بالمرء جهلاً أن يجهل نفسه»([512]).

وقال (عليه السلام): «من لم يعرف نفسه، بعُد عن سبيل النجاة وخبط في الضلال والجهالات»([513]).

وقال (عليه السلام): «عجبت لمن ينشد ضالّته، وقد أضلّ نفسه فلا يطلبها»([514]).

...............................................................................................................................................................................................

صفات المتّقين

قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّموَاتُ وَالاَْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الُْمحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولـئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)([515]).

وقال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَْرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)([516]).

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «قال الله جلَّ جلاله: إذا عصاني من خلقي مَنْ يعرفني، سلّطت عليه من خلقي مَنْ لايعرفني»([517]).

وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الصفا فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، إني رسول الله إليكم وإنّي شفيق عليكم، وإنّ لي عملي ولكلّ رجل منكم عمله، لا تقولوا: إنّ محمّداً منّا وسندخل مدخله، فلا والله ما أوليائي منكم ولا من غيركم يا بني عبد المطّلب إلاّ المتّقون، ألا أفلا أعرفكم يوم القيامة، تأتون تحملون الدنيا على ظهوركم، ويأتون الناس يحملون الآخرة، ألا إنّي قد أعذرت إليكم، فيما بيني وبينكم، وفيما بيني وبين الله عزّوجلّ»([518]).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «إنّ أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خَشَوا أن يُميتهم، وتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالاً، ودَرَكَهم لها فَوَتاً، أعداء ما سالَم الناس، وسَلْمُ ما عادى الناس. بهم عُلِمَ الكتاب وبه عُلموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا، لا يرون مرجواً فوق ما يرجون، ولا مخوفاً فوق ما يخافون»([519]).

وقال (عليه السلام): «واعلموا عباد الله أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سُكنت، وأكلوها بأفضل ما أُكلت، ثمّ انقلبوا عنها بالزاد المبْلغ، والمتجر الرابح، أصابوا لذّة زهد الدنيا في دنياهم، وتيقّنوا أنّهم جيران الله غداً في آخرتهم، لا ترد لهم وعدة، ولا ينقص لهم نصيب من لذّة»([520]).

وقال (عليه السلام) : «كان لي فيما مضى أخٌ في الله، وكان يُعظّمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً، فإن قال بذّ القائلين، ونَقَع غليل السائلين، وكان ضعيفاً مُستضعفاً، فإن جاء الجدّ فهو ليثُ غاب وصلُّ واد، لا يُدلي بحجّة حتّى يأتي قاضياً، وكان لا يلوم أحداً على ما يجدُ العذر من مثله، حتى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعاً إلاّ عند بُرئه، وكان يقول ما يفعل، ولا يقول ما لا يفعل، وكان إذا غُلب على الكلام لم يُغلب على السكوت، وكان على ما يسمعُ أحرص منه على أن يتكلّم، وكان إذا بدَهه أمران ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فيخالفه.

فعليكم بهذه الخلائق (جمع خُلق) فالزموها وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير»([521]).

وقال (عليه السلام) عند تلاوته: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ)([522]): «إنّ الله جعل الذكر جِلاءً للقلوب، تسمعُ به بعد الوقْرة، وتُبصر به بعد العَشْوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برِح لله ـ عزّت آلاؤه ـ في البرهة بعد البرهة، وفي أزمات الفترات، عبادٌ ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم، فاستصحبوا بنور يقظة في الابصار والاسماع والافئدة، يذكّرون بأيّام الله، ويخوّفون مقامه، بمنزلة الادلّة في الفلوات، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه، وبشّروه بالنجاة، ومن أخذ يميناً وشمالاً ذمّوا إليه الطريق، وحذّروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات، وأدلّة تلك الشبهات.

وإنّ للذكر لاهلاً أخذوه من الدنيا بَدَلاً، فلم تشغلهم تجارةٌ ولا بيعٌ عنه، يقطعون به أيّام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهْون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما أطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الاقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عِداتها، فكشفوا غطاء ذلك لاهل الدنيا، حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون.

فلو مثّلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة وكبيرة، أُمروا بها فقصّروا عنها، أو نُهوا عنها ففرّطوا فيها، وحمّلوا ثِقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، نشجوا نشيجاً وتجاوبوا نحيباً، يعجّون إلى ربّهم من مقام ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دُجى، قد حفّت بهم الملائكة، وتنزّلت عليهم السكينة، وفُتحت لهم أبواب السماء، وأُعدّت لهم مقاعد الكرامات، في مقصد اطّلع الله عليهم فيه، فرضي سعيهم وحمد مقامهم.

رهائن فاقة إلى فضله، وأسارى ذلّة لعظمته، جَرَح طول الاسى قلوبهم، وطولُ البكاء عيونهم، لكلّ باب رغبة إلى الله منهم يُد فارعة، يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه الراغبون.

فحاسب نفسك لنفسك، فإن غيرها من الانفس لها حسيب غيرك»([523]).

وقال الامام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) : «يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلاّ من اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر، إلاّ بالتواضع والتخشّع والامانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبرّ بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والايتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكفّ الالسن عن الناس إلاّ من خير، وكانوا أُمناء عشائرهم في الاشياء.

يا جابر: لا تذهبنّ بك المذاهب، حسْب الرجل أن يقول: أحبُّ علياً وأتولاّه، ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ فلو قال: إنّي أحبُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فرسول الله خيرٌ من عليّ ثمّ لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً.

فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّوجلّ وأكرمهم عليه، أتقاهم وأعملهم بطاعته. يا جابر والله ما يتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلاّ بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لاحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع»([524]).

...............................................................................................................................................................................................

مصادر الكتاب

 

 

 ـ الاصول من الكافي.

 ـ سنن الترمذي.

 ـ نفحات الازهار في خلاصة عبقات الانوار.

 ـ مفاتيح الجنان المعرّب، الشيخ عبّاس القمّي.

 ـ بحار الانوار، العلاّمة المجلسي، مؤسسة الوفاء، بيروت ـ لبنان.

 ـ الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي.

 ـ جامع أحاديث الشيعة.

 ـ التفسير الكبير، للامام الفخر الرازي

 ـ نهج البلاغة، طبعة صبحي الصالح.

 ـ المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني

 ـ تفسير المحيط الاعظم والبحر الخضم: السيّد حيدر الآملي، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه: السيّد محسن الموسوي التبريزي.

 ـ شرح جامع لاصول الكافي والروضة، محمد صالح المازندراني، منشورات المكتبة الاسلامية، طهران.

 ـ التوحيد: الشيخ الصدوق.

 ـ رسالة الولاية، العلاّمة الطباطبائي.

 ـ إحياء علوم الدين، الغزالي.

 ـ جامع السعادات، محمد مهدي النراقي، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات.

 ـ تفسير العيّاشي.

 ـ البرهان في تفسير القرآن، العلاّمة المحدِّث السيّد هاشم البحراني، منشورات مؤسّسة الاعلمي، بيروت ـ لبنان.

 ـ معاني الاخبار.

 ـ تعليقة على نهاية الحكمة: مصباح يزدي.

 ـ مصباح الشريعة.

 ـ تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، العلاّمة المفسِّر الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي.

 ـ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، السيّد شرف الدين علي الحسيني الاشهرآبادي الغروي، مؤسسة النشر الاسلامي.

 ـ الدرّ المنثور في التفسير المأثور، السيوطي، دار الفكر.

 ـ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، العلاّمة الآلوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

 ـ علم اليقين في أصول الدين، الفيض الكاشاني، انتشارات بيدار.

 ـ تسنيم، تفسير القرآن الكريم: المفسّر الحكيم آية الله جوادي آملي، ] بالفارسية[.

 ـ تفسير الصافي، الفيض الكاشاني، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.

 ـ مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، العلاّمة المجلسي، دار الكتب الاسلامية.

 ـ العروة الوثقى، السيّد اليزدي.

 ـ بحوث في شرح العروة الوثقى، محمد باقر الصدر، مطبعة الآداب في النجف الاشرف.

 ـ العصمة: بحث تحليلي في ضوء المنهج القرآني، بقلم: محمد القاضي.

 ـ بحث حول الامامة; نص الحوار مع السيّد كمال الحيدري، حاوره: جواد علي كسّار.

 ـ فلسفة الوحي والنبوّة، محمد الري شهري، تعريب خالد توفيق.

 ـ لاشارات والتنبيهات، ابن سينا، مع الشرح للمحقّق الطوسي.

 ـ شرح القيصري على فصوص الحكم، الفص الابراهيمي، الطبعة الحجرية.

 ـ الرسائل، صدر الدين الشيرازي، مكتبة المصطفوي قم. ايران.

 ـ شرح أصول الكافي في آخر كتاب مفاتيح الغيب، صدر الدين الشيرازي، منشورات مكتبة المحمودي بطهران، الطبعة الحجرية.

 ـ مجموعة مقالات، الطباطبائي.

 ـ تحف العقول عن آل الرسول: ابن شعبة الحرّاني، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين.

 ـ شرح توحيد الصدوق، للعارف الرباني سعيد القمّي، صحّحه وعلّق عليه نجفعلي حبيبي.

 ـ حاشية الطباطبائي على تحف العقول.

 ـ الالهيات من الشفاء، ابن سينا.

 ـ غرر الحكم و درر الكلم.

 ـ مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث.

 ـ من لا يحضره الفقيه.

 ـ الوافي، الفيض الكاشاني، منشورات مكتبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، اصفهان.

 ـ الفروع من الكافي، الكليني.

 ـ التنظيم الموضوعي لنهج البلاغة، علي أنصاريان.

...............................................................................................................................................................................................

الفهرست


 

التقوى في القرآن …2

  دراسة في الآثار الاجتماعية والوجودية …2

تمهيد   …5

  نشأة الابتلاء …5

  الصراط المستقيم   …8

  حبل الصعود    …12

  دور التقوى وموقعها   …16

  ختامه مسك  …21

أهمّية التقوى في القرآن الكريم …27

  التقوى لغة   …27

  دور التوحيد …29

  التقوى غاية العبادة …33

      «والله وليّ المتّقين»   …36

  بعض الآثار …42

مراتب التقوى …49

  طبقات الناس    …54

آثار التقوى في الدنيا …61

      الحياة الطيّبة …63

      الفرقان بين الحقّ والباطل    …71

      «ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً»    …75

      أثرالتقوى على ذرية الانسان …81

التبعات السلبية للفجور في الدنيا   …85

  التبعات الوجودية   …89

الرابطة الوجودية …99

بين أعمال الانسان والحوادث الكونية …99

  الخارج والمحتوى الداخلي    …106

دور العلل الطبيعية في وجود الحوادث الكونية …111

  تساؤل مهمّ   …114

آثار التقوى في النشأة الاُخرى …125

  دوام الخلّة    …128

طرق تحصيل التقوى   …135

  الطريق الاوّل: الغايات الاخروية    …135

  روايات الجنة   …138

  روايات النار    …141

  الطريق الثاني: الحبّ الالهي …144

  اتباع النبي   …149

  المجتبون …158

  صحة الطرق    …161

  الدفع والرفع …165

      بين العصمة والعدالة   …170

      مسارات تطبيقية    …172

  الفرق بين الزاهد والعابد والعارف  …177

  نصوص ودلالات  …180

طريق الوصول إلى الحبّ الالهي …183

  أنفعية المعرفة الانفسية    …185

  المقاربة الروائية    …189

  معرفة الله بالله   …191

  رؤية تحليلية …195

         السبيل ممكن …196

  دور الشرع  …200

  إضاءات نصّية …205

صفات المتّقين    …209



([1]) المؤمنون: 115.

([2]) الكهف: 110.

([3]) يونس: 7 ـ 8 .

([4]) العلق: 2 .

([5]) الملك: 2 .

([6]) الكهف: 7.

([7]) الانسان : 2 .

([8]) الانسان : 3.

([9]) الكهف: 29.

([10]) المائدة: 105.

([11]) المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني، ص297، مادّة «ضلّ».

([12]) الميزان في تفسير القرآن، ج6 ص162.

([13]) الفاتحة: 6 .

([14]) الاُصول من الكافي، الكليني الرازي، ج1 ص43 كتاب فضل العلم، باب من عمل بغير علم، الحديث : 1 .

([15]) الحج: 23 ـ 24.

([16]) الصافات: 22 ، 23. 

([17]) سورة الانعام: 84 ـ 88 .

([18]) الانعام: 90 .

([19]) آل عمران: 31.

([20]) الاحزاب: 21 .

([21]) الحشر: 7 .

([22]) الاصول من الكافي، ج1 ص74، كتاب الايمان والكفر، باب الطاعة والتقوى.

([23]) النجم: 3 .    

([24]) سنن الترمذي، ج5 ص664، الحديث: 3786.

قال في «نفحات الازهار في خلاصة عبقات الانوار»، ج1 ص185: «إنّ هذا الحديث رواه عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أكثر من ثلاثين صحابياً، وما لا يقلّ عن ثلاثمائة عالم من كبار علماء أهل السنّة في مختلف العلوم والفنون، في جميع الاعصار والقرون، بألفاظ مختلفة وأسانيد متعدّدة، وفيهم أرباب الصحاح والمسانيد وأئمّة الحديث والتفسير والتاريخ، فهو حديث صحيح متواتر بين المسلمين» .

وقال بعض الاعلام المعاصرين: «هذا الحديث يكاد يكون متواتراً، بل هو متواتر فعلاً، إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنّة في مختلف الطبقات. واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته، تقتضيه طبيعة تعدّد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى، وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعاً.

وحسب الحديث لان يكون موضع اعتماد الباحثين، أن يكون من رواته: كلّ من صحيح مسلم، وسنن الدارمي، وخصائص النسائي، وسنن أبي داود، وابن ماجة، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، وذخائر الطبري، وحلية الاولياء، وكنز العمّال وغيرهم، وأن تعنى بروايته كتب المفسِّرين أمثال: الرازي، والثعلبي، والنيسابوري، والخازن، وابن كثير وغيرهم، بالاضافة إلى كثير من كتب التاريخ واللغة والسير والتراجم. وما أظنّ أنّ حديثاً يملك من الشهرة ما يملكه هذا الحديث» الاُصول العامة للفقه المقارن، ص164.

([25]) مفاتيح الجنان المعرّب، الشيخ عبّاس القمّي ص588، الدعاء زمن الغيبة.

([26]) التين: 4 ـ 5.

([27]) فاطر: 10

([28]) مريم: 57.

([29]) بحار الانوار، العلاّمة المجلسي، ج92 ص102، مؤسسة الوفاء، بيروت ـ لبنان.

([30]) الاسراء: 9 .

([31]) الاُصول من الكافي، ج1 ص216، كتاب الحجّة، باب أنّ القرآن يهدي للامام، الحديث: 2.  

([32]) بحار الانوار، ج39، ص272.

([33]) المصدر السابق، ج38، ص188.   

([34]) نقلاً من «الميزان في تفسير القرآن» ج1، ص41.

([35]) جامع أحاديث الشيعة!، ج1 ص438، الحديث: 983.

([36]) الاصول من الكافي، ج1 ص180، كتاب الحجّة، باب معرفة الامام والردّ إليه، الحديث: 1.

([37]) المصدر السابق، ج1 ص184، الحديث: 9.

([38]) إبراهيم: 24 ـ 25.

([39]) الميزان في تفسير القرآن، ج12 ص63.

([40]) البقرة: 197 .

([41]) التفسير الكبير، للامام الفخر الرازي، ج5 ص168.

([42]) الاسراء: 79.

([43]) المزمل: 2 ـ 6 . 

([44]) الميزان في تفسير القرآن، ج20 ص62.

([45]) المزّمل: 19.

([46]) بحار الانوار، ج78 ص83 .    

([47]) نهج البلاغة، الخطبة: 114.

([48]) نهج البلاغة، الخطبة: 157.

([49]) نهج البلاغة، الخطبة: 183.

([50]) نهج البلاغة، قصار الحكم: رقم 344.

([51]) نهج البلاغة، الخطبة: 204.

([52]) الاصول من الكافي، ج2 ص76، كتاب الايمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، الحديث: 7.

([53]) نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم 410.

([54]) نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم 388.

([55]) نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم 371.

([56]) الاصول من الكافي، ج2 ص75، كتاب الايمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، الحديث: 5.

([57]) الاصول من الكافي، ج2 ص76، كتاب الايمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، الحديث: 8 .

([58]) المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني، ص530، مادّة «وقى».

([59]) تفسير المحيط الاعظم، السيد حيدر الآملي، ج1 ص278.

([60]) الطلاق: 5.

([61]) المائدة: 65.   

([62]) النساء: 31.

([63]) الميزان في تفسير القرآن، ج6 ص37، ج19 ص317.

([64]) الآيات 24 ـ إلى 26 من سورة إبراهيم.

([65]) الميزان في تفسير القرآن، ج11 ص155 بتصرّف.

([66]) الذاريات: 56.

([67]) النحل: 36 .

([68]) مريم: 36.

([69]) إبراهيم: 8 .

([70]) البقرة: 21 .

([71]) التفسير الكبير ، ج2 ص101 .

([72]) الكهف: 110.

([73]) الكهف: 103 ـ 105.

([74]) آل عمران: 200 .

([75]) الشمس: 9 ـ 10 .

([76]) الاعراف: 8 .

([77]) الحجرات: 13.

([78]) القمر: 54 ـ 55.

([79]) آل عمران: 133.

([80]) المرسلات: 41 ـ 44.

([81]) النبأ: 31 ـ 36.

([82]) الاعراف: 96 .

([83]) الجاثية: 19.

([84]) البقرة: 195.

([85]) آل عمران: 146.

([86]) الصف: 4.

([87]) آل عمران: 159.

([88]) البقرة: 222.

([89]) آل عمران: 76.

([90]) شرح جامع لاصول الكافي والروضة، محمد صالح المازندراني، ج9 ص399، من منشورات المكتبة الاسلامية، طهران.

([91]) الجاثية: 19.

([92]) يونس: 62 ـ 64.

([93]) غافر: 52 .   

([94]) آل عمران: 68 .

([95]) يوسف: 106 .   

([96]) يونس: 63.

([97]) النساء: 65 . 

([98])  يونس: 63.

([99])  يونس: 63.

([100]) الاحزاب: 39 .

([101]) آل عمران: 173.

([102]) التوبة: 92 .

([103]) فصّلت: 30 ـ 31 .

([104]) الميزان في تفسير القرآن، ج10 ص88 .

([105]) الزمر: 9.    

([106]) البقرة: 235. 

([107]) البقرة: 257.    

([108]) النور: 40. 

([109]) الانعام: 122.

([110]) الميزان، مصدر سابق، ج7 ص337.

([111]) البقرة: 257.

([112]) الاعراف: 179.

([113]) الاصول من الكافي، ج2 ص352، كتاب الايمان والكفر، باب من آذى المسلمين واحتقرهم، الحديث: 7.

([114]) شرح جامع لاصول الكافي والروضة، مصدر سابق، ج9 ص401.

([115]) التوحيد: الشيخ الصدوق; ص25، باب ثواب الموحِّدين، الحديث: 23.

([116]) المصدر السابق، ص27، الحديث: 26.

([117]) الاعراف: 201.

([118]) الاعراف: 200.

([119]) الميزان في تفسير القرآن، ج8 ص381.

([120]) الحجر: 42 .     

([121]) الاعراف: 156.

([122]) الميزان، مصدر سابق، ج8 ص274 .

([123]) الشعراء: 106.

([124]) الشعراء: 124.

([125]) الشعراء: 143.

([126]) الشعراء: 161.

([127]) الشعراء: 177.

([128]) الصافات: 124.

([129]) آل عمران: 102.

([130]) التغابن: 16.     

([131]) الميزان في تفسير القرآن، ج3 ص367. بتصرّف.

([132]) الانعام: 75.

([133]) غافر: 13.

([134]) العنكبوت: 43.

([135]) محمّد: 4.

([136]) الواقعة: 79.

([137]) يونس: 62 .     

([138]) نهج البلاغة، الكتاب رقم: 45.

([139]) المصدر السابق.

([140]) تفسير المحيط الاعظم والبحر الخضم: السيّد حيدر الآملي، ج1 ص283، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه: السيّد محسن الموسوي التبريزي.

([141]) رسالة الولاية، العلاّمة الطباطبائي، ص17.

([142]) التكاثر: 5 ـ 7.

([143]) الانعام: 75.      

([144]) رسالة الولاية، ص18.

([145]) يقال خفق رأسه إذا أخذته سِنة من النعاس، فمال رأسه دون سائر جسده.

([146]) الاصول من الكافي: كتاب الايمان والكفر ، ج2 ص53، ح2.

([147]) نهج البلاغة، الخطبة: 193.

([148]) رسالة الولاية، ص18.

([149]) ص: 28.

([150]) الجاثية: 21.

([151]) الجاثية: 20.

([152]) طه : 124.

([153]) النحل: 97.

([154]) الانعام: 122.

([155]) الروم: 47.

([156]) الميزان في تفسير القرآن، ج12 ص341.

([157]) المجادلة: 22.

([158]) بحار الانوار، ج25 ص53، الحديث: 14.

([159]) الاصول من الكافي، ج2 ص268، كتاب الايمان والكفر، باب الروح الذي أيّد به المؤمن، الحديث: 1.

([160]) الاصول من الكافي، ج1 ص272، كتاب الحجّة، باب فيه ذكر الارواح التي في الائمّة (عليهم السلام) الحديث: 3.

([161]) تفسير المحيط الاعظم والبحر الخضم ، السيّد حيدر الآملي، ج1 ص272.

([162]) إحياء علوم الدين، الغزالي، ج1 ص232، كتاب أسرار الصوم; بحار الانوار، المجلسي، ج70 ص59.

([163]) تفسير المحيط الاعظم والبحر الخضم، ج1 ص272.

([164]) الاصول من الكافي، ج1 ص423، كتاب الايمان والكفر، باب في تنقل أحوال القلب، الحديث: 1. 

([165]) يوسف: 108.  

([166]) النحل: 78.

([167]) المطففين: 14.

([168]) الحج: 46.

([169]) النور: 36 ، 37 .   

([170]) نهج البلاغة، الخطبة: 222.

([171]) الانفال: 29.     

([172]) المفردات في غريب القرآن، الراغب الاصفهاني: مادة «فَرَق».

([173]) الميزان في تفسير القرآن، ج9 ص56.

([174]) العنكبوت: 69.

([175]) المفردات في غريب القرآن، مادة «جهد».

([176]) الميزان في تفسير القرآن، ج16 ص151.

([177]) الاسراء: 20 .

([178]) جامع السعادات، محمد مهدي النراقي، ج1 ص43، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات.

([179]) نهج البلاغة، من كلام له (عليه السلام) في وصف سالك الطريق إلى الله سبحانه: رقم 220.

([180]) الطلاق: 2 ، 3 .     

([181]) آل عمران: 68.

([182]) الجاثية: 19.   

([183]) آل عمران: 102.

([184])  الاعراف: 29. 

([185])  الطلاق: 2.

([186])  الطلاق: 4.

([187]) ق: 29.

([188]) الرعد: 41.

([189]) يس : 82.

([190]) الميزان في تفسير القرآن، ج19 ص313.

([191]) الاسراء: 80.

([192]) الطلاق: 4.

([193]) طه: 123.

([194]) الليل: 5 ـ 7.

([195]) الميزان، مصدر سابق، ج14، ص224.

([196]) الرتق: الضمّ والالتحام خِلقةً كان أم صنعة، قال تعالى: (كانتا رتقاً ففتقناهما) أي منضمّتين. المفردات في غريب القرآن، مادّة «رتق».

([197]) نهج البلاغة، من كلام له (عليه السلام) ، رقم: 130.

([198]) نهج البلاغه، الخطبة: 183.

([199]) نهج البلاغه، الخطبة: 230.   

([200]) الكهف : 77 . 

([201]) الكهف: 82 .

([202]) تفسير العيّاشي، ج2 ص363، ح63، نقلاً عن البرهان في تفسير القرآن، العلاّمة المحدِّث السيّد هاشم البحراني، ج5، ص60، منشورات مؤسّسة الاعلمي، بيروت ـ لبنان.

([203]) المصدر السابق.  

([204]) النساء: 9.

([205]) الميزان في تفسير القرآن، ج4 ص251.

([206]) الاعراف: 96.

([207]) الميزان في تفسير القرآن، ج8 ص201.

([208]) الجن: 16.  

([209])  طه: 131.

([210]) الميزان، مصدر سابق، ج20 ص46 .  

([211]) الليل: 8 ـ 10.

([212]) طه: 124 ـ 127.

([213])  الزخرف: 32.

([214])  الاعراف:10.

([215])  الحاقة:12.

([216]) المفردات، مادّة «عيش».

([217])  طه: 124.

([218])  طه: 123.

([219]) الرعد: 26.

([220]) الميزان في تفسير القرآن، ج14 ص224.

([221]) الرعد: 28 .

([222]) الحج: 46.  

([223]) الاعراف: 179.

([224]) التوبة: 67.    

([225]) الميزان، مصدر سابق، ج11 ص355.

([226]) الميزان في تفسير القرآن، ج2 ص181 بتصرّف.

([227]) سبأ: 15 ـ 17.    

([228]) نوح: 25 . 

([229]) فصّلت: 17.

([230]) الروم: 41.

([231]) الميزان، مصدر سابق، ج16 ص195.

([232]) الشورى: 30.

([233]) الميزان، مصدر سابق، ج18 ص59 .

([234]) الروم: 30.

([235]) المؤمن: 21.

([236]) الاسراء: 16.

([237]) المؤمنون: 44.   

([238]) فاطر: 42 ـ 43 . 

([239]) الاصول من الكافي، كتاب الكفر والايمان، باب في عقوبات المعاصي العاجلة، الحديث: 1.

([240]) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، العلاّمة المجلسي، ج11 ص70، دار الكتب الاسلامية.

([241]) شرح جامع لاصول الكافي، المولى محمد صالح المازندراني، ج1 ص30، منشورات المكتبة الاسلامية. 

([242]) أخفر الذمة: لم يف بها.   

([243]) الادالة: الغلبة. 

([244]) الاصول من الكافي، ج2 ص448، كتاب الكفر والايمان، باب في تفسير الذنوب، الحديث: 3.

([245]) سورة الرعد: 11.    

([246]) معاني الاخبار، ص270، الحديث 2 نقلاً من «البرهان في تفسير القرآن»، ج6، ص162.

([247]) الاسراء: 33.

([248]) المائدة: 31.

([249]) معاني الاخبار، 270، ح: 2، نقلاً من البرهان في تفسير القرآن، ج6 ص162.

([250]) طه: 50.

([251]) يس: 38.

([252]) السجدة: 11 .

([253]) العلق: 8 .

([254]) الانبياء: 22 .

([255]) تعليقة على نهاية الحكمة: مصباح يزدي، رقم : 422.

([256]) هود: 56.

([257]) آل عمران: 191.    

([258]) الروم: 41.

([259]) الميزان في تفسير القرآن، ج8 ص196 ، بتصرّف.

([260]) الدخان: 3.

([261]) ص: 27.

([262]) المؤمنون: 115.

([263]) الانعام: 133.

([264]) الشورى: 31.

([265]) الميزان، ج2 ص184.

([266]) الجاثية: 13.

([267]) طه: 50.

([268]) النجم: 42.

([269]) الرعد: 11.

([270]) الميزان، مصدر سابق، ج11، ص311.

([271]) الجن: 16.  

([272]) الروم: 41.

([273]) فاطر: 43.  

([274]) المؤمنون: 71.   

([275]) الروم: 30.

([276]) الميزان، مصدر سابق، ج15 ص46.

([277]) الميزان، مصدر سابق، ج8 ص198.

([278]) الميزان، مصدر سابق، ج2 ص183.

([279]) السجدة: 5.

([280]) النازعات: 5 .

([281]) الزمر: 42.

([282]) النحل: 70.

([283]) الانعام: 61.

([284]) الميزان، مصدر سابق، ج20 ص184.

([285]) البروج: 20.     

([286]) الفرقان: 3.

([287]) الميزان، مصدر سابق، ج20، ص184.

([288]) الروم: 41.

([289]) الميزان في تفسير القرآن، ج16 ص196.

([290]) الشورى: 30.

([291]) الشورى: 34.

([292]) فاطر: 45.

([293]) النحل: 61 .

([294]) الميزان، مصدر سابق، ج12 ص280 .

([295]) الاعراف: 94 ـ 96.

([296]) الميزان، مصدر سابق، ج8 ص195 .

([297]) الاعراف: 94.

([298]) حم السجدة: 51 .  

([299]) الاعراف: 59.

([300]) المؤمن: 83 .

([301]) الميزان، مصدر سابق، ج8 ص199.

([302]) الاعراف: 182.

([303]) المفردات في غريب القرآن، ص167، مادة «درج».

([304]) الاعراف: 95.

([305]) الميزان في تفسير القرآن، ج8 ص346.

([306]) الرعد: 28.

([307]) طه: 124.

([308]) آل عمران: 178.

([309]) التوبة: 55.

([310]) يونس: 62.

([311]) طه: 124 ـ 126.

([312]) التوبة: 55 .      

([313]) الاعراف: 182 ـ 183.

([314]) الميزان، مصدر سابق، ج9 ص308.

([315]) فاطر: 42 ـ 44.

([316]) القمر: 54 ـ 55.  

([317]) التفسير الكبير، ج29 ص80.

([318]) الميزان في تفسير القرآن، ج19 ص89 .

([319]) التفسير الكبير، ج29 ص81 .

([320]) مصباح الشريعة، ص163، نقلاً من تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، العلاّمة المفسِّر الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي، ج12 ص552.

([321]) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، السيّد شرف الدين علي الحسيني الاشهرآبادي الغروي، ص609، مؤسسة النشر الاسلامي.

([322]) الزخرف: 67.

([323]) الفرقان: 29.     

([324]) الميزان في تفسير القرآن، ج18 ص120.

([325]) الدرّ المنثور في التفسير المأثور، السيوطي، ج7 ص388، دار الفكر.

([326]) البرهان في تفسير القرآن، العلاّمة المحدِّث السيّد هاشم البحراني، ج7 ص146، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات.

([327]) مريم: 85 .

([328]) المفردات في غريب القرآن، مصدر سابق، ص528.

([329]) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، العلاّمة الآلوسي البغدادي، ج16 ص136، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

([330]) الانسان: 21 .

([331]) البرهان في تفسير القرآن، البحراني، ج5 ص141.

([332]) الدخان: 51 ـ 57.

([333]) الزمر: 73 ـ 74.  

([334]) 30 ـ 32.

([335]) البرهان في تفسير القرآن، ج4 ص444.

([336]) البقرة: 213.

([337]) النساء: 165.

([338]) الانعام: 48.

([339]) البقرة: 119.

([340]) الفرقان: 56.

([341]) سبأ : 28 .

([342]) المفردات، مادة «بشر» و«نذر».

([343]) السجدة: 16.

([344]) الميزان في تفسير القرآن، ج16 ص263.

([345]) السجدة: 19 ـ 20.

([346]) التوبة: 111.

([347]) آل عمران: 4.

([348]) نهج البلاغة، الخطبة: 28.

([349]) نهج البلاغة، الخطبة: 83 .

([350]) نهج البلاغة، الخطبة: 157 .  

([351]) ابراهيم : 7 .

([352]) الرحمن : 29 .  

([353]) تفسير القمي، ج2 ص82 .

([354]) بحار الانوار، ج18 ص292.

([355]) أمالي الصدوق: 704 / 968.

([356]) علم اليقين في أصول الدين، الفيض الكاشاني، ج2 ص1032، انتشارات بيدار.

([357]) سنن الترمذي، ج4 ص709; علم اليقين، ج2 ص1034.

([358]) الرعد: 7.

([359]) النازعات: 45.     

([360]) هود: 12.  

([361]) فاطر: 23.

([362]) الميزان في تفسير القرآن، ج11 ص158 .

([363]) نهج البلاغة، الخطبة: 109.

([364]) نهج البلاغة، الخطبة : 183.  

([365]) البقرة: 165.

([366]) التوبة: 25.

([367]) الميزان في تفسير القرآن، ج1 ص406 .

([368]) الاعراف: 180.

([369]) طه: 8 .

([370]) الانعام: 102.

([371]) السجدة: 7 .

([372]) آل عمران: 190.

([373]) الاسراء: 44 .

([374]) الميزان، مصدر سابق، ج11 ص159 .

([375]) الشعراء: 89 .

([376]) الميزان، مصدر سابق، ج15 ص292 .

([377]) الميزان، مصدر سابق، ج1 ص374.

([378]) المائدة: 54.

([379]) آل عمران: 31.

([380]) آل عمران: 19.

([381]) يوسف: 108.

([382]) الجاثية: 18 .

([383]) آل عمران: 20 .

([384]) الانعام: 153.

([385]) الميزان في تفسير القرآن، ج3 ص158، بتصرّف.

([386]) الحديد: 20.

([387]) الميزان، مصدر سابق، ج11 ص158 .

([388]) القصص: 60.

([389]) طه: 73 .   

([390]) الاصول من الكافي، ج2 ص84 ، كتاب الايمان والكفر، باب العبادة.

([391]) النمل: 89 .     

([392]) آل عمران: 31.

([393]) تسنيم، تفسير القرآن الكريم: المفسّر الحكيم آية الله جوادي آملي، ج1 ص451. ] بالفارسية[

([394]) الميزان في تفسير القرآن، ج1 ص38 .

([395]) تسنيم، مصدر سابق، ج1 ص451.

([396]) نهج البلاغة، الحكمة رقم: 237.

([397]) الميزان في تفسير القرآن، ج1 ص38.

([398]) الميزان، مصدر سابق، ج8 ص33.

([399]) الانسان: 21 .

([400]) تفسير الصافي، الفيض الكاشاني، ج5 ص265، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.

([401]) المطففين: 21 .

([402]) التكاثر: 6 .

([403]) الزمر: 3.

([404]) البيّنة: 5.

([405]) المؤمن: 65.

([406]) الانعام: 87 .

([407]) الحج : 78 .

([408]) الصافات: 160 .    

([409]) الاحزاب: 33 . 

([410]) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، العلاّمة الآلوسي البغدادي، ج22 ص14، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

([411]) الشورى: 23.

([412]) التفسير الكبير، للامام الفخر الرازي، ج27، ص166.

([413]) نهج البلاغة، الخطبة : 2 .

([414]) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، العلاّمة المجلسي، ج8 ص86 دار الكتب الاسلاميةُ، ومثله المولى المازندراني في شرحه الجامع لاصول الكافي والروضة ج8 ص251، منشورات المكتبة الاسلامية.

([415]) العروة الوثقى، السيّد اليزدي، كتاب الصلاة، فصل في النيّة.

([416]) الميزان في تفسير القرآن، ج11 ص159 .

([417]) يوسف : 106.

([418]) يونس: 65.

([419]) الميزان في تفسير القرآن، ج11 ص276 .

([420]) التوبة: 28 .

([421]) بحوث في شرح العروة الوثقى، محمد باقر الصدر، ج3 ص461، مطبعة الآداب في النجف الاشرف.

([422]) المفردات في غريب القرآن، مادّة «نجس».

([423]) الميزان في تفسير القرآن، ج1 ص360 .

([424]) نهج البلاغة، الخطبة : 193.

([425]) الميزان في تفسير القرآن، ج1 ص358 .

([426]) النحل: 96 .

([427]) النمل: 14 .

([428]) الجاثية: 23.

([429]) الجاثية: 17.

([430]) الصافات: 159 ـ 160.

([431]) الانعام: 88 .

([432]) المائدة: 67.

([433]) المجادلة: 22.

([434]) الميزان في تفسير القرآن، ج11 ص163.

([435]) الميزان، مصدر سابق، ج5 ص78 ، ص80 .

([436]) الانعام: 75.

([437]) التكاثر: 6.  

([438]) العصمة: بحث تحليلي في ضوء المنهج القرآني، ص133، بقلم: محمد القاضي.

([439]) بحث حول الامامة; نص الحوار مع السيّد كمال الحيدري، ص167، حاوره: جواد علي كسّار.

([440]) فلسفة الوحي والنبوّة، محمد الري شهري، ص238، تعريب خالد توفيق.

([441]) الاشارات والتنبيهات، ابن سينا، ج3 ص377، مع الشرح للمحقّق الطوسي.

([442]) المصدر السابق، ج3 ص370.

([443]) المصدر السابق ، ج3 ص369.

([444]) المصدر السابق، ج3 ص390.

([445]) شرح القيصري على فصوص الحكم، الفص الابراهيمي، ص179، الفصل العزيري، ص304 الطبعة الحجرية.

([446]) الرسائل، صدر الدين الشيرازي، ص283، مكتبة المصطفوي قم. ايران.

([447]) شرح أصول الكافي في آخر كتاب مفاتيح الغيب، صدر الدين الشيرازي، ص461 منشورات مكتبة المحمودي بطهران، الطبعة الحجرية.

([448]) مجموعة مقالات، الطباطبائي، ج1 ص39.

([449]) نقلاً من «الميزان في تفسير القرآن» ج6 ص175.

([450]) المصدر نفسه.

([451]) فصلت: 53.

([452]) الذاريات: 21 .

([453]) آل عمران: 190 ـ 191.  

([454]) البقرة: 22 .

([455]) الاسراء: 12 .   

([456]) الميزان في تفسير القرآن، ج18 ص373.

([457]) الميزان، مصدر سابق، ج6 ص170.

([458]) فاطر: 15.

([459]) التوحيد، الشيخ الصدوق، ص143، باب صفات الذات وصفات الافعال، الحديث: 7.    

([460]) يس: 82.

([461]) الانعام: 75 .

([462]) الاسراء: 1

([463]) النجم: 18.

([464]) بحار الانوار، المجلسي، ج26 ص114، الحديث: 13.

([465]) المصدر السابق: الحديث: 15.

([466]) المصدر السابق، الحديث : 16 .   

([467]) الانعام: 32

(